قَالَ: وَجَاء نعى طَاهِر بن الْحُسَيْن فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ. فَحَدثني يحيى بن الْحسن إِن عبد الْخَالِق، عَن أبي زيد حَمَّاد بن الْحسن، قَالَ: حَدثنِي كُلْثُوم بن ثَابت ابْن أبي سعد وَكَانَ يكنى أَبَا سعدة. قَالَ: كنت على بريد خُرَاسَان ومجلسي يَوْم الْجُمُعَة فِي أصل الْمِنْبَر. فَلَمَّا كَانَ فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ بعد ولَايَة طَاهِر بِسنتَيْنِ حضرت الْجُمُعَة فَصَعدَ طَاهِر الْمِنْبَر فَخَطب فَلَمَّا بلغ إِلَى ذكر الْخَلِيفَة أمسك عَن الدُّعَاء لَهُ. وَقَالَ: اللَّهُمَّ أصلح أمة مُحَمَّد - ﷺ َ - بِمَا أصلحت بِهِ أولياءك، وأكفها مؤونة من بغى فِيهَا وحسد عَلَيْهَا من لم الشعث وحقن الدِّمَاء وأصلاح ذَات الْبَين. قَالَ: فَقلت فِي نَفسِي أَنا أول مقتول لِأَنِّي لَا أكتم الْخَبَر فأنصرفت وأغتسلت بِغسْل الْمَوْتَى، وائتزرت بازار، ولبست قَمِيصًا، وارتديت رِدَاء وطرحت السوَاد وكتبت إِلَى الْمَأْمُون. قَالَ: فَلَمَّا صليت الْعَصْر دَعَاني وَحدث بِهِ حَادث فِي جفن عَيْنَيْهِ وَفِي مآقيه فَسقط مَيتا. قَالَ: فَخرج طَلْحَة بن طَاهِر فَقَالَ: ردُّوهُ. ردُّوهُ. وَقد خرجت فردوني. فَقَالَ: هَل كتبت بِمَا كَانَ؟ . قلت: نعم. قَالَ: فأكتب بوفاته وَأَعْطَانِي خَمْسمِائَة ألف ومائتي ثوب فَكتبت بوفاته وبقيام طَلْحَة بالجيش.
قَالَ: فوردت الخريطة على الْمَأْمُون بخلعه غدْوَة فدعى ابْن أبي خَالِد فَقَالَ: أشخص فأت بِهِ كَمَا زعمت وضمنت. قَالَ: أَبيت لَيْلَتي. قَالَ: لَا لعمري لَا تبيت إِلَّا على ظهر. فَلم يزل يناشده حَتَّى أذن لَهُ فِي الْمبيت، ووافت الخريطة بِمَوْتِهِ لَيْلًا فَدَعَاهُ فَقَالَ لَهُ: قد مَاتَ فَمن ترى؟ قَالَ: ابْنه طَلْحَة. قَالَ: الصَّوَاب. فأكتب بتوليته. فَكتب بذلك وَأقَام طَلْحَة فِيمَا ذكر لنا يحيى بن الْحسن واليا على خُرَاسَان فِي أَيَّام الْمَأْمُون سبع سِنِين بعد موت طَاهِر، ثمَّ توفّي وَولى عبد اللَّهِ بن طَاهِر خُرَاسَان وَكَانَ يتَوَلَّى حَرْب بابك فَأَقَامَ بالدينور وَوجه الجيوش ووردت وَفَاة طَلْحَة على الْمَأْمُون فَبعث إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر بِيَحْيَى بن أَكْثَم يعزيه عَن أَخِيه ويهنئه بِولَايَة خُرَاسَان وَولى عَليّ بن هِشَام حَرْب بابك.
[ ٧٤ ]
وحَدثني يحيى بن الْحسن قَالَ: لما مَاتَ طَاهِر بن الْحُسَيْن بخراسان كتم الْمَأْمُون عبد اللَّهِ بن طَاهِر مَوته قَالَ: وَكتب إِلَى عبد اللَّهِ مولى لَهُم كَانَ أسلم على يَد طَاهِر: أَن أَبَاك قد مَاتَ فتحرز. فَكتب عبد اللَّهِ إِلَى الْمَأْمُون يستعلمه موت طَاهِر. فَكتب إِلَيْهِ الْمَأْمُون: لم أستر عَنْك علمه إِلَّا لِأَنِّي خشيت إِن تضعف وَأَنت فِي وَجه حَرْب فَخفت عَلَيْك من الفكرة والتواني وَقد كَانَ ذَلِك فرحمه اللَّهِ. قَالَ: وَكتب إِلَيْهِ القواد وَالْوُجُوه يعزونه وَكتب إِلَيْهِ الْفضل بن الرّبيع يعزيه وَكتب: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ ستر عَنْك موت أَبِيك خوف التواني فجد فِي الْأَمر الَّذِي أَنْت فِيهِ، مُتَوَلِّيًا لَهُ بِمَا يرضيه، وَمَا تعلم بِهِ أَنَّك قد قُمْت بِالْوَاجِبِ وأثره أثرا تعجله فِي الْكَلْب الَّذِي أَنْت بإزائه وأصدقه فَإِنِّي أعلم أَنَّك ستظفر بِهِ وَأَنا عَارِف بضعفه. قَالَ: أَبُو زَكَرِيَّا: حَدثنِي يزِيد بن عقال بذلك. قَالَ وَكتب إِلَيْهِ عبد اللَّهِ يُخبرهُ بِخَبَر نصر.
وحَدثني بعض الْوُجُوه من أهل الْعَسْكَر وَأَصْحَاب السُّلْطَان قَالَ: أشهد أَنِّي كنت عِنْد الْعَبَّاس، وَكَانَ بِي آنسا، ولي مكرما فَحَدثني أَنه شهد مجْلِس الْمَأْمُون وَقد أَتَاهُ نعى طَاهِر فَقَالَ. لِلْيَدَيْنِ وَلِلْفَمِ الْحَمد لله الَّذِي قدمه وأخرنا، ثمَّ ذكر بعد ذَلِك كلَاما طَويلا تَرَكْنَاهُ على عمد وَإِن كَانَ من حسن مَا ألفنا من هَذَا الْكتاب.
فَأَما أَصْحَاب الْأَخْبَار والتاريخ فَذكرُوا أَن طَاهِرا لما مَاتَ بخراسان وثب الْجند بهَا فأنتبهوا بعض خزائنه وسلاحه ومتاعه فَقَامَ بأمرهم سَلام الابرش الْخصي وَأَعْطَاهُمْ رزق سِتَّة أشهر حَتَّى رَضوا وَسَكنُوا، وَأَن الْمَأْمُون ولي عبد اللَّهِ مَكَانَهُ وَكَانَ مُقيما بالرقة قد ولاه الْمَأْمُون إِيَّاهَا وَجمع لَهُ الشأم مَعهَا فَبعث إِلَيْهِ بعهده على خُرَاسَان، فضم إِلَيْهِ عمل أَبِيه فولى أَخَاهُ طَلْحَة خُرَاسَان وأستخلف بِمَدِينَة السَّلَام إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم وَذكروا أَن سعر الطَّعَام كَانَ فِي سنة سبع وَمِائَتَيْنِ بِبَغْدَاد، والكوفة، وَالْبَصْرَة غاليا وَأَن قفير الْحِنْطَة بالهاروني بلغ أَرْبَعِينَ درهما إِلَى الْخمسين بالقفيز الملجم.
وحَدثني الْقَاسِم بن سعيد الْكَاتِب قَالَ: لما توفّي طَاهِر بن الْحُسَيْن بخراسان وَعبد اللَّهِ بن طَاهِر فِي وَجه نصر بن شبث كتب الْمَأْمُون إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر يعزيه
[ ٧٥ ]
قَالَ: وَكتب إِلَيْهِ أَحْمد بن يُوسُف بن الْقَاسِم بن صبيح يعزيه عَن نَفسه أما بعد: فَإِنَّهُ قد حدث من أَمر الرزء الْعَظِيم بوفاة ذِي اليمينين مَا إِلَى اللَّهِ جلّ وَعز فِيهِ المفزع والمرجع وَفِيه عَلَيْهِ الْمُسْتَعَان وَإِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون إتباعا لأمر اللَّهِ، واعتصاما بِطَاعَتِهِ وتسليما لنازل قَضَائِهِ، ورجاء لما وعد الصابرين من صلواته وَرَحمته وهداه وَعند اللَّهِ نحتسب مُصِيبَتنَا بِهِ وَقد كَانَ سبق إِلَى الْقُلُوب عِنْد بداهة الْخَبَر من اللوعة واطلاع الفجيعة مَا كُنَّا نَخَاف أحباطه من الْأجر لَوْلَا مَا تدارك اللَّهِ بِهِ من الذّكر بِمَا وعد أهل الصَّبْر، فنسأل اللَّهِ أَن يذاب هَذِه الثلمة، ويسد هَذِه الْخلَّة بأمير الْمُؤمنِينَ أَولا، وَبِك ثَانِيًا وَأَن يعظم مثوبتك، وَيحسن عقباك، ويخلف بك ذُو اليمينين، ويعمر بك مَكَانَهُ من أَمِير الْمُؤمنِينَ وَمن كَافَّة الْمُسلمين، فَأَما مَا يحْتَاج إِلَيْهِ من التسلية والتعزية فَإنَّك فِي فضل رَأْيك، واتساع لبك فِي حَالَة الْعِزَّة والنماء لم تكن تَخْلُو من عوارض الذّكر، وخواطر الْفِكر فِيمَا تعرو بِهِ الايام من نوائبها وَيبْعَث بِهِ من حوادثها وَفِي هَذَا الْمَنّ وفْق لَهُ أعداد للنوازل، وتوطين الْأَنْفس على المكاره فَلَا يكون مَعَه هلع، وَلَا إفراط وَلَا جزع بِإِذن اللَّهِ مَعَ أَن مرد كل ذِي جزع إِلَى سلوة لاثبات عَلَيْهَا فَأولى بالراغب فِي ذَات اللَّهِ يبتهل إِلَى اللَّهِ مثوبته فِي أوانها من بعض الأسى، وفجأة النكبة، وَأولى بِذِي اللب إِذا علم مَا هُوَ لَا بُد صائر إِلَيْهِ أَلا يبعد مِنْهُ أبعادا يلْزمه التَّفَاوُت عِنْد التَّأَمُّل وَاخْتِلَاف الْحَالين فِي بعد الأمد بَينهمَا وَقد كنت أحب أَلا أقنع فِي تعزيتك برَسُول وَلَا كتاب دون الشخوص إِلَيْك بنفسي لَو امكنني الْمسير أجلالا للمصيبة، وتأنسا بقربك بعد الَّذِي دخلني من الوحشة، فقد عرفت مَا خصني من المرزئة بِذِي اليمينين لما كنت اتعرف من جميل رَأْيه، وعظيم بره حَاضرا وَمَا كَانَ يذكرنِي بِهِ غَائِبا ذكره اللَّهِ فِي الرفيق الاعلى وَأَنت وَارِث حَقه على إِلَى مَا كنت لَك عَلَيْهِ من صدق الْمَوَدَّة وخالص النَّصِيحَة وَإِلَى اللَّهِ جلّ وَعز أَرغب فِي تأدية شكره وَالْقِيَام بِمَا أوجبه لَك فَإِن رَأَيْت أَن تَأمر بِالْكتاب إِلَى بِمَا أبلاك اللَّهِ فِي نَفسك، وألهمك من العزاء وَالصَّبْر مَعَ مَا أَحْبَبْت وَبِذَلِك فعلت إِن شَاءَ اللَّهِ.
[ ٧٦ ]