قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر لما كَانَ سنة عشر وَمِائَتَيْنِ أَخذ إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة، وَمَالك ابْن شاهي وأصحابهم يَوْم السبت لست خلون من صفر وَأمر الْمَأْمُون بحبسهم. وَكَانَ مقتل ابْن عَائِشَة، وَمُحَمّد بن إِبْرَاهِيم الإفْرِيقِي وأصحابهم لَيْلَة الثُّلَاثَاء لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة بقيت من جمادي الْآخِرَة وصلبوا يَوْم الثُّلَاثَاء وصلب البغواري مَعَهم لليلة بقيت من رَجَب وَكَانَ سَبَب حَبسهم أَنهم كَانُوا يدعونَ إِلَى إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي.
قَالَ ابْن شبانة: أَقَامَ الْمَأْمُون إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فِي الشَّمْس ثَلَاثَة أَيَّام على بَاب الْمَأْمُون وضربه يَوْم الثُّلَاثَاء بالسياط، وحبسه فِي المطبق، وَضرب مَالك بن شاهي
[ ٩٧ ]
وَأَصْحَابه وَكَتَبُوا لِلْمَأْمُونِ تَسْمِيَة من دخل مَعَهم فِي هَذَا الامر من القواد وَغَيرهم فَلم يعرض لَهُم الْمَأْمُون، وَكَانُوا قد اتعدوا على أَن يقطعوا الجسر إِذا خرج الْجند يستقبلون نصر بن شبث فغمز بهم فَأخذُوا وَدخل نصر وَحده لم يستقبله أحد.
حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ بن عَمْرو الْبَلْخِي قَالَ: حَدثنِي يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق خَال الْفضل بن الرّبيع. قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن جرير مولى آل الْمسيب قَالَ: قَالَ عَيَّاش بن الْهَيْثَم: لما كَانَ لَيْلَة المطبق حضرت فِي وَاسِط من الْقَوْم فرآني الْمَأْمُون فَقَالَ: يَا بَائِع العساكر. يَا صديق عِيسَى ابْن أبي خَالِد تَأَخّر إِلَى السَّاعَة. مَا أملكهُ صدقه وقتلني اللَّهِ إِن لم أَقْتلك فأخفيت مِنْهُ. قَالَ: ثمَّ قلت إِن لم يرني فَذَاك أسْرع لذكره فظهرت لَهُ وَقد خرج من الطافات فَنظر إِلَيّ فَقَالَ: أدنه فدنوت فَقَالَ: من حلف على يَمِين فَرَأى غَيرهَا خيرا مِنْهَا فليأت الَّذِي هُوَ خير وليكفر وَالْكَفَّارَة أصلح من قَتلك وَلَا تعد.
قَالَ ابْن شبانة: وَفِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ قتل إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة وَمن كَانَ مَحْبُوسًا مَعَه وَفِيهِمْ رجل يُقَال لَهُ أَبُو مِسْمَار من شطار بَغْدَاد وَرجل آخر لم يسمه وَكَانَ السَّبَب فِي قَتلهمْ بعد حَبسهم أَن أهل المطبق رفع عَلَيْهِم أَنهم يُرِيدُونَ أَن يشغبوا. وَأَن ينقبوا السجْن، وَكَانُوا قبل ذَلِك بِيَوْم قد سدوا بَاب السجْن من دَاخل فَلم يدعوا أحدا يدْخل عَلَيْهِم فَلَمَّا كَانَ اللَّيْل وسمعوا شغبهم وأصواتهم وَبلغ أَمِير الْمُؤمنِينَ خبرهم ركب إِلَيْهِم ودعا بهؤلاء الْأَرْبَعَة فَضرب أَعْنَاقهم فَلَمَّا كَانَ بِالْغَدَاةِ صلبهم على الجسر الْأَسْفَل وَذَلِكَ فِيمَا ذكر مُحَمَّد بن الْهَيْثَم بن شَبابَة فِي لَيْلَة الْأَرْبَعَاء لأَرْبَع عشرَة لَيْلَة بقيت من جمادي الْآخِرَة، وَلما كَانَ من غَد يَوْم الْأَرْبَعَاء أنزل إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فَكفن وَصلى عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش، وَأنزل الإفْرِيقِي فَدفن فِي مَقَابِر الخيزران من الْجَانِب الشَّرْقِي وَترك الْبَاقُونَ على حَالهم.
وَقد ذكرُوا أَن ابْن عَائِشَة وَأَصْحَابه كَانُوا دسوا من أحرق سوق العطارين، والصيارفة، والصفارين، والفرائين وَأَصْحَاب الراه دَار وَبَعض الريابين وَذَلِكَ
[ ٩٨ ]
لَيْلَة السبت لليلة بقيت من جمادي الأولي. وَقبل ذَلِك أَو بعده مَا أحرقوا أَصْحَاب الْحَطب فِي البغيين وَقَالَ بَعضهم لَيْلَة الْجُمُعَة لأَرْبَع خلون من رَجَب وَقَالَ بَعضهم قبل ذَلِك.
وَقَالَ الْقَاسِم بن سعيد سَمِعت الْفضل بن مَرْوَان يَقُول: كَانَ أَبُو إِسْحَاق المعتصم بِاللَّه فِي اللَّيْلَة الَّتِي ركب الْمَأْمُون فِيهَا لقتل ابْن عَائِشَة عليلا قَالَ: فَبعث الْمَأْمُون إِلَى أبي إِسْحَاق أبْعث إِلَى بكاتبك الْفضل وَليكن مَعَه جَمِيع قوادك وجندك فركبت أَنا وهم جَمِيعًا معي وَقلت لَيْسَ هُوَ إِلَى شَيْء أحْوج مِنْهُ إِلَى شمع وَكَانَ فِي خزانَة أبي إِسْحَاق يَوْمئِذٍ سبع مائَة شمعة فحملتها معي وَرفعت إِلَى كل وَاحِد من الرجالة عشرا يحملهَا ثمَّ دَخَلنَا الْمَدِينَة فَلم نصل إِلَى الْمَأْمُون من كَثْرَة النَّاس. فَقلت لَهُ: بَلغنِي أَن حميدا كَانَ أول من لحق بِهِ. فَقَالَ: لَا. وَجَاء إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم فَلم يصل من الزحام وَكَانَ شاربا يَعْنِي إِسْحَاق كَانَ يشرب عِنْده تِلْكَ اللَّيْلَة عُمَيْر الباذغيسى، وَكَانَ الْمَأْمُون أَيْضا شاربا وَلم يكن بالممتلئ. قَالَ: فوقفت فِي طَرِيقه فِي الْمَدِينَة فَلَمَّا انْصَرف بعد أَن قتل ابْن عَائِشَة فَبلغ إِلَى موضعي نزلت عَن دَابَّتي فَقَالَ: من هَذَا؟ قلت: الْفضل جعلني اللَّهِ فدَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ فَقَالَ: أركب مَعَك القواد والجند؟ قلت: نعم قَالَ: ومعك الشمع؟ قلت: نعم فَأمرت حِينَئِذٍ بعض من يقرب مني أَن يقف ثَلَاث مائَة رجل من الرجالة مَعَ كل وَاحِد مِنْهُم شمعة على بَاب خُرَاسَان فَفَعَلُوا. فَلَمَّا انْتهى إِلَيْهِم قَالَ: مَا هَذَا؟ قلت الشمع الَّذِي سَأَلَني عَنهُ أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: بَارك اللَّهِ عَلَيْك. قَالَ: ثمَّ قَالَ لي: خلف جَمِيع من مَعَك هَا هُنَا قَالَ: وَفِيهِمْ الأفشين وأشناس وَتقدم إِلَيْهِم أَن يقفوا يَعْنِي فِي الْمَدِينَة على ظُهُور دوابهم، ويفوقوا قسيهم فَإِن تحرّك شَيْء أَتَوا عَلَيْهِ. قَالَ: فَأَمَرتهمْ بذلك. ثمَّ قَالَ: أمض إِلَى أخي فأقراه السَّلَام وَقل لَهُ: قد قتل اللَّهِ عدوا لَك من حَاله وَأمره. وَمن قبل ذَلِك قد أَمرنِي بالْمقَام فِي الْمَدِينَة ثمَّ قَالَ: لهَذَا غَيْرك فَحِينَئِذٍ أَمرنِي أَن أخلف من معي هُنَاكَ مستعدين. قَالَ: ثمَّ بكر هُوَ على أبي إِسْحَاق فخبره الْخَبَر وَقَالَ لَهُ: قَامَ الْفضل بِمَا
[ ٩٩ ]
نحتاج إِلَيْهِ فَكَانَ أَبُو إِسْحَاق بعد ذَلِك لَا يخل خزائنه من خَمْسَة آلَاف شمعة عدَّة.
قَالَ: الْقَاسِم بن سعيد فَقلت للفضل بلغنَا أَن ابْن عَائِشَة شتم الْمَأْمُون فِي وجهة تِلْكَ اللَّيْلَة وَأَن ذَلِك دَعَاهُ إِلَى قَتله؟ فَقَالَ: لَا. وَلَا كلمة وَاحِدَة الْبَتَّةَ.
قَالَ: وَلما ركب الْمَأْمُون إِلَى المطبق فِي اللَّيْلَة الَّتِي قتل فِيهَا إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة، والإفريقي وَأَصْحَابه الْتفت فَإِذا هُوَ بِعَبْد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق فَقَالَ لَهُ: جَزَاك اللَّهِ خيرا فَأَنت وَالله للسار، والعار، وَالْخَيْر، وَالشَّر، والشدة، والرخاء لَا كالمنتفح الأعفاج الْكثير اللجاج لَا يمت بقديم حُرْمَة، وَلَا بِحَدِيث خدمَة أَكثر من كَانَ فِي الْفِتْنَة شاطرا وَفِي السَّلامَة مقامرا. قَالَ: وَإِذا عَيَّاش بن الْقَاسِم صَاحب الجسر قد طلع. فَقَالَ لَهُ: يَا ابْن اللخناء يحضر الْحَاكِم ضرب الْأَعْنَاق وَصَاحب الشرطة مَشْغُول بمجالسة الْفُسَّاق. قَالَ فارتج على عَيَّاش فَقَالَ الْمَأْمُون: هَذَا الَّذِي كُنَّا فِي ذكره آنِفا. قَالَ قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: شيخ قد ثقل عَن الْحَرَكَة قَالَ: لَا تقل هَذَا. فوَاللَّه لقد تغدى الْيَوْم مَعَ ابْن الْعَلَاء وَشرب مَعَه وناكه فَأَعْرض عبد الرَّحْمَن بن إِسْحَاق عَنهُ بِوَجْهِهِ وَقَالَ أَمِير الْمُؤمنِينَ أعلم برعاياه وَأَصْحَابه منا.
قَالَ: واستقبله الْجَعْفَرِي الملقب بكلب الْجنَّة وَمَعَهُ لِحَاف قد تترس بِهِ وعصا قد أَخذهَا من حطب الْبَقَّال فَقَالَ: مَا هَذَا؟ . فَقَالَ يَا سَيِّدي: لم يحضرني غير لِحَافِي فَجَعَلته مجنا، وعصا وَجدتهَا مَعَ حطب الْبَقَّال فأختلستها مِنْهُ فَقَالَ: لله أَبوك فقد جدت بِنَفْسِك، وأسرعت إِلَى إمامك وَأمر لَهُ بِعشْرين ألف دِرْهَم.
حَدثنِي يحيى بن الْحسن قَالَ: قَالَ ابْن مَسْعُود القَتَّات: لما قتل الْمَأْمُون ابْن عَائِشَة وَأَصْحَابه تمثل بِشعر مُسلم بن الْوَلِيد فَقَالَ:
(أَنا النَّار فِي أحجارها مستكنة فَإِن كنت مِمَّن يقْدَح النَّار فأقدح)
[ ١٠٠ ]