ثمَّ ولِيَها عيسى بْن يزيد خليفةً لأبي إِسْحَاق عَلَى صلاتها فجعل عَلَى شُرَطه رَجُلًا من أهل خُراسان، يقال لَهُ: مُطهَّر، ثمَّ سار عيسى إلى أهل الحَوْف، فلقِيَهم بمُنْية مَطَر، فكانت بينهم وقعة، ثمَّ انصرف أهل الحَوْف عَلَى حامية، ومضى الجُلُوديّ حتى نزل النُّويرة، فخندق عَلَى نفسه وجيشه خندقًا، وأقام أيامًا، فأتاه أهل الحَوْف فصبَّحوا بِهِ، فهاله أمرهم، فلمَّا أمسى تحمَّل منهزمًا إلى الفُسطاط، وأحرق ما ثقل عَلَيْهِ من رحله، وخندق عَلَى الفُسطاط وذلك يوم الثلاثاء لأربع خلونَ من رجب سنة أربع عشرة.
قَالَ حبيب بْن أَوْس الطائيّ يهجو الجُلُوديّ:
اللَّه أَرْهَقَكَ الْهَزِيمَةَ إِذْ … جَذَبَتْكَ أَحْبَالُ الرَّدَى جَذْبَا
وَأَتَتْكَ خَيْلٌ لَوْ صَبَرَْت لَهَا … أَنْهَبْنَ رَوحَكَ فِي الْوَغَى نَهْبَا
مِنْ حَيِّ عَدْنَانَ وَإِخْوَتِهِمْ … قَحْطَانَ لَا مِيلًا وَلَا نُكْبَا
أَعْصَمْتَ بِاللَّيْلِ البَهِيمِ وَقَدْ … أَلْقَى عَلَيْكَ ظَلَامَهُ حُجْبَا
وتَرَكْتَ جُنْدَكَ لِلُقَنَا جُزُرًا … وَالْبِيضُ تَخْدُبُ هَامَهُمْ خَدْبَا
فَاشْكُرْ أَيَادِي لَيْلَةٍ سَنَحَتْ … لَكَ بِالْبَقَا فَركِبْتَهَا رَكْبَا
[ ١٤٠ ]
وأقبل أَبُو إِسْحَاق بْن هارون سائرًا إلى مِصر فِي أربعة آلاف من أتراكه فلم يشعر أهل الحَوْف إلَّا بنزوله بين أظهرهم، فراسلهم ودعاهم إلى الطاعة.
فامتنعوا عَلَيْهِ، فقاتلهم يوم السبت لعشر بقينَ من شعبان سنة أربع عشرة، فهزمهم، ونزل أَبُو إِسْحَاق ببُلْبَيس يوم الأحد لتسع بقينَ من شعبان، وبعث فِي طلَب عبد الله بْن حُلَيس، وعبد السلام بْن أَبِي الماضي، فأُتِي بهما مستهلّ شهر رمضان، فقيَّدهما وسجنهما ثمَّ أقامهما للناس، ودخل أَبُو إِسْحَاق الفُسطاط يوم الخميس لثمان خلونَ من رمضان سنة أربع عشرة ومائتين، ثمَّ خرج أَبُو إِسْحَاق إلى الجِيزة، فدعا بابن حُلَيس، وعبد السلام، فضرب أعناقهما وصلبهما يوم الإثنين لثنتي عشرة ليلة بقِيَت من ذي القعدة سنة أربع عشرة ومائتين.
قَالَ مُعلًّى الطائيّ:
إِنَّ الحُلَيْسِيَّ غَدَا سَابِقًا … فِي حَلْبَةِ الْجِسْرَيْنِ قَدْ قصَّبَا
عَلَى طِمِرٍ مَا لَهُ أَرْجُلٌ … مِنْ صَنْعَةِ النَّجَّارِ قَدْ شُذِّبَا
وَلَيْسَ يَدْرِي عِنْدَ إِلْجَامِهِ … مَنْ أَثْفَرَ الطِّرْفَ وَمَنْ لَبَّبَا
مُسَمَّرُ الخَلْقِ أَمُونُ الشَّوَى … يَأْنَفُ أَنْ يَأْكُلَ أَوْ يَشْرَبَا
وَلَوْ سَرَى لَيْلَتَهُ كُلَّهَا … مَا جَاوَزَ الْجِسْرَ وَلَا قَربَا
لَوْ كانَ مِنْ بَعْضِ نَخيل القُرَى … كَانَ أَبُو القَاسِمِ قَدْ أَرْطَبَا
كَسَا أَبُوا إِسْحَاقَ أَوْدَاجَهُ … أَبْيَضَ لَا يَعْتِبُ مَنْ أَغْضَبَا
وَقَدْ سَقى عَبْدَ السَّلَامِ الرَّدَى … فَكَيْفَ بِاللهِ إِذَا جَرَّبَا
وخرج أَبُو إِسْحَاق متوجّهًا إلى الشام لغُرَّة المحرَّم سنة خمس عشرة ومائتين فِي أتراكه، وبجمع من الأَسارى فِي ضُرّ، وجَهْد شديد، وولَّى عَلَى مِصر عَبْدَويه بْن جَبلَة من الأبناء.