حَدثنِي أَبُو بكر مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن آدم بن ثَابت بن جشم الْعَبْدي: قَالَ: حَدثنَا عمَارَة بن عقيل بن بِلَال بن جرير. قَالَ: وفدت إِلَى الْمَأْمُون مُقَدّمَة من خُرَاسَان فأوصلني إِلَيْهِ عَليّ بن هِشَام وَكَانَ نزولي عَلَيْهِ فَأَنْشَدته، وأجازني، وملأ يَدي وَكَانَ على لى مؤثرا، محبا، وَكَانَ يجْرِي على فِي كل يَوْم مَا يقيمني وَيُقِيم أضيافي. قَالَ: فمازحني يَوْمًا. وَقَالَ لي وَقد انشدته مدحا فِيهِ هَا هُنَا من هُوَ أقرب لَك مني رجلَانِ قلت: مِنْهُمَا؟ قَالَ: خَالِد بن يزِيد بن مزِيد، وَتَمِيم بن خُزَيْمَة بن خازم فَقلت لَهُ: وَالله مَا أتيت وَاحِدًا مِنْهُمَا وَلَا عَرفته. قَالَ: فَأَنا أبْعث مَعَك من يقف بك عَلَيْهِمَا. فَبعث معي رجلا من أَصْحَابه فعرفني منزلهما. فَبَدَأت بتميم فتقدمت إِلَى بَابه. فَقلت: أعلموه أَن بِالْبَابِ عمَارَة بن عقيل. قَالَ: فتراخي عني الحجبة وَقيل لي أَنه أرسل إِلَيْهِ بعض غلمانه فأخبروه فَقَالَ: تغافلوا عَنهُ. فَقَالَ للرسول الَّذِي كَانَ مَعَه دلَّنِي على
[ ١٥٤ ]
منزل خَالِد. قَالَ:: فَمضى معي فَلَمَّا وقفت بِالْبَابِ أخبر خَالِد بمكاني فَخرج إِلَى نَفسه فَقَالَ: أَيهمْ هُوَ؟ فَأَوْمأ إِلَى فَدَنَا مني. قَالَ: وَأَرَادَ عمَارَة أَن ينزل فأمسكه خَالِد وأعتنقه وَمسح وَجهه وأنزله وَأدْخلهُ ودعا بِالطَّعَامِ وَالشرَاب ثمَّ قَالَ لي: يَا أَبَا عقيل مَا آكل إِلَّا بِالدّينِ فأعذرني وَهَذِه خَمْسَة أَثوَاب خَز خُذْهَا إِلَيْك وَلَا تخدع عَنْهَا فَإِنَّهَا قد قَامَت على بِمَال، وَهَذِه ألف دِرْهَم خُذْهَا إِلَى أَن يُوسع اللَّهِ على فَخرج عمَارَة وَهُوَ يَقُول: -
(أأترك إِن قلت دَرَاهِم خَالِد زيارته إِنِّي إِذا للئيم)
(فليت بثوبيه لنا كَانَ خَالِد وَكَانَ لبكر بالثراء تَمِيم)
(فَيُصْبِح فِينَا سَابق متمهل وَيُصْبِح فِي بكر أغم بهيم)
(وَقد يسلع المرؤ اللَّئِيم اصطناعه ويعتل نقد الْمَرْء وَهُوَ كريم)
قَالَ: فشاع شعر عمَارَة فِي النَّاس وَبلغ تَمِيم بن خُزَيْمَة فَركب إِلَى إشراف بني تَمِيم فَقَالَ: أنظروا مَا قد فعل بِي عمَارَة وَفضل خَالِدا على وقتلني الْمَعْنى الَّذِي جَاءَ بِهِ فِي قَوْله: -
(فليت بثوبيه لنا كَانَ خَالِد وَكَانَ لبكر بالثراء تَمِيم)
قَالَ: فأجتمعت بَنو تَمِيم إِلَى عمَارَة فَقَالُوا قطع اللَّهِ رَحِمك تجئ إِلَى غُلَام من ربيعَة فتتمنى أَن يكون فِي قَوْمك مثله، وترغب عَن تمم وَأَبوهُ خُزَيْمَة بن خازم من سادة الْعَرَب وَصَاحب دَعْوَة بني الْعَبَّاس وأسمعوه فَقَالَ: -
(أضنوا بِمَا قدمت شَيبَان وَائِل بطرفهم على أضن وارغب)
(أأن سمت برذونا بِطرف غضبتم على وَمَا فِي السُّوق والسوم مغضب)
(وَفِي الْخَيل وَهِي الْخَيل تنْسب كلهَا مكد وجياش الأجاري مسهب)
(وَمَا يستوى البرذون صلت حلومكم وَلَا السَّابِق الطّرف الْجواد المجرب)
(فَإِن أضرمت أَو أنجبت أم خَالِد فحصر الزِّنَاد هن أورى وأثقب)
[ ١٥٥ ]
قَالَ: نلقى عمَارَة ابْنا لمروان بن أبي حَفْصَة وَكَانَ بلغه أَنه هجا خَالِدا لينتصر لتميم فِي الطَّرِيق فَقيل لَهُ هَذَا ابْن أبي حَفْصَة فَقَالَ لَهُ: -
(فعرضك لَا يُوفي كَرِيمًا بعرضه فَهَل يوفين مِنْك الجزاز المصمم)
(كَأَنَّك لم تسمع فوارس وَائِل إِذا أسرجوا للحرب يَوْمًا وألجموا)
قَالَ: ولقى خَالِد عمَارَة فَقَالَ لَهُ: ابْن خُزَيْمَة بيني وَبَيْنك أَو سوأته أَن يكون فِي قومِي مثل تَمِيم وَفِي قَوْمك مثلى. قَالَ: أخترت لنَفْسي عافاك اللَّهِ فَلَا تلمني على الِاخْتِيَار وَكَأن خَالِدا وجد من ذَلِك. قَالَ: وَبلغ الْمَأْمُون خبرهما فَأرْسل إِلَى خَالِد بِمَال وَقَالَ: مثلك من الْعَرَب فليصن عرضه لَا من يذله بخلا ولؤما.
حَدثنِي أَبُو عَليّ السليطي من بني سليط حى من بني تَمِيم قَالَ حدثتي عمَارَة بن عقيل قَالَ: أنشدت الْمَأْمُون قصيدة فِيهَا مديح لَهُ فِيهَا مائَة بَيت. فأبتدأت بصدر الْبَيْت فبادرني إِلَى قافيته فَقلت: وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا سَمعهَا مني أحد قطّ قَالَ هَكَذَا يَنْبَغِي أَن يكون، ثمَّ أقبل على فَقَالَ: لما بلغك أَن عمر بن أبي ربيعَة أنْشد عبد اللَّهِ بن عَبَّاس قصيدته الَّتِي يَقُول فِيهَا:
(تشط غَدا دَار جيراننا )
فَقَالَ ابْن عَبَّاس: -
(وللدار بعد غَد أبعد )
حَتَّى أنْشدهُ القصيدة يقفيها ابْن عَبَّاس: ثمَّ قَالَ: أَنا ابْن ذَاك.
حَدثنِي أَبُو الْقَاسِم خَليفَة بن جروة قَالَ سَمِعت أَبَا مَرْوَان كارز بن هَارُون يَقُول: قَالَ الْمَأْمُون: -
(بَعَثْتُك مشتاقا ففزت بنظره وأغفلتني حَتَّى أَسَأْت بك الظنا)
(فناجيت من أَهْوى وَكنت مباعدا فيا لَيْت شعري عَن دنوك مَا أغنا)
(أرى أثرا مِنْهُ بِعَيْنَيْك بَينا لقد أخذت عَيْنَاك من عينه حسنا)
[ ١٥٦ ]
قَالَ أَبُو مَرْوَان: وَإِنَّمَا عول الْمَأْمُون فِي هَذَا الْمَعْنى على قَول الْعَبَّاس بن الْأَحْنَف حَيْثُ يَقُول: -
(إِن تشق عَيْني بهَا فقد سعدت عين رَسُولي وفزت بِالْخَيرِ)
(وَكلما جَاءَنِي الرَّسُول لَهَا رددت عمدا فِي طرفه نَظَرِي)
(يظْهر فِي وَجهه محاسنها قد أثرت فِيهِ أحسن الْأَثر)
(خُذ مقلتي يَا رَسُول عَارِية فَأنْظر بهَا واحتكم على بَصرِي)
قَالَ: وَأَخْبرنِي مُوسَى بن عبيد اللَّهِ التَّمِيمِي. قَالَ: تَذَاكَرُوا الشطرنج عِنْد الْمَأْمُون فتذاكروا قَول خَالِد القناص فِيهَا حَيْثُ يَقُول: -
(أَرَادَ بِلَا ذحل أَخ لي يودني ويعظم حَقي دون كل ودود)
(محاربتي لم يأل أَن بَث خيلة وألقح حَربًا شبها بوقود)
فأمحكني وَالْحَرب أما بديها إِذا ورد الْأَبْطَال خير وُرُود)
(فَأحْسن من عذراء مياسة الخطى رخيمة دلّ للرِّجَال صيود)
(وَآخِرهَا شَمْطَاء كالغول فَحْمَة شبيهه عرنين بِأم قرود)
وَقَالَ آخر: -
(وجيش فِي الوغى بِإِزَاءِ جَيش لهام جحفل لجب خَمِيس)
(يواقف بالمخائف مَا يبالى بِسَعْد طيره أم بالنحوس)
(تراهم يبذلون لمدرهيهم إِذا حمى الوغى مهج النُّفُوس)
(نفوس لَيْسَ ينفعها نعيم وَلَيْسَ يَضرهَا إعدام بؤس)
(وَلَيْسوا باليهود وَلَا النَّصَارَى وَلَا الْعَرَب الصَّلِيب وَلَا الْمَجُوس)
[ ١٥٧ ]
وَقَالَ آخر: -
(وخيل قد جعلت إزاء خيل تساقي بَينهَا كأس الذباح)
(بِيَمِينِهِ وميسرة وقلب كتعبية الْكَتَائِب للنطاح)
(لغير عَدَاوَة كَانَت قَدِيما وَلَكِن للتلذذ والمراح)
قَالَ الْمَأْمُون وَلَكِنِّي قلت فِيهَا: -
(أَرض مربعة حَمْرَاء من أَدَم مَا بَين إلفين معروفين بِالْكَرمِ)
(تذاكرا الْحَرْب فاحتالا لَهَا فطنا بِغَيْر أَن يأثما فِيهَا بسفك دم)
(هَذَا يُغير على هَذَا وَذَاكَ على هَذَا يُغير وَعين الحزم لم تنم)
(فَانْظُر إِلَى فطن حَالَتْ بِمَعْرِفَة فِي عسكرين بِلَا طبل وَلَا علم)
قَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: وَجه إِلَى الْمَأْمُون أَمِير الْمُؤمنِينَ يَوْمًا فصرت إِلَيْهِ فَأَلْفَيْته مطرقا مفكرا فأحجمت عَن الدنو مِنْهُ فِي تِلْكَ الْحَال. فَرفع رَأسه فَنظر إِلَى وَأَشَارَ بِيَدِهِ أَن أدن فدنوت ثمَّ أطرق مَلِيًّا وَرفع رَأسه. فَقَالَ يَا أَبَا إِسْحَاق: شَأْن النَّفس الْملَل وَحب الاستطراف تأنس بالوحدة كَمَا تأنس بالألفة. قلت: أجل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ ولي فِي هَذَا بَيت. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قلت: -
(لَا تصلح النَّفس إِذْ كَانَت مقسمة إِلَّا التنقل من حَال إِلَى حَال)
حَدثنِي أَبُو نزار الضَّرِير الشَّاعِر قَالَ: قَالَ لي على بن جبلة. قلت لحميد بن عبد الحميد يَا أَبَا غَانِم: إِنِّي قد امتدحت أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون بمديح لَا يحسن مثله أحد من أهل الأَرْض فاذكرني لَهُ. فَقَالَ: أنشدنيه. فَأَنْشَدته فَقَالَ: اشْهَدْ أَنَّك صَادِق وَأخذ المديح فَأدْخلهُ على الْمَأْمُون. فَقَالَ يَا أَبَا غَانِم: الْجَواب فِي هَذَا وَاضح إِن شَاءَ عَفَوْنَا عَنهُ وَجَعَلنَا ذَلِك ثَوابًا المديحه لنا وَإِن شَاءَ جَمعنَا بَين شعره فِيك وَفِي أبي دلف فَإِن كَانَ الَّذِي قَالَ فِيك وَفِيه أَجود من الَّذِي مَدْحنَا بِهِ ضربنا ظَهره، وأطلنا حَبسه. وَإِن كَانَ الَّذِي قَالَ فِينَا أَجود أعطيناه بِكُل بَيت من مديحه ألف دِرْهَم،
[ ١٥٨ ]
وَإِن شَاءَ أقلناه. فَقلت يَا سَيِّدي: وَمن أَبُو دلف وَمن أَنا حَتَّى يمدحنا بأجود من مديحك؟ فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا الْكَلَام من الْجَواب عَن الْمَسْأَلَة فِي أَي شَيْء فَأَعْرض ذَلِك على الرجل. قَالَ عَليّ بن جبلة: قَالَ لي حميد: مَا ترى؟ قلت: الْإِقَالَة أحب إِلَيّ. فَأخْبر الْمَأْمُون فَقَالَ هُوَ أعلم. قَالَ حميد: قلت لعلى إِلَى شئ ذهب فِي مدحك ابادلف وَفِي مدحك لي فَقَالَ إِلَى قولى فِي أبي دلف: -
(إِنَّمَا الدُّنْيَا أَبُو دلف بَين مغزاه ومحتضره)
(فَإِذا ولى أَبُو دلف ولت الدُّنْيَا على أَثَره)
والى قولي فِيك: -
(لَوْلَا حميد لم يكن حسب يعد وَلَا نسب)
(يَا وَاحِد الْعَرَب الَّذِي عزت بعزته الْعَرَب)
قَالَ: فَأَطْرَقَ حميد سَاعَة ثمَّ قَالَ: يَا أَبَا الْحسن لقد انتقد عَلَيْك أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون وَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم وحملان وخلعة وخادم. وَبلغ ذَلِك أَبَا دلف فأضعف لي الْعَطِيَّة وَكَانَ ذَلِك مِنْهُمَا فِي ستر لم يعلم بِهِ أحد إِلَى أَن حدثتك يَا أَبَا نزار بِهَذَا. قَالَ أَبُو نزار: وظننت أَن الْمَأْمُون تفقد عَلَيْهِ هَذَا الْبَيْت فِي أبي دلف.
(تحدر مَاء الْجُود من صلب آدم فأثبته الرحمان فِي صلب قَاسم)
أَخْبرنِي سُلَيْمَان بن رزين الْخُزَاعِيّ ابْن أخي دعبل قَالَ: هجا دعبل الْمَأْمُون فَقَالَ: -
(ويسومني الْمَأْمُون خطة عَارِف أوما رأى بالْأَمْس رَأس مُحَمَّد)
(يُوفى على هام الخلائف مثل مَا توفّي الْجبَال على رُؤُوس القردد)
(وَيحل فِي أكناف كل ممنع حَتَّى يذلل شاهقا لم يصعد)
(إِن التراث مسهد طلابها فَاكْفُفْ لعابك عَن لعاب الْأسود)
فَقيل لِلْمَأْمُونِ إِن دعبلا هجاك. فَقَالَ: هُوَ يهجو أَبَا عباد لَا يهجوني. يُرِيد حِدة
[ ١٥٩ ]
أبي عباد، وَكَانَ أَبُو عباد إِذا دخل على الْمَأْمُون كثيرا مَا يضْحك الْمَأْمُون وَيَقُول لَهُ: مَا أَرَادَ دعبل مِنْك حَيْثُ يَقُول:
(وَكَأَنَّهُ من دير هِرقل مفلت حرد يجر سلاسل الأقياد)
وَكَانَ الْمَأْمُون يَقُول لإِبْرَاهِيم بن شكْلَة إِذا دخل عَلَيْهِ لقد أوجعك دعبل حَيْثُ يَقُول: -
(إِن كَانَ إِبْرَاهِيم مضطلعا بهَا فلتصلحن من بعده لمخارق)
(ولتصلحن من بعد ذَاك لزلزل ولتصلحن من بعده المارق)
(ولتصلحن من بعد ذَاك لزلزل ولتصلحن من بعده للمارق)
(أَنِّي يكون وَلَا يكون وَلم يكن لينال ذالك فَاسق عَن فَاسق)
حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن بن حَفْص المخرمي أَن إعرابيا دخل على الْحسن بن سهل فأمتدحه فَلَمَّا فرغ قَالَ لَهُ / احتكم. قَالَ وَهُوَ يظنّ أَن الْأَعرَابِي همته همة صَغِيرَة فَقَالَ: ألف نَاقَة فَوَجَمَ لَهَا الْحسن وَلم يكن فِي سَعَة يَوْمئِذٍ وَكره أَن يفتضح فأجال الْفِكر فَقَالَ يَا أَعْرَابِي: لَيْسَ بِلَادنَا بلادا بل وَلَكِن مَا قَالَ امْرُؤ الْقَيْس: -
(إِذا لم تكن إبل فمعزى كَأَن قُرُون جلتها العصى)
قد أمرت لَك بِأَلف شَاة فالق يحيى بن خاقَان. قَالَ: فلقي يحيى فَأعْطَاهُ لكل شَاة دِينَار فَأخذ ألف دِينَار.
قَالَ: وَكَانَ الْمَأْمُون يبْعَث إِلَى أم جَعْفَر فِي كل سنة من ضرب السّنة مَال دَنَانِير ودراهم فَكَانَت تصل أَبَا الْعَتَاهِيَة مِنْهَا. فجَاء أَبُو الْعَتَاهِيَة إِلَى مُسلم بن سَعْدَان كَاتب أم جَعْفَر وَأَنا قَاعد أكتب بَين يَدَيْهِ فَأعْطَاهُ رقْعَة وَسَأَلَهُ أَن يَدْفَعهَا إِلَى لأوصلها إِلَى أم جَعْفَر وَأَنا غُلَام فَأخذت الرقعة فأدخلتها إِلَى أم جَعْفَر فقرأتها فَإِذا فِيهَا: -
(زَعَمُوا لى أَن من ضرب السّنة جددا بيضًا وصفرا حسنه)
(سككا قد أحدثت لم أرها مثل مَا كنت أرى كل سنة)
[ ١٦٠ ]
وَكَانَ صرد الْخَادِم يتَوَلَّى تفرقه صلَة الْمَأْمُون لَهَا من هَذِه الدَّرَاهِم وَالدَّنَانِير الجدد. فَأمرت بإحضار صرد فَقَالَت لَهُ: لم لم تعط الجرار صلته من الدَّنَانِير وَالدَّرَاهِم؟ . فَقَالَ لم تبلغه النّوبَة. قَالَت: فعجلها لَهُ. فَأَعْطَانِي مائَة دِينَار وألفى دِرْهَم خرجت بهَا فِي صرتين حَتَّى دفعتها إِلَى مُسلم بن سَعْدَان فَدَفعهَا إِلَيْهِ.
حَدثنِي أَبُو الشماخ. قَالَ: قَالَ: الْمَأْمُون وَعِنْده الزُّبْدِيُّ، والثقفي مولى الخيزران وَإِسْمَاعِيل بن نوبخت. وتذاكروا الشُّعَرَاء فَقَالُوا: النَّابِغَة. وَقَالُوا: الأعشي. وخاضوا فيهم. فَقَالَ لَا. أشعرهم إِلَّا وَاحِدًا كَانَ خليعا الْحسن بن هاني. فَقَالُوا: صدق أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: الصدْق على المناظرة أحسن من الصدْق على الهيبة. فَقَالُوا: فِيمَا قَدمته؟ قَالَ: بقوله: -
(يَا شَقِيق النَّفس من حكم نمت عَن ليلى وَلم أنم)
ثمَّ قَالَ لم يسْبقهُ إِلَى هَذَا الْبَيْت أحد: -
(ثمَّ دبت فِي عروقهم كدبيب الْبُرْء فِي السقم)
قَالَ: أَبُو الشماخ: كَانَ الْمَأْمُون منحرفا عَن أبي نواس لميله إِلَى مُحَمَّد. أَخْبرنِي مُوسَى بن عبيد اللَّهِ التَّمِيمِي أَن مَنْصُور النمري، وَالْحسن بن هَانِئ وَأَبا الْعَتَاهِيَة وَأَبا زغبة قَالَ: أَبُو زغبة شَامي، قيسي اجْتَمعُوا فتذاكروا أبياتا على وزن وَاحِد ففضل أَبُو الْعَتَاهِيَة عَلَيْهِم فَقَالَ النمري: -
(أعمير كَيفَ بحاجة طلبت إِلَى صم الصخور)
(لله در عدتكم كَيفَ اننسبن إِلَى الْغرُور)
(وَلَقَد تبيت أناملي يجنين رمان النحور)
وَقَالَ أَبُو الْعَتَاهِيَة: -
(لهفي على الزَّمن القضير بَين الخورنق والسدير)
[ ١٦١ ]
(إِذْ نَحن فِي غرف الْجنان نعوم فِي بَحر السرُور)
وَقَالَ الْحسن بن هَانِئ: -
(وعظتك واعظة الْفَقِير وعلتك أبهة الْكَبِير)
(ورددت مَا كنت أستعرت من الشَّبَاب إِلَى الْمُعير)
(وَلَقَد تحل بعقوة الْبَاب من بقر الْقُصُور)
(صور إِلَيْك مؤنثات الدل فِي زِيّ الذُّكُور)
(أرهفن إرهاف الأعنة والحمائل والسيور)
(أصداغهن معقربات والشوارب من عبير)
وَلَا أحفظ مَا قَالَ أَبُو زغبة ففضلوا أَبَا الْعَتَاهِيَة. وَأَبُو نواس عِنْدِي أشعرهم.
حَدثنِي مُحَمَّد بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن. قَالَ: خرج إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس، ودعبل ورزين فِي نظرائهم من أهل الْأَدَب رِجَاله إِلَى بعض الْبَسَاتِين فِي خلَافَة الْمَأْمُون فَلَقِيَهُمْ قوم من أهل السَّوْدَاء من أَصْحَاب الشوك قد باعوا مَا مَعَهم من الشوك \ فأعطوهم شَيْئا وركبوا تِلْكَ الْحمر فَأَنْشَأَ إِبْرَاهِيم يَقُول: -
(أعيضت بعد حمل الشوك أوقارا من الْحَرْف)
(نشاوي لَا من السكر وَلَكِن من أَذَى الضعْف)
فَقَالَ رزين: -
(فَلَو كُنْتُم على ذَاك تؤولون إِلَى قصف)
(تَسَاوَت حالكم فِيهِ وَلم تعنوا على الْخَسْف)
فَقَالَ دعبل: -
(فَإذْ فَاتَ الَّذِي فَاتَ فكونوا من ذوى الظّرْف)
[ ١٦٢ ]
(ومروا نقصف الْيَوْم فَإِنِّي بَائِع خفى)
حَدثنِي مُحَمَّد بن الْهَيْثَم الطَّائِي. قَالَ: حَدثنِي الْقَاسِم بن مُحَمَّد الطيفوري. قَالَ: شكا اليزيدي إِلَى الْمَأْمُون خلة أَصَابَته، ودينا لحقه. فَقَالَ لَهُ: مَا عندنَا فِي هَذِه الْأَيَّام مَا إِن أعطيناكه بلغت بِهِ مَا تُرِيدُ. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن الْأَمر قد ضَاقَ على، وَإِن غرمائي قد أرهقوني. قَالَ: قدم لنَفسك أمرا تنَال بِهِ نفعا فَقَالَ: لَك منادمون فيهم من إِن حركته نلْت مِنْهُ مَا أحب فَأطلق لي الْحِيلَة فيهم. قَالَ: قل مَا بدا لَك. فَقَالَ: إِذا حَضَرُوا حضرت فَأمر فلَانا الْخَادِم يُوصل إِلَيْك رقعتي فَإِذا قرأتها فَأرْسل إِلَى دخولك فِي هَذَا الْوَقْت مُتَعَذر، وَلَكِن أختر لنَفسك من أَحْبَبْت قَالَ: فَلَمَّا أَن علم أَبُو مُحَمَّد جُلُوس الْمَأْمُون وأجتماع ندمائه إِلَيْهِ وتيقن أَنهم قد ثَمِلُوا من شربهم أَتَى الْبَاب فَدفع إِلَى ذَلِك الْخَادِم رقْعَة قد كتبهَا فأوصلها لَهُ إِلَى الْمَأْمُون فقرأها فَإِذا فِيهَا: -
(يَا خير إخْوَان وَأَصْحَاب هَذَا الطفيلي لَدَى الْبَاب)
(فصيروني وَاحِدًا مِنْكُم أَو أخرجُوا لي بعض أَصْحَابِي)
قَالَ: فقرأها الْمَأْمُون على من حَضَره فَقَالَ: مَا يَنْبَغِي أَن يدْخل الطفيلى على مثل هَذِه الْحَال فَأرْسل إِلَيْهِ الْمَأْمُون: دخلولك فِي هَذَا الْوَقْت مُتَعَذر فأختر لنَفسك من أَحْبَبْت تنادمه. فَقَالَ: مَا أرى لنَفْسي اخْتِيَارا غير عبد اللَّهِ بن طَاهِر فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: قد وَقع اخْتِيَاره عَلَيْك فصر إِلَيْهِ. قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: فَأَكُون شريك الطفيلي. قَالَ: مَا يُمكن رد أبي مُحَمَّد عَن أَمريْن فَإِن أَحْبَبْت أَن تخرج وَإِلَّا فَافْدِ نَفسك. قَالَ: فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَهُ على عشرَة آلَاف دِرْهَم. قَالَ: لَا أَحسب ذَلِك يقنعه مِنْك وَمن مجالستك. قَالَ: فَلم يزل يزِيدهُ عشرَة عشرَة والمأمون يَقُول لَا أرْضى لَهُ بذلك حَتَّى بلغ الْمِائَة. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: فعجلها لَهُ. قَالَ: فَكتب لَهُ بهَا إِلَى وَكيله وَوجه مَعَه رَسُولا. وَأرْسل الْمَأْمُون إِلَيْهِ: قبض هَذِه فِي هَذِه الْحَال
[ ١٦٣ ]
أصلح لَك من منادمته على مثل حَاله وانفع عَاقِبَة.
حَدثنِي مُحَمَّد بن الْحسن. قَالَ: أَخْبرنِي عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد مولى بني زهرَة. قَالَ: دخل أبي عَليّ الْمَأْمُون وَقد ولاه الْقَضَاء فَقَالَ: أتروى شَيْئا من الشّعْر؟ قَالَ: نعم. قَالَ انشدني: فأنشده: -
(سكن يبْقى لَهُ سكن مَا بِهَذَا يُؤذن الزَّمن)
(نَحن فِي دَار يخبرنا ببلاها نَاطِق لسن)
(كل حى عِنْد ميته حَظه من مَاله كفن)
(إِن مَال الْمَرْء لَيْسَ لَهُ مِنْهُ إِلَّا فعله الْحسن)
قَالَ: فَدَعَا الْمَأْمُون بداوة فكتبها. قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون لعبد اللَّهِ بن طَاهِر: لَيْسَ فِيك عيب إِلَّا أَنَّك تحب الشّعْر وَأَهله. وَقد أمرت أَحْمد بن يُوسُف يضم إِلَيْك رجلا فِي ناحيتنا هُوَ عِنْدِي أشعر من جرير. فضم إِلَيْهِ أَبُو العمثيل وَهُوَ: عبد اللَّهِ بن خويلد. . كَانَ أَمر الرشيد أَن يبْتَاع لَهُ خويلد هَذَا فَسبق الْعَبَّاس بن مُحَمَّد فَاشْتَرَاهُ فصير لَهُ خوله الَّذين كَانُوا للْعَبَّاس بن مُحَمَّد بفيد وأيلة. وَقَالَ أَبُو العمثيل قدم على الْمَأْمُون بخراسان أَيَّام الْفضل بن سهل فَخرج أَبُو العمثيل خلف عبد اللَّهِ بن طَاهِر إِلَى مصر فَقَالَ قصيدة يصف فِيهَا الْمنَازل مثل قصيدة أبي النواس فِي الخصيب يصف الْمنَازل فَأول قصيدة أبي العثميل: -
(خليلي إِن الْهم لى غير وازع وقلبي عميد قلب هيمان نَازع)
(ألم تَرَ أَنِّي كلما هبت الصِّبَا أصب ويقضيني شؤون المدامع)
(جعلت همومي حَشْو قلب مشايع على الْهم والوجناء حَشْو البراذع)
قَالَ وَكَانَ أَبُو العمثيل ولد فِي البدو، وَنَشَأ فِي البدو وَكَانَ فِي بني الْقَيْن ابْن جسر. قَالَ: وشعره فِي ألف جلد.
[ ١٦٤ ]
قَالَ إِسْحَاق الْموصِلِي: قَالَ: أَبُو مُوسَى فِي عريب جَارِيَة الْمَأْمُون وَكَانَت تعشق جَعْفَر بن حَامِد ويتعشقها فَلَمَّا وجدت من الْمَأْمُون غَفلَة وضعت على فراشها مِثَال رُخَام تَحت الْإِزَار يحْسب من رَآهُ من بعيد أَنَّهَا نَائِمَة. وَكَانَ جَعْفَر بن حَامِد قد نزل إِلَى جَانب قصر الْمَأْمُون فَصَعدت إِلَى السَّطْح فتدلت فِي زبيل فَلَمَّا قضى نهمته مِنْهَا قعدت فِي الزبيل فَصَعدت فَرَجَعت إِلَى مَكَانهَا وطلبها الْمَأْمُون قبل أَن ترجع على فراشها فَلم يجدهَا، فَعلم إِلَى ايْنَ صَارَت، فَقَالَ أَبُو مُوسَى: -
(قَاتل اللَّهِ عريبا فعلت فعلا عجيبا)
(ركبت وَاللَّيْل داج مركبا صعبا أريبا)
(لعَظيم جعلت ذَا لَك مكسا لَا هيوبا)
(مخه لَو حركت خفت عَلَيْهَا أَن تذوبا)
(رعت اللَّيْل فَلَمَّا إقتضى النّوم الرقيبا)
(مثلت فَوق حشاياها لكَي لَا يستريبا)
(بَدَلا مِنْهَا إِذا نُودي باسم لَا يجيبا)
(وَمَضَت يحملهَا الْخَوْف قَضِيبًا وكثيبا)
(فتدلت لمحب فتلقاها حبيبا)
(جذلا قد نَالَ بالدن يَا من الدُّنْيَا رغيبا)
(أَيهَا الظبي الَّذِي يحرج عَيناهُ القلوبا)
(وَالَّذِي يَأْكُل بَعْضًا بعضه ملحا وطيبا)
(كنت نصبا لذئاب فَلَقَد أطمعت ذيبا)
(وَكَذَا الشَّاة إِذا لم يَك راعيها لبيبا)
[ ١٦٥ ]
(لَا يُبَالِي رعية المرعى إِذا كَانَ عشيبا)
(فَلْيقل من شَاءَ مَا شَاءَ إِذا كَانَ أديبا)
قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون قد وَلَا يحيى بن أَكْثَم قَضَاء الْبَصْرَة فحضره جحشويه الشَّاعِر وَشهد رجلَيْنِ عِنْده من أهل الْعَدَالَة وَالصَّلَاح بِمَال على معية، وَيُقَال على غَيره. ولمعية مَعَ يحيى أَحَادِيث طريفة. وَاسم أحد الرجلَيْن اللَّذين شَهدا عِنْد يحيى جُوَيْن وَالْآخر عداس. على غُلَام أَنَّهُمَا رأياه يلاط بِهِ وَادّعى الْغُلَام أَنَّهُمَا قذفاه بالزنى فَأَرَادَ أَن يحدهما فَقَالَ جحشوية: -
(أنطقني الدَّهْر بعد إخراس بحادثات أطلن وسواسي)
(يَا بؤس للدهر لَا يزَال كَمَا يرفع نَاسا يحط من نَاس)
(لَا أفلحت أمة وَحقّ لَهَا بطول لعن وَطول إتعاس)
(ترْضى بِيَحْيَى يكون سائسها وَلَيْسَ يحيى لَهَا بسواس)
(قَاض يرى الْحَد فِي الزناء وَلَا يرى على من يلوط من بَأْس)
(يحكم للأمرد الظريف على مثل جُوَيْن وَمثل عداس)
(فَالْحَمْد لله كَيفَ قد ظهر الْجُود وَقل الْوَفَاء فِي النَّاس)
(أميرنا جَائِر وقاضينا يلوط وَالرَّأْس شَرّ مَا رَأس)
(لَو قصد الرَّأْس واستقام لقد قَامَ على الْقَصْد كل مرتاس)
(مَا أحسن الْجور ينقضى وعَلى النَّاس أَمِير من آل عَبَّاس)
وَقَالَ مُصعب بن الْحسن. حَدثنِي أَبُو خَالِد القناديلي. قَالَ: شهِدت الْمَأْمُون وَعِنْده عبَادَة المخنث وَقد أَمر بِيَحْيَى بن أَكْثَم وَقد وضع السرج، وشدوا حزامه ولببه فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء يهجو يحيى بن أَكْثَم: -
[ ١٦٦ ]
(أرقه برح الْهوى وسدمة وملة الْحبّ فَبَاتَ يألمة)
(طورا يعاتبه وطورا يشتمه مثل الْحَرِيق فِي الحشا يضرمه)
(فَفَاضَتْ الْعين بدمع تسجمه نمت عَلَيْهِ كل سوق يَكْتُمهُ)
(وباح بالحب الَّذِي يجمعه وَبَات وَالْقلب يسامي هممه)
(من لمحب قد ترَاهُ يرحمه أصبح بالبأساء عَار أنغمه)
(طَال تصابيه وَطَالَ سقمه وبلى الْجِسْم ودقت أعظمه)
(يشهدني اللَّهِ على من يَظْلمه يمنعهُ طعم الْكرَى ويحرمه)
(واها لَهُ يصرم من لَا يصرمه أصبح هَذَا الدّين رثا رممه)
(عطله الْجور وَطَالَ قدمه سحت من الْجور عَلَيْهِ ديمه)
(فباد مغنى ربعه وأرسمه إِلَّا بقايا قومه وَجمعه)
(أوطنه الْجور فأضحى معلمه يرود فِيهِ شاءه ونقمه)
(من يشْهد الْجور فَنحْن نعلمهُ أنوك قَاض فِي الْبِلَاد نعلمهُ)
(يَقُول حَقًا لَا تعيث ترحمه مذ ولى الحكم أُبِيح حرمه)
(وأنتهكت من الْقَضَاء حرمه واضطربت أَرْكَانه ودعمه)
(وَالله يبنيه وَنحن نهدمه ياليت يحيى لم يلده أكثمه)
(وَلم تطَأ أَرض الْعرَاق قدمه ملعونة أخلاقه وشيمه)
(لَا خَلفه عف وَلَا مقدمه يَأْتِي ويؤتي وَهُوَ لَا يستطعمه)
(أَي دَوَاة لم تلقها قلمه وَأي بَحر لم يردهُ علمه)
(دربه بالرهز حَتَّى أحكمه وَأي خشف لم يبت يستطعمه)
[ ١٦٧ ]
(يغكمه هَذَا وَهَذَا يعكمه كِلَاهُمَا يَأْتِي كثيرا مأثمه)
(وَالله وَالله لقد حل دَمه لَو أَن للدّين عمادا يدعمه)
(يعدل عَنهُ الْميل أَو يقومه لَكَانَ قد رن عَلَيْهِ مأثمه)
(أَرْجُو وَيَقْضِي اللَّهِ لَا يُسلمهُ من وَجهه هَذَا وَلَكِن يقصمه)
(بِالسَّيْفِ إِذا حلت عَلَيْهِ نقمه [])
حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ صَاحب المراكب، قَالَ: أَخْبرنِي أبي، عَن صَالح بن الرشيد. قَالَ: دخلت على المامون وَمَعِي بيتان للحسين بن الضَّحَّاك. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أحب ان تسمع مني بَيْتَيْنِ. قَالَ: أنشدهما فأنشده صَالح: -
(حمدنا اللَّهِ شكرا إِذْ حبانا بنصرك يَا أَمِير المؤمنينا)
(فَأَنت خَليفَة الرحمان حَقًا جمعت سماحة وجمعت دينا)
فأستحسنهما الْمَأْمُون وَقَالَ: لمن هَذَانِ البيتان يَا صَالح؟ قلت: لعبدك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك. قَالَ: قد أحسن قلت: وَله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هُوَ أَجود من هَذَا. قَالَ: وَمَا هُوَ؟ . فَأَنْشَدته: -
(أيبخل فَرد الْحسن فَرد صِفَاته على وَقد أفردته بهوى فَرد)
(رأى اللَّهِ عبد اللَّهِ خير عباده فملكه وَالله أعلم بِالْعَبدِ)
قَالَ: عمَارَة بن عقيل. قَالَ لي عبد اللَّهِ بن أبي السمط: علمت أَن الْمَأْمُون لَا يبصر الشّعْر. قَالَ: قلت وَمن ذَا يكون أعلم مِنْهُ فوَاللَّه إِنَّك لترانا ننشده أول الْبَيْت فيسبقنا إِلَى آخِره. قَالَ إِنِّي أنشدته بَيْتا أَجدت فِيهِ فَلم أره تحرّك لَهُ. قَالَ: قلت وَمَا الَّذِي أنشدته؟ قَالَ أنشدته: -
(أضخى إِمَام الْهدى الْمَأْمُون مشتغلا بِالدّينِ وَالنَّاس بالدنيا مشاغيل)
[ ١٦٨ ]
قَالَ: فَقلت لَهُ إِنَّك وَالله مَا صنعت شَيْئا وَهل زِدْت على أَن جعلته عجوزا فِي مِحْرَابهَا فِي يَدهَا سبحتها فَمن الْقَائِم بِأَمْر الدُّنْيَا إِذا تشاغل عَنْهَا وَهُوَ المطوق بهَا هلا قلت فِيهِ كَمَا قَالَ عمك جرير فِي عبد الْعَزِيز بن الْوَلِيد: -
(فَلَا هُوَ فِي الدُّنْيَا مضيع نصِيبه وَلَا عرض الدُّنْيَا عَن الدّين شاغلة)
قَالَ: وحَدثني أَحْمد بن مُحَمَّد اليزيدي. قَالَ: جَاءَنَا أبي فَقَالَ يَا بني: لقينى يَاسر رجله فَقَالَ: أجب أَمِير الْمُؤمنِينَ فَدخلت على الْمَأْمُون وَعِنْده جمَاعَة من أَصْحَابه فَقَالَ: إِنِّي أمرت من يحضرني ينشدني مَا يخْطر بِقَلْبِه مِمَّا يستحسنه فَكل أنْشد فأنشدني مَا يخْطر بقلبك مِمَّا تستحسنه فَأَنْشَدته: -
(عتقت حَتَّى لَو اتَّصَلت بِلِسَان نَاطِق وفم)
(لاحتبت فِي الْقَوْم مائلة ثمَّ قصت قصَّة الْأُمَم)
فَقَالَ الْمَأْمُون الَّذِي أردْت: -
(وتمشت فِي مفاصلهم كتمشى الْبُرْء فِي السقم)
ثمَّ نكث الأَرْض بإصبعه فأنصرف من بِحَضْرَتِهِ وَخرجت مَعَهم فلحقني يَاسر فَقَالَ: ارْجع. فَرَجَعت: فَقَالَ: يَا أَبَا مُحَمَّد: اشْتهيت اتعرف الأفياء فَلم يزل يذهب من فئ إِلَى فئ حَتَّى أفْضى إِلَى الرواق فَرفع السجف فَإِذا عريب وَمُحَمّد بن حَامِد البوزنجردي فَقَالَ: نطعم أَبَا مُحَمَّد شَيْئا. فَقلت: قد أكلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. فَشرب الْمَأْمُون رطلين وَقَالَ: أسق أَبَا مُحَمَّد. فَلَمَّا هَمَمْت بشربه قَالَ: هَات لَهُ عشْرين ألف دِرْهَم قَالَ: وأنشدك بَيْتَيْنِ خير لَك من عشْرين ألف. فَقلت: مازال أَمِير الْمُؤمنِينَ يُؤَدب ويفيد فأنشدني: -
(إِنِّي وَأَنت رضيعا قهوة لطفت عَن العيان ورقت فِي مدى الْوَهم)
(لم نغتذى غير كأس خزت درتها والكأس حرمتهَا أولى من الرَّحِم)
[ ١٦٩ ]
حَدثنِي عبد اللَّهِ الرّبيع بن سعد بن زُرَارَة. قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم السباري قَالَ: لما قدم العتابي على الْمَأْمُون مَدِينَة السَّلَام أذن لَهُ فَدخل عَلَيْهِ وَعِنْده إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم الموصلى وَكَانَ شَيخا جَلِيلًا فَسلم فَرد ﵇ وَأَدْنَاهُ وقربه حَتَّى دنا مِنْهُ فَقبل يَده ثمَّ أمره بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ وَأَقْبل عَلَيْهِ يسائله عَن حَاله فَجعل يجِيبه بِلِسَان طلق فاستطرف الْمَأْمُون ذَلِك مِنْهُ فَأقبل عَلَيْهِ بالمداعبة والمزح فَظن الشَّيْخ أَنه أستخف بِهِ فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. الإبساس قبل الإيناس. قَالَ: فَاشْتَبَهَ على الْمَأْمُون فِي الإبساس فَنظر الْمَأْمُون إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم ثمَّ قَالَ: نعم. يَا غُلَام ألف دِينَار فاتى بهَا فَوضعت بَين يَدي العتابي وَأخذُوا فِي الْمُفَاوضَة والْحَدِيث وغمز عَلَيْهِ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فَأقبل لَا يَأْخُذ العتابي فِي شئ إِلَّا عَارضه إِسْحَاق بِأَكْثَرَ مِنْهُ فبقى مُتَعَجِّبا ثمَّ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أئذن لي فِي مَسْأَلَة هَذَا الشَّيْخ عَن اسْمه. قَالَ: نعم. فسله. قَالَ يَا شيخ: من أَنْت، وَمَا اسْمك؟ قَالَ: أَنا من النَّاس واسمى كل بصل. قَالَ: أما النِّسْبَة فمعروفة، وَأما الِاسْم فمنكر، وَمَا كل بصل من الْأَسْمَاء. قَالَ لَهُ إِسْحَاق: مَا أقل أنصافك؟ وَمَا كل ثوم من الْأَسْمَاء البصل أطيب من الثوم. فَقَالَ العتابي: لله دَرك مَا أحجك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا رَأَيْت كالشيخ قطّ تَأذن فِي صلته بِمَا وصلني بِهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ فقد وَالله غلبني. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: بل هَذَا موفر عَلَيْك ونأمر لَهُ بِمثلِهِ. فَقَالَ إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم أما إِذا أَقرَرت بِهَذِهِ فتوهمني تجدني. قَالَ: وَالله مَا أَظُنك إِلَّا الشَّيْخ الَّذِي يتناهى إِلَيْنَا خَبره من الْعرَاق وَيعرف بِابْن الموصلى قَالَ: أَنا حَيْثُ ظَنَنْت. فَأقبل عَلَيْهِ بالتحية وَالسَّلَام. فَقَالَ الْمَأْمُون وَقد طَال الحَدِيث بَينهمَا: أما إِذا اتفقتما على الصُّلْح والمودة فقوما فانصرفا متنادمين فأنصرف العتابي إِلَى منزل إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلى فَأَقَامَ عِنْده.
حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن جشم الربعِي قَالَ: أخبرنَا عمَارَة بن عقيل. قَالَ: قَالَ لي الْمَأْمُون يَوْمًا وَأَنا أشْرب عِنْده: مَا أخبثك يَا أَعْرَابِي. قَالَ قلت وَمَا ذَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وهمتني نَفسِي. قَالَ كَيفَ قلت: -
[ ١٧٠ ]
(قَالَت مفداة لما أَن رَأَتْ أرقى والهم يعتادني من طيفه لمَم)
(نهبت مَالك فِي الأدنين آصرة وَفِي الأباعد حَتَّى حفك الْعَدَم)
(فأطلب إِلَيْهِم ترى مَا كنت من حسن تسدى إِلَيْهِم فقد باتت لَهُم صرم)
(فَقلت عذلك قد أكثرت لائمتى وَلم يمت حَاتِم هزلا وَلَا هرم)
فَقَالَ لي: ايْنَ رميت بِنَفْسِك إِلَى هرم بن سِنَان سيد الْعَرَب، وحاتم الطَّائِي فعلا كَذَا، وفعلا كَذَا. وَأَقْبل ينثال على بفضلهما. قَالَ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: خير مِنْهُمَا أَنا مُسلم وَكَانَا كَافِرين، وَأَنا رجل من الْعَرَب.
حَدثنَا مُحَمَّد بن زَكَرِيَّا بن مَيْمُون الفرغاني قَالَ: قَالَ الْمَأْمُون لمُحَمد بن الجهم أَنْشدني ثَلَاثَة أَبْيَات فِي المديح: والهجاء، والمراثي وَلَك بِكُل بَيت كورة فأنشده فِي المديح: -
(يجود بِالنَّفسِ إِذْ ضن الْجواد بهَا والجود بِالنَّفسِ أقْصَى غَايَة الْجُود)
وأنشده فِي الهجاء: -
(قبحت مناظرهم فحين خبرتهم حسنت مناظرهم بقبح الْمخبر)
وانشده فِي المراثي: -
(أَرَادوا ليخفوا قَبره عَن عدوه فطيب تُرَاب الْقَبْر دلّ على الْقَبْر)
وَقَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن مُحَمَّد. قَالَ انشدني الْعَبَّاس بن أَحْمد بن الْمَأْمُون فِي الْجَوَارِي: -
(أَتُوب إِلَى الرحمان من كل ذَنْب سوى أنني للغانيات ودود)
(أَخَاف إِذا مَا مت أَن يسترقني ترائب تبدو من ضحى وخدود)
[ ١٧١ ]