وأجمع جُند مِصر عَلَى منع مَرْوان إن هُوَ سار إليهم وجعلوا عَلَى أمرهم ذَلكَ عُبَيْد اللَّه بْن عبد الرحمن بْن عُميرة الحَضْرَميّ، فقدِم عُبَيْد اللَّه بن مَرْوان عَلَى مُقدَّمة أبيه، فدعاهم ابن عُميرة إلى النهوض معه، فتثاقلوا عَنْهُ، فرفض أمرهم.
وقدِم مَرْوان بْن محمد مِصر يوم الثلاثاء لثمان بقين من شوَّال سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وسودَّ أهل الحَوْف الشرقيّ، وأوَّل من سوَّد هُناك شُرَحبِيل بْن مُذيلفة الكَلْبيّ الزُّهَيريّ، ولحِق الأسود بْن نافع ابن أَبِي عُبيدة بْن عُقْبَة بْن نافع الفِهْريّ بالإسكندريَّة،
[ ٧١ ]
فسوّد بها وسوّد عَبْد الأعلى بْن سَعِيد بْن عبد الله بْن مسروق الجَيْشانيّ بصعيد مِصر، وسوّد يحيى بْن مُسلم بْن الأشجّ مولى بني زُهْرة بأُسوان، وعزم مَرْوان عَلَى تعدية النيل، فأمر بدار آل مَرْوان المذهبة، فأُحرقت، فقال لَهُ زبَّان بْن عَبْد العزيز: إنها دار بني عَبْد العزيز، وقد أعظَمتْ فيها النَّفَقة.
فقال مَروان: إن أبقَ ابنها لَبِنَةً من ذهَب، ولَبِنَةً من فِضَّة وإلَّا فما تُصاب بِهِ من نفسك أعظم.
ثمَّ دخل مَرْوان إلى الجِيزة وحرق الجِسرين، فقال عيسى بن شافع يبكي الدار المذَّهبة:
يَا طَلَلًا أَقْوَى وَحَلَّ الْبِلَى … مِنْهُ لَدَا الْعُلْوِ وَفي السُّفْلِ
قَدْ كُنْتَ مَغْنًى لِعُيُونِ الْمَهَا … وَكُنْتَ مَأْوًى لِظُبي الرَّمْلِ
وَكانَ أَرْبابكَ مَا إِنْ لَهُمْ … فِي النَّاسِ مِنْ نَوْعٍ وَلَا شَكْلِ
وبعث مَرْوان الكُوثَر بْن الأسودَ الغَنَويّ، وعثمان بْن أَبِي نِسْعَة الخَثْعَميّ إلى الأسود بْن نافع الفِهريّ، فالتقَّوا بالكِرْيَون فِي ذي القعدة، فقتل عيسى بْن عبدة بْن عُقبة بْن نافع، ودخل الكَوثَر الإسكندريَّة، فقتل عَبْد الأعلى بْن الهِجْرِس مولى مُراد، كَانَ عَلَى الموالي وخالفت القِبْط بِرَشيد، فبعث إليهم عثمان بْن أَبِي نِسْعَة فِي المعصه، فهزمهم وبعث زَبَّان بْن عَبْد العزيز إلى الصَّعيد، فأتى عَبْد الأعلى بْن سَعِيد، فقاتله، فهزمه زبَّان، ونجا عَبْد الأعلى، وجعل مَرْوان معه عمرو بْن سُهيل بْن عَبْد العزيز مُقيَّدًا، فلمَّا قُتل مَرْوان، هرب عمرو بْن سُهيل عَلَى وجهه.
وقدِم صالح بْن عليّ بْن عبد الله بْن عبَّاس، وأبو عَوْن عَبْد الملك بْن يزيد إلى مِصر يوم الثلاثاء للنِصف من ذي الحجَّة، وسار مَرْوان إلى بُوصير من كُورة الأُشمُونَين، فنزلها ومعه عَبْد الملك، فوافى صالح بْن عليّ فِي جيُوشه، وعلى مُقدَّمته عامر بْن إسماعيل،
[ ٧٢ ]
واستخلف صالح عَلَى الفُسطاط محمد بْن مُعاوية بْن بَحِير بن رَيْسان، أشار عَلَيْهِ بِهِ عيَّاش بْن عُقْبَة الحَضرَميّ.
وقُتل مَرْوان ببُوصِير يوم الجمعة لسبع بقِينَ من ذي الحجَّة سنة اثنتين وثلاثين ومائة وقُتل معه زبَّان بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، وإبراهيم بْن زَبَّان، وعبد العزيز بْن جُزَيّ بْن عَبْد العزيز، وأَفلت جُزَيّ، وإسماعيل ابنا زَبَّان فذهبا إلى الأَنْدَلُس.
وقُتل بالصعيد بعد قتل مَرْوان: محمد بْن زَبَّان، والطُّفَيل بْن زَبَّان، ومَرْوان بْن الأَصبغ بْن عَبْد العزيز، وابنه، ويقال: إن محمد بْن زَبَّان ذهب هاربًا فلم يُعرَفْ بِهِ أحد، ولا عُرف لَهُ خبَر.
ودخل صالح بْن عليّ الفُسطاط يوم الأحد لثمان خلونَ من المحرم سنة ثلاث وثلاثين ومائة، وبعث برأس مَرْوان بْن محمد إلى العِراق.
[ ٧٣ ]
الدولة العَبَّاسيَّة