ثمَّ ولِيَها يزيد بْن حاتم المُهلَّبيّ من قِبَل أمير المؤمنين أَبِي جَعْفَر عَلَى صلاتها وخَراجها، فقدِمها يزيد يوم الإثنين للنصف من ذي القعدة سنة أربع وأربعين ومائة فجعل عَلَى شُرَطه عبد الله بن عبد الرحمن بْن مُعاوية بن حُدَيج، واستخلف عَلَى الخَراج مُعاوية بْن مُرْوان بْن مُوسَى بْن سَعِيد.
وفي ولايته ظهرت دعوة بني حسن بْن عليّ بِمصر وتكلّم بها الناس، وبايع كثير منهم لعليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن بْن عبد الله بْن حسن وهو أوَّل عَلَويّ قدِم مِصر، وقام بأمر دعوته خَالِد بْن سَعِيد بْن ربيعة بْن حُبيش الصدَفيّ، وكان جدّه رَبيعة بْن حَبيش من خاصَّة عليّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ وشيعته، وحضر الدار، فاستشار خَالِد بْن
[ ٨٤ ]
سَعِيد أصحابه الذين بايعوا لَهُ، وفيهم: دِحْية بْن مُصعب بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز بْن مَرْوان، ومنصور الأَشلّ بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز، وزيد بْن الأصبغ بْن عَبْد العزيز، فقال لهم: ما ترون.
فأشار عَلَيْهِ دِحْية: أن يبيت يزيد بْن حاتم فِي العسكر فيُضْرم عَلَيْهِ نارًا، وقال أهل الديوان: ترى أن تحوز بيت المال وأن يكون ظهورنا وخروجنا فِي المسجد الجامع.
فكرِه خَالِد بْن سَعِيد أن يبيّت يزيد بن حاتم وخشِيَ عَلَيْهِ اليمانيَّة، وخرج منهم رَجُل من الصَّدِف قد شهِد أمرهم كله حتى أتى إلى عبد الله بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُديج وهو يومئذٍ عَلَى الفُسطاط، فخبَّرهم أنهم الليلة يخرجون، فمضى عبد الله بْن عبد الرحمن إلى يزيد بْن حاتم وهو بالعسكر ليخبّره، وكان ذَلكَ لعشر خلونَ من شوَّال سنة خمس وأربعين ومائة.
وسار خَالِد بْن سَعِيد فِي الذين معه وعليه قَباء خزّا صفر وعَمامة خزّ صفراء، وقد سوّم فرَسه بعمامة، وعمد إلى المسجد الجامع فِي نِصف الليل، فانتبهوا بيت المال ثمَّ تضاربوا عَلَيْهِ بسيوفهم فلم يصِلْ منهم إِلَيْهِ إلَّا اليسير، وبعث يزيد بْن حاتم مَعَ ابن حُدَيْج بتَوْبَة بْن غريب الخَوْلانيّ، وبأبي الأشهل سعيد بْن الحكم الأَزْديّ من أهل المَوصِل، ودفيف بْن راشد مولى يزيد بن حام، وقال لهم يزيد: إن رأيتم المصابيح فِي الدُّور فهو أمر عامّ، فانصرفوا إليَّ وإلَّا فأْتوا المسجد فاعلَموا الخَبر.
فلمَّا انتهَوا إلى السرَّاجين، قَالُوا: نرجِع.
قال تَوْبَة: أَمَّا أَنَا فلا أبرح حتى يأْتي أمره لأنه قَالَ لكما ارْجِعا ولم يقُلْ لي.
قَالَ لَهُ ابن حُدَيج: فقِف إذًا عند دور بني مِسكين فإنَّه مفرَق طُرُق، قَالَ: أمَّا هذا فأَفعلُ.
وتاب إلى يزيد بْن حاتم نفَر من أهل مِصر، وأتاه المنتظر بْن إسماعيل الرُّعَينيّ من الصَّحراء، فقال ابن حاتم: ما فعل ابن عُمير الحَضْرَميّ؟ قَالُوا: لم يخرج معهم.
قَالَ: وأبو حزَن المَعافريّ؟ قَالُوا: بالباب.
قَالَ: فالأَمر يسير.
وأرسل ابن حاتم إلى أصحابه، فجعلوا يأتونه سُكارى، فقال: إنَّ نُضُوحكم الليلة لكثير.
وكان ممَّن حضر ليلتئذٍ من وجوه قُوَّاده العَلاء بْن رَزين الأَزْديّ من سُليمة، ويحيى بْن عبد الله بْن الْعَبَّاس الكنديّ، وأبو الهزهاز النَّخَعيّ، وأبو كندة بْن عُبَيْد بْن مالك الكَلْبيّ، فساروا جميعًا، ثمَّ وجَّه دَفيفًا فِي جمع منهم من قِبَل سُوق وَرْدان، ومضى ابن حُدَيج وكان بسُوق الحمَّام، ووقف أَبُو الأَشهل فِي السرَّاجين، وأقبل نصر بْن حَبيب فِي الجموع من نحو دُور بني
[ ٨٥ ]
مِسكين، فوقف ابن حُدَيج عَلَى الباب الَّذِي من ناحية بيت المال فكلَّم خَالِد بْن سَعِيد وهو فوق ظهر المسجد كلمةً قِبْطِيَّةً، فقال: انسلّ.
فخرج عَلَى وجهه ورمى مُسوِّد بسهم فِي الظُّلمة نحو مخرج الكلام، فأصاب خدّ خَالِد بنُشَّابته، فانتزعها وخرج من نحو سُوق الحمَّام، وخرج ابناه إبراهيم وهُدْبة من نحو المِرحاض الَّذِي إلى دار بني سَهْم، ومضى خَالِد بْن سَعِيد إلى إسماعيل بْن حَيْوة بْن عُقْبة بْن كُلَيب الحَضْرَميّ، فسأَله أن يخفيه.
فقال: لقد هممتُ أن أُوبقك واذهب بك إلى الأمير، ثمَّ أتى عَيَّاش بْن عُقْبة بْن كُليب، فقال: أخاف اليمن.
فأَتى يحيى بْن جَابِر أَبَا كِنانة الحَضْرَميّ، فأواه سبعين ليلة حتى سكن الطلَب، وهدأَ أمره، وقُتل تِلْكَ الليلة كَلثم بْن المُنذِر الكَلْبي، ثمَّ أحد بني عامر ممَّن كَانَ مَعَ خَالِد بْن سَعِيد ولم يكن هذا مذهَبه، إنَّما كَانَ غضِب عَلَى يزيد بْن حاتم، فخرج عَلَيْهِ مَعَ خَالِد وأمر يزيد بْن حاتم عبد الله بْن حُدَيج بإطلاق الأُسارَى، فقال: حتى أؤَدّبهم.
فضربهم وخلَّاهم، وكان القتلى تِلْكَ الليلة من أصحاب خَالِد ثلاثة عشر رجُلًا ولم يكن فيهم من لَهُ ذِكر غير كُلْثم بْن المُنذِر الكَلْبيّ، ثمّ قدِمت الخُطَباء إلى مِصر برأس إبراهيم بْن عبد الله بْن حسن فِي ذي الحجَّة سنة خمس وأربعين ومائة، فنصبوه فِي المسجِد الجامع، وقامت الخُطَباء، فذكروا أمره وهم شَبَّة بْن عِقال، وكُرَب بْن مَصْقَلة بْن رَقَبة الحِيريّ، ويحيى بْن عبد الرحمن الأَعلم، وخالد بْن أُسَيْد، وزافر الفَيَّاش بْن عُمَر، وصبيح بْن الصبَّاح، والحَضْرَميّ مُعاوية، وأمَّا عليّ بْن محمد بْن عبد الله بْن حسن فاخْتُلِف فِي أمره، فزعم بعض الناس أَنَّهُ حُمل إلى أَبِي جَعْفَر.
[ ٨٦ ]
وأخبرني ابن قُدَيد، عَنْ يحيى بْن عُثمان بْن صالح، عَن ابن عُفير: " أن عليّ بْن محمد اختفى عند عسَّامة بْن عمرو، وقد وجَّه عَسَّامة إِلَيْهِ وأنزله قريةً لَهُ من طُوَّه، فمرِض عليّ بها، فمات ودُفن بها وحُمِل عَسَّامة إلى العراق، فحُبِس زمانًا، فلمَّا صار الأمرُ إلى المَهدِيّ قام أَبُو عُبَيْد اللَّه الأَشْعَريّ كاتب المهدِيّ فِي أمر عَسَّامة لِما بين المَعافر والأشعريّين، فأدخله إلى المَهدي وشفع فِيهِ، فأَمَّنه المَهديّ عَلَى أن يصدُقه عَنْ عليّ بْن محمد، فقال: مات والله يا أمير المؤمنين فِي بيتي لا شكَّ فِيهِ.
فصَدَّقه المَهديّ، وفرض لَهُ مائتين وردّه إلى مِصر.
وأمّا خَالِد بْن سَعِيد فاستخفى زمانًا طويلًا، ثمَّ مات فِي زمن المَهدِيّ بعد الستّين ومائة فِي إِسْكَندريَّة.
وشكت المَعافر إلى يزيد بْن حاتم بُعد الماء عَنْهُمْ، فابتنى يزيد بن حاتم، فِسْقيَّة المَعافر وأجرى إليها الماء من ساقية أَبِي عون، وأنفق فيها مالًا عظيمًا، فقال لَهُ أَبُو جَعْفَر: لِمَ أنفقتَ مالي عَلَى قومك.
وورد كتاب أَبِي جَعْفَر عَلَى يزيد بْن حاتم يأمره بالتحوّل من العسكر إلى الفُسطاط، وأن يجعل الدواوين فِي كنائس القصر وذلك فِي سنة ستّ وأربعين ومائة، فلم يحجّ منهم أحد إلَّا من أهل الشأم لِما كَانَ بالحِجاز من الاضطراب بأمر ابن حسن، ثمَّ حجَّ يزيد بْن حاتم سنة سبع وأربعين واستخلف عَلَى مِصر عبد الله بْن عبد الرحمن بن مُعاوية بْن حُدَيج.
وعقد يزيد بْن حاتم لعبد الأعلى بْن سَعِيد الحَيْشانيّ عَلَى خيل ووجَّههم إلى بِلاد الحَبَشة، وكانت خارجة خرجت بها عليهم أَبُو ميمون، فقتله عَبْد الأعلى، وخرج برأسه ورءوس أصحابه إلى أمير المؤمنين المنصورِ المُهلَّبُ بْن داود بْن يزيد بْن حاتم.
وضمّ يزيد بْن حاتم بَرْقة إلى عَمل مِصر وهو أوَّل من ضمّها إِلَيْهِ، وأمَّر عليها عَبْد السلام بْن عبد الله بْن هُبيرة السّيْبانيّ وذلك فِي سنة ثمان وأربعين ومائة.
وخرج القِبْط عَلَى يزيد بْن حاتم بسَخا ونابذوا، وخرج العُمَّال وكان أميرها عَبْد الجبَّار بْن عبد الرحمن الأَزْديّ وذلك فِي سنة خمسين ومائة.
وصاروا إلى
[ ٨٧ ]
شُبْراسُنْباط فقاتلوا ابن عبد الرحمن وانضم إليهم أهل البَشَرُود، والأوْسِية، والبُجوم، فأَتى الخَبر يزيد بْن حاتم، فعقد لنصر بْن حَبيب المُهلَّبيّ عَلَى أهل الديوان ووُجوه أهل مِصر، فخرجوا إليهم فبيَّتهم القِبْط، فطُعِن محمد بْن عبد الرحمن بْن مُعاوية بْن حُدَيج حتى سقط وطُعِن نصر بْن حَبيب طعنتين، وقُتِل عَبْد الجبَّار بْن عبد الرحمن وألقى تَوبة الخَولاني النار فِي عسكر القِبْط وانصرف الجيش إلى الفُسطاط مُنهَزِمين.
ثمَّ صُرف يزيد بْن حاتم عَنْهَا، ورد عَلَيْهِ كتاب أَبِي جَعْفَر بذلك فِي شهر ربيع الآخر سنة اثنتين وخمسين ومائة، فكانت ولايته عليها سبع سنين وأربعة أشهُر "