الْعَبَّاس بن أَحْمد بن أبان أَبُو الْقَاسِم الْكَاتِب. قَالَ: أَخْبرنِي الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك. قَالَ: قَالَ عُلْوِيَّهُ أخْبرك أَنه مر بِي مرّة مَا أَيِست من نَفسِي مَعَه لَوْلَا كرم الْمَأْمُون وَإنَّهُ دَعَا بِنَا فَلَمَّا أَخذ فِيهِ النَّبِيذ قَالَ: غنونى. فَسَبَقَنِي مُخَارق فأندفع فتغنى صَوتا لِابْنِ سُرَيج فِي شعر جرير: -
(لما تذكرت بالديرين أرقني صَوت الدَّجَاج وَضرب بالنواقيس)
(فَقلت للركب قد جد الْمسير بِنَا يَا بعد يبرين من بَاب الفراديس)
قَالَ: فحين لي أَن تَغَنَّيْت. وَقد كَانَ هم بِالْخرُوجِ إِلَى دمشق يُرِيد الثغر: -
(الْحِين سَاق إِلَى دمشق وَمَا كَانَت دمشق لأهلنا بَلَدا)
قَالَ: فَضرب بالقدح الأَرْض وَقَالَ: مَالك. عَلَيْك لعنة اللَّهِ. ثمَّ قَالَ: يَا غُلَام عط مخارقا ثَلَاثَة آلَاف دِرْهَم. وَأخذ بيَدي فَقُمْت وَعَيناهُ تدمعان وَهُوَ يَقُول للمعتصم. هُوَ وَالله آخر خُرُوج وَلَا أحسبني أرى الْعرَاق ابدا. قَالَ: فَكَانَ وَالله آخر الْفِرَاق عِنْد خُرُوجه كَمَا قَالَ.
قَالَ الْحُسَيْن وَأَخْبرنِي مُخَارق أَنه دخل على الْمَأْمُون يَوْمًا وَبَين يَدَيْهِ طبق عَلَيْهِ رغيفان ودجاجة. قَالَ فَقَالَ لي: تعال يَا مُخَارق. قَالَ: فصيرت بركَة قبائي فِي منطقتي وغسلت يَدي وَجئْت فَجعلت أقطع بَين يَدَيْهِ من الدَّجَاجَة وآكل حَتَّى آتَيْنَا جَمِيعًا على الدَّجَاجَة والرغيفين وَقمت من بَين يَدَيْهِ. فَلَمَّا جلسنا للنبيذ قَالَ لي يَا مُخَارق غنني صَوتا كَذَا فغنيته فعبس فِي وَجهه وَقَالَ لعلوية غنني يَا علوِيَّة هَذَا الصَّوْت فغناه دون غنائي فَضَحِك إِلَيْهِ وَتَبَسم ودعا لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم فَوضعت بَين يَدَيْهِ ثمَّ سَأَلَني أَن أغنيه صَوتا آخر فغنيته وأجتهدت فَفعل مثل فعله الأول، وَأمر علوِيَّة فغناه فَفعل كَذَلِك ودعا لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ قَالَ غنني فغنيته فَفعل كَفِعْلِهِ الأول ثمَّ قَالَ لعلوية غنه فغناه فَدَعَا لَهُ بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة: فَقَالَ لي علوِيَّة وأصحابنا
[ ١٧٢ ]
الك ذَنْب؟ فَقلت: لَا وَالله إِلَّا أَنِّي دخلت فدعاني إِلَى الْغَدَاء فَأكلت مَعَه. فَقَالَ لي علوِيَّة وَيلك ألم يكن فِي بَيْتك رغيف فتأكله قبل مجيئك. قَالَ: ثمَّ انصرفنا من ذَلِك الْمجْلس فَأمر أَن أحضر الدَّار كل يَوْم حَتَّى حضرت شهرا لَا يَأْذَن لي. فَلَمَّا استوفيت ثَلَاثِينَ يَوْمًا أذن لى فَدخلت وَهُوَ يتغدى وَبَين يَدَيْهِ طبق مثل ذَلِك الطَّبَق وَعَلِيهِ دجَاجَة ورغيفان فَسلمت فَرد على السَّلَام. ثمَّ قَالَ أدن يَا مُخَارق. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَا وَالله لَا أَعُود لمثلهَا ابدا. قَالَ: فَضَحِك حَتَّى استغرق ثمَّ قَالَ لي: وَيلك اظننت بِي بخلا على الطَّعَام لَا وَالله وَلَكِنِّي أردْت تأديبك لمن بعدِي لِأَن الْمُلُوك وَالْخُلَفَاء لَا يؤاكلها خدمها، وأخاف أَن تتعود هَذَا من غَيْرِي فَلَا يحتملك عَلَيْهِ تعال الْآن فَكل فِي أَمَان. قَالَ قلت: لَا أفعل وَالله. قَالَ: فَدَعَا لي بِطَعَام وَحضر المغنون فَقَالَ لعلوية: غنني فغناه فَأَعْرض عَنهُ. ثمَّ قَالَ لي: غن فغنيت. فَأمر لي بِعشْرَة آلَاف دِرْهَم. ثمَّ لم يزل يفعل كَذَلِك حَتَّى استوفيت ثَلَاثِينَ ألفا كَمَا وهب لعلوية.
حَدثنَا مُحَمَّد بن عَليّ بن طَاهِر بن الْحُسَيْن أَبُو الْعَبَّاس قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون يَوْمًا قَاعد يشرب وَبِيَدِهِ قدح إذغنت بذل الْكَبِيرَة
(أَلا لَا أرى شَيْئا ألذ من الْوَعْد وَمن أمْلى فِيهِ وَإِن كَانَ لَا يجدي)
قَالَ: فَقَالَت: مَكَان الْوَعْد الذمن الْحق. فَوضع الْمَأْمُون الْقدح من يَده والتفت إِلَيْهَا فَقَالَ: بلَى. النيك الذمن السحق بابذل. ثمَّ قَالَ اتمي صَوْتك
(وَمن غَفلَة الواشي إِذا مَا أتيتها وَمن نَظَرِي أبياتها خَالِيا وحدي)
(وَمن ضحكة فِي الْمُلْتَقى ثمَّ سكته وكلتا هما عِنْدِي ألذ من الْخلد)
أَخْبرنِي سعيد بن عبد الرَّحْمَن بن مقرن. قَالَ: بلغ الْمَأْمُون أَن عبيد اللَّهِ بن أبي غَسَّان مَحْبُوس بدين عَلَيْهِ. فَسَأَلَ عَمْرو بن مسْعدَة عَمَّا عَلَيْهِ من الدّين فَأخْبرهُ
[ ١٧٣ ]
ببلغه فَأمر بِقَضَائِهِ عَنهُ. وَقَالَ لعَمْرو قل لَهُ عني: أياك بعد هَذَا أَن تدان. وأقصر عَن الْإِسْرَاف. قَالَ: فَقَالَ لعَمْرو قل لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ كَيفَ يسرف من خبزه خشكار، ونبيذه دوشاب، ومغنيه عَمْرو الغزال. وأنشدني سعيد بن عبد الرَّحْمَن لبَعض الرقاشيين فِي عَمْرو الغزال. وَفِي عَليّ بن أُميَّة وَذَلِكَ أَن الشّعْر لَهُ: -
(يَا رب خذني وَخذ عليا وَخذ يَا ريح مَا تصنعين بالدمن)
(عجل إِلَى النَّار بِالثَّلَاثَةِ وَالرَّابِع عَمْرو الغزال فِي قرن)
حَدثنِي أَبُو مُحَمَّد عمر بن مُحَمَّد بن عبد الْملك بن أبان قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عبد الْملك بن أبان قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن عبد اللَّهِ بن أبي الْعَلَاء قَالَ: كنت عِنْد صَالح ابْن الرشيد ومعنا الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك فِي خلَافَة الْمَأْمُون وَكَانَ يهوى يعْنى صَالحا خَادِمًا لَهُ. فغاضبه فِي تِلْكَ اللَّيْلَة فَتنحّى عَنهُ وَكَانَ جَالِسا فِي صحن لَهُ حوله نرجس كثير فِي قمر طالع حسن فَقَالَ: قل للحسين بن الضَّحَّاك يَقُول فِي مَجْلِسنَا وَمَا نَحن فِيهِ ابياتا يغنى فِيهَا عَمْرو قَالَ: فَقَالَ الْحُسَيْن: -
(وصف الْبَدْر حسن وَجهك حَتَّى خلت أَنِّي وَمَا أرَاهُ أراكا)
(وَإِذا مَا تنفس النرجس الغض توهمته نسيم نشاكا)
(خدع للنا تقلبنى فِيك بإشراق ذَا وبهجة ذاكا)
(لأدومن مَا حييت على الود لهَذَا وَذَاكَ إِذْ حكياكا)
قَالَ: وَقَالَ لي تغن فِيهَا فتغنيت فِيهَا من سَاعَتِي.
حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن طهْمَان. قَالَ: أَخْبرنِي الْحُسَيْن بن الْمَرْزُبَان النّحاس قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون إِذا غنى بالصوت يشتهيه استعاده وَلم يسمع غَيره. قَالَ: وَكَانَ إِذا اشْتهى الْمَأْمُون من الطَّعَام شَيْئا أكله وَلم يَأْكُل غَيره.
حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا، عَن إِسْحَاق بن حميد كَاتب أبي الرَّازِيّ. قَالَ: انْصَرف
[ ١٧٤ ]
علوِيَّة الأعسر المغنى من مجْلِس الْمَأْمُون فَقَالَ لنا: إِنَّه دَار صَوت فِي هَذِه اللَّيْلَة فِي مجْلِس أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهُوَ بَيت وَاحِد. فَسَأَلَ عَنهُ كل من فِي الْمجْلس فَلم يعرف لَهُ أحد مِنْهُم ثَانِيًا فَهَل تعرفونه. فَقلت: مَا هُوَ؟ فَقَالَ: -
(تخيرت من نعْمَان عود أراكه لهِنْد فَمن هَذَا يبلغهُ هندا)
فَلم تعرفه فَقَالَ: أحب أَن تطلبونه فَطلب لَهُ عِنْد أهل الْمعرفَة بِبَغْدَاد فَلم يقدر عَلَيْهِ. فَلَمَّا ولى أَبُو الرَّازِيّ كور دجلة ثمَّ نقل مِنْهَا إِلَى الْبَصْرَة، وَنقل إِلَى الْيَمَامَة والبحرين فَلَمَّا خرجنَا وَكنت مَعَ أبي الرَّازِيّ فِي قبَّة أندفع الْحَادِي يَحْدُو بِنَا للمرقش الْأَكْبَر وَيُقَال للمجنون: -
(خليلي عوجا بَارك اللَّهِ فيكما وَإِن لم تكن هِنْد لأرضكما قصدا)
(وقولا لَهَا لَيْسَ الضلال أجازنا وَلَا كننا جزنا لحاجتنا عمدا)
)
(تخيرت من نعْمَان عود أراكه لهِنْد فَمن هَذَا يبلغهُ هندا)
(وأبطشه سَيفي لكيما أقيمه فَلَا أودا فِيهِ استبان وَلَا حصدا)
(ستبلغ هندا أَن سلمنَا وسلمت قَلَائِص يقطعن الفلاة بِنَا وخدا)
(فَلَمَّا أنخنا العيس قد طَال سَيرهَا إِلَيْهِم وجدنَا بالقرى مِنْهُم حشدا)
(فناولتها المسواك وَالْقلب خَائِف وَقلت لَهَا يَا هِنْد هَل مثل ذَا يهدى)
(وَأَقْبَلت مجتازا مود رِسَالَة فَقَامَتْ تجر الميسناني والبردا)
(تعرض للحى الَّذين أريدهم وَمَا التمست إِلَّا لتقتلني عمدا)
(فَمَا شبه هِنْد غير أدماء خاذل من الْوَحْش مرتاع تراعى طلا فَردا)
(وَمَا نُطْفَة من مزنة فِي وقيعة على متن صَخْر فِي صفا خالطت شَهدا)
(بأطيب من ريا علالة رِيقهَا غَدَاة هضاب الطل فِي رَوْضَة تندى)
[ ١٧٥ ]
حَدثنِي الْفضل بن الْعَبَّاس بن الْفضل. قَالَ: قَالَ لي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلى: طَالَتْ جفوة الْمَأْمُون بِي فَلم أكن أَدخل عَلَيْهِ وَلَا أحضر مجالسة فأضر ذَلِك بِي فَأتيت علوِيَّة، وَكَانَ علوِيَّة لَا يُفَارق الْمَأْمُون لمنادمته. فَقلت لَهُ: وَيلك هَل فِيك خير؟ فَقَالَ لي علوِيَّة: يَا سَيِّدي ففيمن الْخَيْر إِذا. فَقلت لَهُ: قد علمت تناسي أَمِير الْمُؤمنِينَ لي وَشدَّة جفائه، وَقد وَالله أجحف ذَلِك بِي فَهَل لَك إِلَى شَيْء أعرضه عَلَيْك يَا علوِيَّة فَقَالَ لي: قل يَا سَيِّدي مَا أَحْبَبْت قَالَ إِسْحَاق فَقلت لَهُ: قد قلت بَيْتَيْنِ مليحين وَقد صنعتهما بلحن مليح فَأَرَدْت إِذا صرت إِلَى منادمة الْمَأْمُون فغنيت صَوْتَيْنِ أَو ثَلَاثَة أَن تغنى هَذَا الصَّوْت فَإِنَّهُ سيسألك قَالَ علوِيَّة نعم وكرامة. قَالَ: فَمَكثت أطرح عَلَيْهِ الصَّوْت أَيَّامًا حَتَّى أحكمه وجوده فَلَمَّا أَن جلس الْمَأْمُون للهوه غنى علوِيَّة هَذَا الصَّوْت وَهُوَ:
(يَا سرحة المَاء قد سدت موارده أما إِلَيْك سَبِيل غير مسدود)
(لحائم حام حَتَّى لَا حيام بِهِ محلا عَن طَرِيق المَاء مطرود)
قَالَ: فَلَمَّا أَن سَمعه الْمَأْمُون قَالَ: يَا علوِيَّة: لمن هَذَا الشّعْر وأيش هَذَا الصَّوْت؟ . قَالَ فَقَالَ لَهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَذَا للمجفو الْمَطَر ودعبدك إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الْموصِلِي. قَالَ: على بِهِ السَّاعَة. قَالَ إِسْحَاق: فَأَتَانِي الرَّسُول فصرت إِلَى الْمَأْمُون فَلَمَّا أَن راني وسلمت عَلَيْهِ. قَالَ لي: أدن فَلم يزل يدنيني حَتَّى مست ركبتي ركبته، ثمَّ قبلت يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ ثمَّ أَمر لي بِمِائَة ألف دِرْهَم وألزمني خدمته وَمَا زلت فِي ذَلِك آخذ جوائزه فِي كل قَلِيل حَتَّى توفّي.
حَدثنِي سُلَيْمَان بن عَليّ بن نجيح. قَالَ: حَدثنِي أبي. قَالَ: حَدثنِي صَالح بن الرشيد قَالَ: كُنَّا عِنْد الْمَأْمُون، وعقيد، وَعَمْرو بن بانة، وَعِيسَى بن زَيْنَب فغنى عقيد بِشعر عِيسَى بن زيينب وَعِيسَى حَاضر وَكَانَ نديما لِلْمَأْمُونِ وَكَأن شَاعِرًا: -
(لَك عِنْدِي فِي كل يَوْم جَدِيد طرفَة تستفاد بِابْن الرشيد)
(يَا عَمُود الْإِسْلَام خير عَمُود وَالَّذِي صِيغ من حَيَاء وجود)
[ ١٧٦ ]
(فتنفست ثمَّ قلت كَذَا كل محب صب الْفُؤَاد عميد)
(إِذْ تغنى عَمْرو بن بانه إِذْ ذَاك وَهُوَ قَابض بأير عقيد)
قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون لعقيد. قف فَذكر فحشاء.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ إِسْحَاق الموصلى: قدم الْمَأْمُون وَكنت أَدخل وعَلى طَوِيلَة وَأَنا فِي السوَاد فَذكر الْمَأْمُون ذَاك فَقيل لَهُ أَنِّي أتية على الْخُلَفَاء وَلَا أغنيهم. فَقَالَ لَهُ صَالح وَأَبُو عِيسَى كَذبُوك ابْعَثْ إِلَيْهِ فَجئْت فغنيته: -
(يَا شرعة المَاء قد سدت موارده أما إِلَيْك طَرِيق غير مسدود)
ثمَّ غنى علوِيَّة: -
(لعَبْدِهِ الدَّار مَا تكلّف الدَّار )
فَقَالَ: لمن هَذَا؟ فَقَالَ علوِيَّة: لأبراهيم. فَقَالَ لي: هَكَذَا. فَقلت: هُوَ لأبي وَقد أَخطَأ فِيهِ فَأنْكر عَلَيْهِ فَقَالَ: رده أَنْت. فرردت الصَّوْت فقبلني وضمني إِلَيْهِ وَأمر لي بِخَمْسِينَ ألف دِرْهَم.
قَالَ أَحْمد: بن أبي طَاهِر: قَالَ أَبُو الْحسن مُوسَى بن جَعْفَر بن مَعْرُوف: حَدثنِي علوِيَّة. قَالَ: أَمرنِي الْمَأْمُون وأصحابي أَن نغدو عَلَيْهِ لنصطبح فغدونا فلقيني عبد اللَّهِ بن إِسْمَاعِيل صَاحب المراكب مولى عريب فَقَالَ:
(يأيها الرجل الظَّالِم المعتدى أما ترحم وَلَا ترق وَلَا تستحى)
(عريب هائمة تحتكم عَلَيْك فِي كل لَيْلَة ثَلَاث مَرَّات)
قَالَ: أَبُو الْحسن: قَالَ لي عُلْوِيَّهُ: وَكَانَت عريب احسن النَّاس وَجها، وأظرف النَّاس وأفكه وَأحسن غناء منى وَمن صَاحِبي يَعْنِي مُخَارق. قَالَ: فَقلت أم الْمَأْمُون زَانِيَة مر حَتَّى اجىء. قَالَ: فحين دخلت قلت لَهُ استوثق من الْأَبْوَاب فَإِنِّي أعرف النَّاس بِفُضُول الْحجاب. فَأمر بالأبواب فأغلقت وَدخلت فَإِذا عريب جالسة على كرسى عَظِيم تطبخ بَين يَديهَا ثَلَاث قدور من دَجَاج فَلَمَّا رأتني قَامَت إِلَى فعانقتني وقبلتني وأدخلت لسانها فِي فمي ثمَّ قَالَت: مَا تشْتَهي أَن تَأْكُل؟ فَقلت:
[ ١٧٧ ]
قدرا من هَذِه فأفرغت قدرا مِنْهَا بيني وَبَينهَا فأكلنا ثمَّ دعت بالنبيذ فصب رطلا فَشَرِبت نصفه وسقتني نصفه فَمَا زلنا نشرب حَتَّى سكرنا ثمَّ قَالَت يَا أَبَا الْحسن: أخرجت البارحة شعر أبي الْعَتَاهِيَة فأخترت مِنْهُ شعرًا غنيت فِيهِ فَقلت: مَا هُوَ؟ فَقَالَت.
(وَإِنِّي لمشتاق إِلَى ظلّ صَاحب يروق ويصفو إِن كدرت عَلَيْهِ)
(عذيري من الْإِنْسَان لَا إِن جفوته صفا لي وَلَا إِن كنت طوع يَدَيْهِ)
فصيرناه مَجْلِسنَا فَقَالَت: بقى على فِيهِ شَيْء فأصلحه. فَقلت مَا فِيهِ شَيْء. فَقَالَت: بلَى فصححناه جَمِيعًا ثمَّ جَاءَ الْحجاب فكسروا فأستخرجوني فأدخلت على الْمَأْمُون فَأَقْبَلت أرقص من أقْصَى الإيوان وأصفق بيَدي وأغنى الضَّرْب فَسمع وسمعوا مَا لم يعرفوه فأستظرفوه فَقَالَ الْمَأْمُون: أدن يَا علوِيَّة رد على الصَّوْت. فرددته سبع مَرَّات. فَقَالَ: أَنْت الَّذِي تشتاق إِلَى ظلّ صَاحب يرق لَك ويصفو إِن كدرت عَلَيْهِ. فَقلت: نعم. قَالَ: فَخذ منى الْخلَافَة وَأَعْطِنِي هَذَا الصاحب بدلهَا.
سَمِعت عَمْرو بن بانة يَقُول: كنت يَوْمًا عِنْد صَالح بن الرشيد فَقَالَ لي صَالح: لست تطرح على جواري وغلماني مَا أستجيده. قَالَ فَقلت: وَيلك مَا أبغضك أبْعث إِلَى منزلي فجِئ بالدفاتر فَجَاءَنِي بالدفاتر فَأخذ دفترا مِنْهَا ليتخير فَمر بِشعر الْحُسَيْن ابْن الضَّحَّاك:
(أطل حزنا وأبك الْأمين مُحَمَّدًا بحزن وَإِن خفت الحسام المهندا)
(وَلَا فَرح الْمَأْمُون بِالْملكِ بعده وَلَا زَالَ فِي الدُّنْيَا طريدا مشردا)
فَقَالَ: أَنْت تعلم أَن الْمَأْمُون يجيئني فِي كل سَاعَة فَإِن قَرَأَ هَذَا مَا يكون؟ . ثمَّ دَعَا بسكين فحكه. وَصعد الْمَأْمُون من الدرجَة وَرمى صَالح بالدفتر فَقَالَ الْمَأْمُون يَا غُلَام: الدفتر. فَأتى بِهِ فَنظر فِيهِ فَوقف على الحك فَقَالَ الْمَأْمُون: إِن قلت لكم مَا كُنْتُم فِيهِ تصدقوني. قُلْنَا: نعم قَالَ يَنْبَغِي أَن يكون أخي قَالَ لَك أبْعث فجِئ بدفاترك لنتخير مَا نطرح فَوقف على هَذَا الشّعْر فكره أَن أرَاهُ فَأمر بحكه وَقَالَ لي:
[ ١٧٨ ]
غنه. فَقلت: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: الشّعْر للحسين بن الضَّحَّاك والغناء لسَعِيد بن جَابر. فَقَالَ: وَمَا يكون غنه. فغنيته. فَقَالَ: رده. فرددته ثَلَاث مَرَّات فَأمر لى بِثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم وَقَالَ: حَتَّى تعلم أَنه لم يَضرك، وَالْحُسَيْن بن الضَّحَّاك الَّذِي يَقُول فِي سعيد بن جَابر:
(يَا سعيد وَابْن منى سعيد )
قَالَ إِسْحَاق الموصلى: كَانَت لي صناجة كنت بهَا معجبا، واشتهاها أَبُو إِسْحَاق فِي أَيَّام الْمَأْمُون فَبينا أَنا ذَات يَوْم فِي منزلي إِذْ أَتَانِي رَسُول الْمَأْمُون فَقلت ذهبت وَالله صناجتي تَجدهُ قد ذكرهَا لَهُ فَبعث إِلَى فِيهَا فمضيت وَأَنا مثخن فَدخلت فَسلمت فَرد السَّلَام وَنظر إِلَى تغير وَجْهي فَقَالَ لي: اسكن. فسكنت. وسألني عَن صَوت فَقَالَ: اتدري لمن هُوَ. فَقلت أسمعهُ ثمَّ أخبر بِهِ أَن شَاءَ اللَّهِ. فَأمر جَارِيَة من وَرَاء ستارة فغنته وَضربت فَإِذا هِيَ قد شبهته بالقديم فَقلت: زِدْنِي مَعهَا عودا آخر فَفعل. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَذَا الصَّوْت مُحدث لَا مرأة ضاربة. فَقَالَ من أَيْن قلت ذَاك؟ قلت: لما سَمِعت لينه علمت أَن صَار بنائِهِ ضارية فقد حفظت اجزائه ومقاطعة، ثمَّ طلبت عودا آخر فَلم اشكك. فَقَالَ: صدقت. الْغناء لعريب.
قَالَ حَمَّاد بن إِسْحَاق الموصلى: قَالَ إِسْحَاق: سَأَلَني الْمَأْمُون يَوْمًا عَن مُخَارق وعلوية وَكَيف هما فِي صَنْعَة الْغناء؟ فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مثلهمَا مثل رجل لم يكن يحسن غير ألف ب ت ث فَدخل على قوم أُمِّيين فَسَموهُ كَاتبا. وَلَكِن هاذين بقيا إِلَى دهر مَاتَت أهل الصِّنَاعَة الْمُتَقَدِّمين فصارا عِنْد أَهله مغنيين وَمَا غَنِيا وهما عِنْد الْقَدِيم إِلَّا مثل الكذابة عِنْد الوشى الإسْكَنْدراني.
حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا: قَالَ: كُنَّا فِي منزل مُحَمَّد بن دَاوُد بن إِسْمَاعِيل بن عَليّ الْهَاشِمِي وَكَانَ عَالما بالفقه وبالغناء جَمِيعًا وَوَصفه يحيى بن أَكْثَم بالفقه لِلْمَأْمُونِ، وَوَصفه أَحْمد بن يُوسُف الْكَاتِب لِلْمَأْمُونِ بِالْعلمِ بِالْغنَاءِ. فَقَالَ الْمَأْمُون
[ ١٧٩ ]
مَا أعجب مَا أجتمع فِيهِ الْفِقْه، والغناء فكتبنا إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الموصلى وَكَانَ فِي جواره نَسْأَلهُ أَن يتَحَوَّل إِلَيْنَا. فَكتب إِلَيْنَا جعلت فداكم قد أخذت دَوَاء وَأَنا أخرج مِنْهُ ثمَّ أحمل قويريرتي وأصير إِلَيْكُم وَكتب فِي أَسْفَل كِتَابه: -
(أَنا الشماطيط الَّذِي حدثت بِهِ مَتى أنبه للغداء انتبه)
(ثمَّ أنزى حوله واحتبه حَتَّى يُقَال شَره وَلست بِهِ)
ثمَّ جَاءَ بعد وَمَعَهُ بديح غُلَامه فتغدينا وشربنا وَكَانَ عندنَا أَحْمد بن يُوسُف وذكاء وصغير فغنى ذوكاء وَهُوَ أَبُو كَامِل صَوتا فأستحسنه إِسْحَاق واستعاده وَهُوَ: -
(أبهار قد هيجت لي لي أوجاعا وتركتني عبدا لكم مطواعا)
(بحديثك الْحسن الَّذِي لَو كلمت وَحش الفلاة بِهِ لجئن سرَاعًا)
فَقَالَ أَبُو إِسْحَاق مِمَّن أخذت هَذَا الْغناء. فَقَالَ: من معَاذ بن الطّيب. فَقَالَ: أحب أَن تلقيه على بديح، فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ فَلَمَّا صليت الْعَصْر انْصَرف أَبُو كَامِل وَقَالَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن يُوسُف يشرب وَعِنْده قوم فَاحْتَاجَ إِلَى أَن أذهب إِلَيْهِ فَانْصَرف وتخلف صَغِير فغنى. فَقَالَ لَهُ إِسْحَاق أَنْت وَالله يَا غُلَام مَا خوري. وسكر مُحَمَّد فِي آخر النَّهَار فغنى: -
(هبوني أَغضّ إِذا مَا بَدَت وَأَمْنَع طرفِي فَلَا أنظر)
(فَكيف إستتاري إِذا مَا الدُّمُوع نطفن (فبحن) بِمَا أضمر
(فَيَأْمَن سروري بِهِ شقوة وَمن صفو عيشي بِهِ أكدر)
فَلَو لم تكن فِي بقيا عَلَيْك نظرت لنَفْسي كَمَا تنظر)
فَالْتَفت إِسْحَاق إِلَى مُحَمَّد بن أَيُّوب بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان فَقَالَ: يَا عبد اللَّهِ أجرك اللَّهِ فِي ابْن عمك إِذْ قد سكر يغنى قُدَّام إِسْحَاق. نُسْخَة كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ الْمَأْمُون إِلَى أبي الْحُسَيْن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فِي المحنة
[ ١٨٠ ]
وَهُوَ أول كتاب كتبه.
أما بعد: " فَإِن حق اللَّهِ على أَئِمَّة الْمُسلمين وخلفائهم الِاجْتِهَاد فِي أقامة دين اللَّهِ الَّذِي استحفظهم، ومواريث النُّبُوَّة الَّتِي أورثهم وَأثر الْعلم الَّذِي استودعهم وَالْعَمَل بِالْحَقِّ فِي رعيتهم والنشمير لطاعة اللَّهِ فيهم، وَالله يسْأَل أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته والإقساط فِيمَا ولاه اللَّهِ من رَعيته برحمته ومنته.
وَقد عرف أَمِير الْمُؤمنِينَ، أَن الْجُمْهُور الْأَعْظَم والسواد الْأَكْبَر من حَشْو الرّعية وسفلة الْعَامَّة مِمَّن لَا نظر لَهُ، وَلَا رُؤْيَة وَلَا اسْتِدْلَال لَهُ بِدلَالَة اللَّهِ وهدايته وَلَا استضاء بِنور الْعلم وبرهانه فِي جَمِيع الأقطار والآفاق أهل جَهَالَة بِاللَّه وعمى عَنهُ وضلالة عَن حَقِيقَة دينه وتوحيده وَالْإِيمَان بِهِ، ونكوب عَن واضحات أعلامة وواجب سَبيله، وقصور أَن يقدروا اللَّهِ حق قدره، ويعرفوه كنه مَعْرفَته، ويفرقوا بَينه وَبَين خلقه، بِضعْف آرائهم، وَنقص عُقُولهمْ، وخفائهم عَن التفكير والتذكر، وَذَلِكَ أَنهم ساووا بَين اللَّهِ ﵎ وَبَين مَا أنزل من الْقُرْآن، وأطبقوا مخضعين، وَاتَّفَقُوا غير متجامعين على أَنه قديم أول، لم يخلقه اللَّهِ ويحدثه ويخترعه وَقد قَالَ اللَّهِ ﵎ فِي مُحكم كِتَابه الَّذِي جعله لما فِي الصُّدُور شِفَاء وَلِلْمُؤْمنِينَ هدى وَرَحْمَة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبيا﴾ فَكل مَا جعله اللَّهِ فقد خلقه اللَّهِ. وَقَالَ: الْحَمد لله الَّذِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَجعل الظُّلُمَات والنور ثمَّ الَّذين كفرُوا برَبهمْ يعدلُونَ) وَقَالَ ﷿: ﴿كَذَلِك نقص عَلَيْك من انباء مَا قد سبق﴾ . فَأخْبر أَنه قصَص لأمور أحدثها بعده، وتلابها متقدمها وَقَالَ: ﴿آلر كتاب أحكمت آيَاته ثمَّ فصلت من لدن حَكِيم خَبِير﴾ وكل مُحكم مفصل فَلهُ مُحكم مفصل. وَالله جلّ وَعز مُحكم كِتَابه ومفصله فَهُوَ خالقه ومبتدعه. ثمَّ هم أُولَئِكَ الَّذين جادلوا بِالْبَاطِلِ إِلَى قَوْلهم، ونسبوا أنفسهم إِلَى السّنة وَفِي كل فصل من كتاب اللَّهِ قصَص من تِلَاوَته
[ ١٨١ ]
مُبْطل قَوْلهم، ومكذب دَعوَاهُم يرد عَلَيْهِم قَوْلهم ونحلتهم، ثمَّ أظهرُوا مَعَ ذَلِك أَنهم هم أهل الْحق وَالدّين وَالْجَمَاعَة، وَأَن من سواهُم أهل الْبَاطِل وَالْكفْر والفرقة. فاستطالوا بذلك على النَّاس، وغروا بِهِ الْجُهَّال حَتَّى مَال قوم من أهل السمت الْكَاذِب التخشع لغير اللَّهِ، والتقشف لغير الدّين إِلَى موافقتهم عَلَيْهِ، ومواطأتهم على سئ أرائهم تزينا بذلك عِنْدهم وتصنعا للرئاسة وَالْعَدَالَة فيهم فتركوا الْحق إِلَى باطلهم، وَاتَّخذُوا دون هدى اللَّهِ وليجة إِلَى ضلالتهم فَقبلت بتزكيتهم لَهُم شهاداتهم ونفذت أَحْكَام الْكتاب بهم على دغل دينهم، وَبَطل أديمهم وَفَسَاد نياتهم وتفننهم وَكَانَ ذَلِك غايتهم الَّتِى إِلَيْهَا أجروا، وأياها طلبُوا فِي متابعتهم، وَالْكذب على مَوْلَاهُم وَقد أَخذ عَلَيْهِم مِيثَاق الْكتاب أَلا يَقُولُوا على اللَّهِ إِلَّا الْحق ودرسوا مَا فِيهِ: ﴿أُولَئِكَ الَّذين أصمهم اللَّهِ وأعمى أَبْصَارهم أَفلا يتدبرون الْقُرْآن أم على قُلُوب أقفالها﴾ . فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن أُولَئِكَ شَرّ الْأمة، ورؤوس الضَّلَالَة، والمنقوصون من التَّوْحِيد حظا، والمخسوسون من الْإِيمَان نَصِيبا وأوعية الْجَهَالَة، وأعلام الْكَذِب ولسان أبليس النَّاطِق فِي أوليائه، والهائل على أعدائه من أهل دين اللَّهِ، وأحق من أَنهم فِي صَدَقَة، وأطرحت شَهَادَته وَلم يوثق بقوله وَلَا عمله فَإِنَّهُ لَا عمل إِلَّا بعد يَقِين، وَلَا يَقِين إِلَّا بعد استكمال حَقِيقَة الْإِسْلَام، وإخلاص التَّوْحِيد وَمن عمى عَن رشده وَحفظه من الْإِيمَان بِاللَّه وبتوحيده كَانَ عَمَّا سوى ذَلِك من عمله وَالْقَصْد من شَهَادَته أعمى واضل سَبِيلا. ولعمر أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن أحجى النَّاس بِالْكَذِبِ فِي قَوْله، وتخرص الْبَاطِل فِي شَهَادَته من كذب على اللَّهِ ووحيه وَلم يعرف اللَّهِ حَقِيقَة مَعْرفَته. وَإِن أولاهم أَن يرد شَهَادَة اللَّهِ جلّ وَعز على كِتَابه، ويهت حق اللَّهِ بباطله فأجمع من بحضرتك من الْقُضَاة وأقرا عَلَيْهِم كتاب أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا إِلَيْك وأبدأ بأمتحانهم فِيمَا يَقُولُونَ، وتكشيفهم عَمَّا يَعْتَقِدُونَ فِي خلق اللَّهِ الْقُرْآن
[ ١٨٢ ]
وإحداثه، وأعلمهم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ غير مستعين فِي عمله، وَلَا واثق فِيمَا قَلّدهُ اللَّهِ واستحفظه فِي أُمُور رَعيته من لَا يوثق بِدِينِهِ وخلوص توحيده ويقينه فَإِذا أقرُّوا بذلك ووافقوا أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ وَكَانُوا على سَبِيل الْهدى والنجاة فمرهم بِنَظَر من بحضرتهم من الشُّهُود على النَّاس ومسألتهم عَن علمهمْ فِي الْقُرْآن وَترك الاثبات بِشَهَادَة من لم يقر أَنه مَخْلُوق مُحدث، وَلم يرَوا الِامْتِنَاع من توقيعها عِنْده واكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا يَأْتِيك من قُضَاة أهل عَمَلك فِي مسألتهم وَالْأَمر لَهُم بِمثل ذَلِك ثمَّ أشرف عَلَيْهِم وتفقد آثَارهم حَتَّى لَا تنفذ أَحْكَام اللَّهِ إِلَّا بِشَهَادَة أهل البصائر فِي الدّين وَالْإِخْلَاص للتوحيد واكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ بِمَا يكون مِنْك فِي ذَلِك وَكتب فِي شهر ربيع الأول سنة ثَمَانِي عشرَة وَمِائَتَيْنِ.
قَالَ: وَكتب الْمَأْمُون إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَهُوَ يختلفه بِبَغْدَاد فِي اشخاص سَبْعَة نفر من الْفُقَهَاء مِنْهُم: مُحَمَّد بن سعد كَاتب الْوَاقِدِيّ، وَأَبُو مُسلم مستملى يزِيد ابْن هَارُون، وَيحيى بن معِين، وَزُهَيْر بن حَرْب، وَأَبُو خَيْثَمَة، وَإِسْمَاعِيل بن دَاوُد وَإِسْمَاعِيل بن أبي مَسْعُود، وَأحمد بن الدَّوْرَقِي. فأشخصوا فَسَأَلَهُمْ وأمتحنهم عَن خلق الْقُرْآن فَأَجَابُوا جَمِيعًا أَن الْقُرْآن مَخْلُوق فأشخصهم إِلَى مَدِينَة السَّلَام وأحضرهم إِسْحَاق دَاره فشهر أَمرهم وَقَوْلهمْ بِحَضْرَة الْفُقَهَاء والمشايخ من أهل الحَدِيث فأقروا بِمثل مَا أجابوا بِهِ الْمَأْمُون فخلى سبيلهم وَكَانَ إِحْضَار إِسْحَاق أياهم وَشهر أَمرهم بِأَمْر الْمَأْمُون، وَكَانَ الْمَأْمُون بعد ذَلِك كتب إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم.
أما بعد: فَإِن من حق اللَّهِ على خلفائه فِي أرضه وأمنائه على عباده الَّذين أرتضاهم لإِقَامَة دينه، وَحَملهمْ رِعَايَة خلقه وإمضاء أَحْكَامه وسننه والائتمام بعدله فِي بريته أَن يجهدوا اللَّهِ أنفسهم، وينصحوا لَهُ فِيمَا استحفظهم وقلدهم، ويدلوا عَلَيْهِ تبَارك اسْمه وَتَعَالَى بِفضل الْعلم الَّذِي أودعهم، والمعرفة الَّتِي جعلهَا فيهم ويهدوا إِلَيْهِ من زاغ عَنهُ، ويردوا من ادبر عَن أمره. وينهجوا لرعاياهم سمت نجاتهم. ويقفوهم على حُدُود إِيمَانهم وسبل وزهم وعصمتهم ويكشفوا لَهُم عَن مغطيات
[ ١٨٣ ]