ثمَّ ولِيَها عُبَيْد اللَّه بْن السَّريّ بايعه الجند يوم الثلاثاء لتسع خلونَ من شعبان سنة ستّ ومائتين وهو عَلَى صلاتها وخَراجها فجعل عَلَى شُرَطه محمد بْن عُتْبة بْن يَعْفُر المَعافريّ، وكفّ عُبَيْد اللَّه بْن عليّ بْن الجَرَويّ، فكفّ عليّ عَنْهُ حتى انسلخت سنة ستّ ومائتين، وعقد المأمون لخالد بْن يزيد بْن مَزْيَد الشَّيْبانيّ عَلَى صلاتها، وبعثه فِي جيش من رَبِيعة وأفناء الناس حتى دخل أرضها وراسل عبيدًا، فامتنع عُبَيْد من التسليم لَهُ، واحتجّ عُبَيْد أن كتاب أمير المؤمنين المأمون ورد عَلَيْهِ بوِلايته، وبعث عُبَيْد بأخيه أحمد بْن السَّريّ يمانع خَالِد بْن يزيد من المسير، فالتقوا بفاقُوس من حَوْف مِصر الشرقيّ، فاقتتلوا، ثمَّ تحاجزوا، وانضمّ عليّ بْن الجَرَويّ إلى خَالِد بْن يزيد، وأقام لَهُ الأَنزال ودلَّه عَلَى الطريق، وحفر عُبَيْد اللَّه خَنْدقًا، وفرض فُروضًا، وخالد مُجدّ فِي جِباية ما مرّ عَلَيْهِ من القُرى، ثمَّ سار خَالِد حتى نزل دَمَنْهُور عَلَى أميال من الفُسطاط، ثمَّ سار أيضًا إلى خَنْدَق عُبَيْد، فاقتتلوا لخمس خلونَ من ربيع الأوَّل سنة سبع ومائتين، اقتتلوا ثلاثة أيَّام، وأَسر خَالِد شَمَّاس بْن داود بْن الحَكَم، فقتله صبرًا، ثمّ صحبهم عُبَيْد اللَّه اليوم الرابع فكرَّ عليهم بنفسه، فانهزموا عَنْهُ.
[ ١٣١ ]
قَالَ مُعلًّى الطائيّ:
فَيَا مَنْ رَأَى جَيْشًا مَلَا الأَرْضَ فَيْضُهُ … أَطَلَّ عَلَيْهِمْ بِالْهَزِيمةِ وَاحِدُ
تَبَوَّأ دَمَنْهُورًا فَدَمَّرَ جَيْشَهُ … وَعَرَّدَ جَيْشُ اللَّيْلِ وَاللَّيْلُ رَاكِدُ
ونزل خَالِد بدَمَنْهُور ووافقه عُبَيْد بها، وسفر بينهما رِجال من الجُند، فكان يحتجّ بكتاب أمير المؤمنين المأمون ووِلايته إِيَّاه عليها.
قَالَ سَعِيد بن عُفَير:
يَا أَيُّهَا المُتحَارِبَان وَإِنَّمَا … دَعْوَاهُمَا الْمَأْمُونُ فِي الصَّدَقَاتِ
هَلْ تَرْجِعَانِ إِلَى التَّقِيَّةِ والتُّقَى … وَتُتَارِكَانِ تَغَاوُرَ الْغَارَاتِ
حَتَّى يَجِيءَ مِنَ الخَلِيفَةِ أَمْرُهُ … فَيَمِيزَ بَيْنَ الحَقِّ والشُّبُهَاتِ
ثمَّ التقَّوا صبيحة الاثنين لمُستَهلّ ربيع الآخر سنة سبع ومائتين، فاقتتلوا وأسرع القتل فِي الفريقين جميعًا، ثمَّ عدَّوا عَن الحرب، فقهقر أصحاب خَالِد إلى أرض الحَوْف، فلمَّا رأَى ذَلكَ عليّ بْن الجَرَويّ، مكر بخالد حتى أَخْرَجَهُ عَنْ عمَله، فقال لخالد: إنّي لا أَرى لك أن تُقيم فِي بلاد قَيْس وهم جُند الحَوْف، وهذا النيل قد مدّ فتصير أسيرًا فِي أَيْديهم، وقد رأَيت أن أقدّم لك سُفُنًا تجوز فيها إلى عِدَى النيل، وأُمدّك بالطَّعام والعلَف، فإذا انكشف النيل عُدَْ إلى مَوضِعك.
فأجابه خَالِد، فقدّم إِلَيْهِ عليّ بْن الجَرَويّ مراكبه، فعدَّى فيها النيل حتى صار إلى نَهْيَا، فنزل فِي رملها، وانصرف عليّ بْن الجَرَويّ وتركه بها فِي ضُرّ وجهد، قَالَ مُعَلًّى:
سَلَا خَالِدًا لَمَّا انْجَلَى عَنْهُ شَكُّهُ … وَأَسْلَمَهُ فِي عُدْوَةِ البَحْرِ خَاذِلُهُ
فَزَالَتْ أَمَانِيهِ غَدَاةَ سَمَا لَنَا … بِعَارِضِ جَيْشٍ يَمْطُرُ المَوْتَ وَابِلُهُ
فلمَّا انكشف النيل عسكرَ عُبيد بالجِيزة لعشرٍ خلونَ من شهر رمضان سنة سبع، ثمَّ سار إلى خَالِد بنَهْيَا، فحاربه، فأَسر خَالِد بْن يزيد، واستأمن عظيم جيشه ودخل بِهِ إلى الفُسطاط يوم الإثنين لخمس خلونَ من شوَّال سنة سبع.
قَالَ مُعَلًّى الطائيّ:
[ ١٣٢ ]
أَلَا لَا أَرَى خَيْلًا أَضَرَّ لَهُ الْوَغَى … وَأَجْبَنَ فِي الهَيْجَاء مِنْ خَيْل خَالِدِ
وَقُوَّادُهُ أَشْرَارُ كُلِّ قَبِيلَةٍ … تَمَالَوْا عَلَى إِسْلَامِهِ فِي الشَّدَائِدِ
فَمَا أَسَرُوا مِنْه جَبَانًا مُعَضِّدًا … وَلَكِنْ أَبَا شِبْلَيْنِ عَبْلَ السَّوَاعِدِ
فَإِنْ يَقْتُلُوهُ يَقْتُلُوا مِنْهُ سَيدًا … شُجَاعًا جَوَادًا مَاجِدًا وابْنَ مَاجِدِ
وإِنْ كَفَفُوا عَنْ قَتْلِهِ فَهْيَ مِنَّةٌ … لِآلِ سَرِيٍ فِي مَنَاطِ الْقَلَائِدِ
ودعا عُبَيْد بْن السَّريّ بخالد بْن يزيد فسأَله عمَّا ذهب لَهُ من مال، فخبَّره بِهِ، فدفع إِلَيْهِ عُبَيْد أضعافه ومنَّ عَلَيْهِ، وخيَّره بين المُقام عنده أو يخرج حيث شاءَ، فاختار رُكوب البحر من القُلْزُم إلى مَكَّة، فخرج من مِصر.
وقدِم حَمّاد بْن أَبِي سمين رسولًا من أمير المؤمنين المأمون بوِلاية عُبَيْد عَلَى ما فِي يديه وضَمْنه خَراجه، وبِولاية عليّ بْن الجَرَويّ عَلَى ما فِي يديه وضَمْنه خَراجه، وأقبل عليّ بْن الجَرَويّ عَلَى استخراج خَراجه، فمانعه قوم من أهل الحَوْف، وكتبوا إلى عُبَيْد يستمدّونه عَلَى عليّ، فأمدّهم، وبعث بأخيه أحمد بْن السَّريّ إليهم، فسار عليّ بْن الجَرَويّ إِلَيْهِ، فالتقوا بالنوب من كُورة بَنا وهو الموضِع الَّذِي، يقال لَهُ: بُلْقِينة، فاقتتلوا يوم الأربعاء لثلاث عشرة خلت من صفر سنة سبع ومائتين.
وخرج عُبَيْد من الفُسطاط، فعسكر بالبَثَنُون، ثمَّ عسكر بدفرا، وعاود ابن الجَرَويّ أحمد بْن السَّريّ الحرب بمحَلَّة أَبِي الهَيْثَم سلخ صفر، وعاوده أيضًا لثلاث خلونَ من ربيع الأَوَّل وهم منتصفون، ثمَّ انصرف ابن الجَرَويّ، فتحمَّل فيمن معه ومضى إلى دِميَاط.
قَالَ مُعَلًّى الطائيّ:
أَلَا هَلْ أَتَى أَهْلَ الْعِرَاقَيْنِ وَقْعَةٌ … لَنَا بِحِمَى بُلْقِينَ شَيَّبَتِ الوُلْدَا
وَمَا كَانَ مِنَّا قَتْلُهُمْ عَنْ جَهَالَةٍ … خَطَاءً وَلكِنَّا قَتَلْنَاهُمُ عَمْدَا
وَلَمَّا تَبَيَّنْتَ الْمَنِيةَ فِي الْقَنَا … نَكَصْتَ تُنَادِي حِينَ ضَلَّ النِّدَا سَعْدَا
[ ١٣٣ ]
فَوَلَّيْتَ عَنْ رَبْعِ الْمَحَلَّةَ هَارِبًا … عَلَى أَبْلَهٍ مَا تَرْكَبُ الْجَوْرَ والقَصْدَا
فكَيْفَ رَأَيْتَ اللَّه أَنْزَلَ نُصْرَةً … عَليْنَا وَوَلَّاكَ المَذَلَّةَ وَالطَّرْدَا
سَنُهْدِي إِلَى المأْمُونِ مِنَّا نَصَائِحًا … نُضَمِّنُهَا طَيَّ الصَّحَائِفِ وَالْبُرْدَا
بِفِعْلِ عَلِيّ وَالَّذِي كَانَ مُجْمِعًا … عَلَيْهِ بِإِظْهَارِ الخِلَافَ الَّذِي أَبْدَا
ومضى أحمد بْن السَّري إلى مَحَلَّة شَرْقيُون، فدخلها وأمر بنهبها، فكان من أعظم ما أتاه، ومضى عليّ بْن الجَرَويّ إلى طنطا، ومضى أصحاب عُبَيْد إلى تِنِّيس ودِمْيَاط فدخلوها، ومضى عُبَيْد، فدخل تِنِّيس لإحدى عشرة بقيَتْ من ربيع الأوَّل سنة تسع، ولحِق ابن الجَرَويّ بالفَرَما، ثمَّ إلى العَريش، فنزل فيما بينهما وبين غَزَّة.
قَالَ سَعِيد بْن عُفير:
أَلَا يَا عَلِيَّ بْنَ عَبْدِ العَزِيزِ … إِلَى أَيْنَ صِرْتَ تُرِيدُ الفِرَارَا
فَلَسْتَ بِأَوَّلِ مَنْ كَادَهُ … عَدُوٌّ فَكَرَّ عَلَيْهِ اعْتِكَارَا
وأَجْرُ مَصِيرِكَ أَنْ يَسْحَبُوا … إِلَيْكَ فُتُوحًا عِظَامًا كِبَارَا
فَتُدْرِكُ ثَأْرَكَ مِنْ أَهْلِهِ … وَتَلْبَسُ بَعْدَ الكُبُوِّ القَسَارَا
وعاد عليّ بْن الجَرَويّ، فأغار عَلَى الفَرَما مستهلّ جمادى الآخرة سنة تسع، وهرب أصحاب عُبَيْد من تِنِّيس ودِمْياط، فلحِقوا بالفُسطاط وأَقبل ابن الجَرَويّ إلى شَطَنُوف، فجمع لَهُ عُبَيْد واستعدّ، وعقد لمحمد بْن سُلَيْمَان بْن الحَكَم عليهم، فالتقوا بشَطَنُوف، فكانت لابن الجَرَويّ أوَّل النهار، ثمَّ أتاه كمين عُبَيْد، فانهزم، وذلك يوم الإثنين لثماني عشرة خلت من رجب سنة تسع، ومضى عُبَيْد بْن السّريّ إلى تِنِّيس ودِمْياط، ولحِق عليّ بْن الجرَويّ بالعَريش.
قَالَ مُعَلًّى الطائيّ:
أَلَمْ تَرَ خَيْلَهُ صَبَحَتْ عَلِيًّا … تُدِفُّ عَلَى مَنَاسِجِهَا النِّسَاعَا
فَوَلَّى عَنْ عَسَاكِرِهِ وَخَلَّى … عَلَى الأَسَلِ المَدَائِنَ وَالرِّبَاعَا
وَلكِنْ فَاتَ فَوْقَ أَقَبَّ نَهْدٍ … كَرَجْعِ الطَّرْفِ لا تَخْشَى اصْطِلَاعَا
[ ١٣٤ ]
فَحَسْبُكَ أَنَّ قَوْمَكَ مِنْ جَُذَامٍ … وَسَعْدٍ لَا لَهُمُ اجْتِمَاعَا
دَعَتْهُمْ طَاعَةٌ لَكَ فَاسْتَجَابُوا … وَمِنْ عَجَبٍ لِمِثْلِكَ أَنْ يُطَاعَا
وأقبل عليّ بْن الجَرويّ أيضًا فِي المحرَّم سنة عشر ومائتين، فدخل تِنِّيس ودِمْيَاط بغير قتال، وأَتى مَحَلَّة شَرْقيُون، فبعث عُبَيْد بمحمد بْن سُلَيْمَان بْن الحكَم فِي المراكب، فنزل طُوخ، فبعث إِلَيْهِ ابن الجَرَويّ بابن غُصَين السَّعديّ، فقاتله، فانهزم ابن غُصَين ذَلكَ عليًّا، فمضى إلى الهُورِين ثمَّ دخل منها إلى جَرجير.