حَدثنِي أَحْمد بن هَارُون، عَن أبي يَعْقُوب مؤدب ولد أبي عباد قَالَ: بعث الْمَأْمُون إِلَى شكْلَة أم إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي عِنْد دُخُوله إِلَى بَغْدَاد وأختفاء إِبْرَاهِيم مِنْهُ يسْأَلهَا عَنهُ، ويهددها ويتوعدها إِن لم تدل على مَكَانَهُ فَبعثت إِلَى الْمَأْمُون: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أَنا أم من أمهاتك، فَإِن كَانَ ابْني عصى اللَّهِ جلّ وَعز فِيك فَلَا تعص اللَّهِ فِي فرق لَهَا الْمَأْمُون وَأمْسك عَنْهَا فَلم يطالبها بعد ذَلِك. وحَدثني: أَنه لما طَال حصر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وتنقله خَافَ أَن يظْهر عَلَيْهِ فَكتب إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ: ولى الثأر مُحكم فِي الْقصاص (وَالْعَفو أقرب للتقوى) وَمن تنَاوله الاغترار بِمَا مد لَهُ من أَسبَاب الرَّجَاء أمكن عَادِية الدَّهْر على نَفسه، وَقد جعلك اللَّهِ فَوق كل ذِي ذَنْب كَمَا جعل كل ذِي ذَنْب دُونك، فَإِن أخذت فبحقك، وَإِن عَفَوْت فبفضلك. قَالَ: فَوَقع الْمَأْمُون فِي حَاشِيَة رقعته: الْقُدْرَة تذْهب الحفيظة، والندم تَوْبَة /، وَبَينهمَا عَفْو اللَّهِ. وَهُوَ أَكثر مِمَّا يسئله.
وَأَخْبرنِي إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لِلْمَأْمُونِ لما دخل عَلَيْهِ بعد الظفر بِهِ: ذَنبي أعظم من أَن يُحِيط بِهِ عذر، وعفو أَمِير الْمُؤمنِينَ أجل من أَن يتعاظمه ذَنْب. فَقَالَ الْمَأْمُون: حَسبك. فَإنَّا إِن قتلناك فَللَّه. وَإِن عَفَوْنَا عَنْك فَللَّه.
قَالَ أَبُو حسان الزيَادي: كَانَ ظفر الْمَأْمُون بإبراهيم بن الْمهْدي فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ فِي لَيْلَة الْأَحَد لثلاث عشرَة لَيْلَة بقيت من شهر ربيع الآخر، وَكَانَ بعض
[ ١٠١ ]
الحراس أَخذه لَيْلًا وَهُوَ متنقب مَعَ امْرَأتَيْنِ فرفعه إِلَى الجسر فَرفع إِلَى دَار الْمَأْمُون من ليلته فَلَمَّا كَانَ غَدَاة الْأَحَد قعد فِي دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ لينْظر إِلَيْهِ بَنو هَاشم، والقواد، والجند، وصيروا المقنعة الَّتِي كَانَ متقنعا بهَا فِي عُنُقه، والملحفة الَّتِى كَانَ ملتحفا بهَا فِي صَدره ليراه النَّاس ويعلموا كَيفَ أَخذه فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْخَمِيس حوله أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى دَار احْمَد بن أبي خَالِد فحبسه عِنْده فَلم يزل فِي حَبسه إِلَى أَن خرج الْمَأْمُون إِلَى الْحسن بن سهل فِي عسكره وَبني ببوران بنت الْحسن فَأخْرج إِبْرَاهِيم مَعَه إِلَى الْمَدِينَة الَّتِي كَانَ الْحسن بناها بِفَم الصُّلْح. فَقَالَ قوم: إِن الْحسن كلمة فِيهِ فَأَطْلقهُ ورضى عَنهُ، وخلى سَبيله، وصيره عِنْد أَحْمد بن أبي خَالِد وصير مَعَه ابْن يحيى بن معَاذ، وخَالِد بن يزِيد بن مزِيد يَحْفَظُونَهُ إِلَّا أَنه موسع عَلَيْهِ عِنْده أمه وَعِيَاله ويركب إِلَى دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهَؤُلَاء مَعَه يَحْفَظُونَهُ.
وحَدثني الْحَارِث المنجم: أَن الْمَأْمُون كَانَ صير لبوران ثَلَاثَة حوائج لما دخل بهَا فَكَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي أَحدهَا فَرضِي عَنهُ وَأطْلقهُ. وَحدثنَا الْحَارِث: أَن إِبْرَاهِيم لما دخل على الْمَأْمُون قَالَ لَهُ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن رَأَيْت أَن تسمع عُذْري وَإِن كَانَ لَا عذر لي وَلَكِن الْإِقْرَار حجَّة لي فِي الْعَفو عني وَقد جردت الْإِقْرَار بالذنب فَقَالَ: قل. فَأَنْشد: -
(يَا خير من ذملت يَمَانِية بِهِ بعد الرَّسُول لآيس أَو طامع)
(وَأبر من عبد الْإِلَه على التقي عينا وأحكمه بِحَق صادع)
(عسل الفوارع مَا أَطَعْت فَإِن تهج فالصاب فِي جرع السمام الناقع)
(متيقظ حذر وَمَا يخْشَى العدا نَبهَان من وسنات ليل الهاجع)
(ملئت قُلُوب النَّاس مِنْهُ مَخَافَة ويبيت يكلؤهم بقلب خاشع)
(بِأبي وَأمي أفتدى وَبَينهمَا من كل معضلة وريب وَاقع)
[ ١٠٢ ]
(مَا أَلين الكنف الَّذِي بوأتني وطنا وآمن راية للراقع)
(للصالحات أَخا جعلت وللتقي وَأَبا رؤوفا للْفَقِير القانع)
(إِن الَّذِي قسم الْفَضَائِل حازها فِي صلب آدم للْإِمَام السَّابِع)
(جمع الْقُلُوب عَلَيْك جَامع أمرهَا وحوى ودادك كل أَمر جَامع)
(نَفسِي فداؤك إِذْ تضل معاذري وألوذ مِنْك بِفضل حلم وأسع)
(أملا لفضلك والفواضل جمة رفعت بناءك بِالْمحل اليافع)
(فبذلت أفضل مَا يضيق ببذله وسع النُّفُوس من الفعال البارع)
(وعفوت عَمَّن لم يكن عَن مثله عَفْو وَلم يشفع إِلَيْك بشافع)
(إِلَّا الْعُلُوّ عَن الْعقُوبَة بعد مَا ظَفرت يداك بمستكين خاضع)
(ورحمت أطفالا كأفراخ القطا وحنين والهة كقوس النازع)
(وعطفت آصرة على كَمَا وعى بعد أنهياض الْجِسْم عظم الظالع)
(اللَّهِ يعلم مَا أَقُول فَإِنَّهَا جهد الألية من حنيف رَاكِع)
(مَا إِن عصيتك والغواة تمدني أَسبَابهَا إِلَّا بنية طائع)
(والأفك منكدة اللِّسَان وَإِنَّمَا تهدي إِلَى قذع لروع السَّامع)
(قسما وَمَا أدلى لذاك بِحجَّة غير التضرع من مقرّ باخع)
(حَتَّى إِذا علقت حبائل شقوة تردى على حفر المهالك هائع)
(لم أدر أَن لمثل جُرْمِي غافرا فأقمت أرقب أَي حتف صارعي)
(رد الْحَيَاة على بعد ذهابها عَفْو الإِمَام الْقَادِر المتواضع)
(أحياك من ولأك أطول مُدَّة وَرمى عَدوك فِي الوتين بقاطع)
[ ١٠٣ ]
(كم من يَد لَك لَا تُحَدِّثنِي بهَا نَفسِي إِذا آلت إِلَى مطامعي)
(أسديتها عفوا إِلَى هنيئة فَشَكَرت مصطنعا لأكرم صانع)
(إِلَّا يَسِيرا عِنْدَمَا أوليتني وَهُوَ الْكثير لَدَى غير الضائع)
(إِن أَنْت جدت بِهِ على فَكُن لَهُ أَهلا وَإِن تمنع فَأكْرم مَانع)
قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أَقُول مَا قَالَ يُوسُف لإخوته ﴿لَا تَثْرِيب عَلَيْكُم الْيَوْم يغْفر اللَّهِ لكم وَهُوَ أرْحم الرَّاحِمِينَ﴾
قَالَ: وغنى إِبْرَاهِيم يَوْمًا والمأمون مصطبح صَوتا لَهُ فِي شعره:
(ذهبت من الدُّنْيَا وَقد ذهبت مني هوى الدَّهْر بِي عَنْهَا وَولى بهَا عني)
(فَإِن أبك نَفسِي أبك نفسا نفيسة وَإِن أحتسبها أحتسبها على ضنى)
قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون لما سَمعه: لَا وَالله لَا تذْهب نَفسك يَا إِبْرَاهِيم على يَد أَمِير الْمُؤمنِينَ فليفرخ روعك فَإِن اللَّهِ قد آمنك فِي هَذِه الزلة إِلَّا أَن تحدث بِشَاهِد عدل غير مُتَّهم حَدثا وأرجوا أَن لَا يكون مِنْك إِن شَاءَ اللَّهِ.
وَحدثنَا يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق، عَن أبي مُحَمَّد اليزيدي قَالَ: قَالَ إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي لما أَمر الْمَأْمُون برد ضيَاعه عَلَيْهِ قَالَ: وأنشده ذَلِك فِي مَجْلِسه: -
(الْبر بِي مِنْك وطا الْعذر عنْدك لي فِيمَا أتيت فَلم تعذل وَلم تلم)
(وَقَامَ علمك بِي فأحتج عنْدك لي مقَام شَاهد عدل غير مُتَّهم)
(رددت مَالِي وَلم تبخل على بِهِ وَقبل ردك مَالِي قد حقنت دمي)
(بَرِئت مِنْك وَمَا كافيتني بيد هما الحياتان من موت وَمن عدم)
[ ١٠٤ ]
وَقَالَ حَمَّاد بن إِسْحَاق، عَن أَبِيه قَالَ: أرسل إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي لما ظهر إِلَى وَصَارَ إِلَى منزله غير مرّة يسئلني أتيانه فَكنت أتثاقل عَنهُ مَخَافَة أَن يبلغ الْمَأْمُون أتياني إِيَّاه ثمَّ أَتَيْته فعاتبني على جفاى فأعتذرت بالمأمون فَقَالَ يَا هَذَا: إِن أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يَخْلُو من أَن يكون رَاضِيا عني فَهُوَ يحب أَن يسرني بك، أَو ساخطا على فَهُوَ لَا يكره أَن يعرني وَأَنت الْحَمد لله وَاقِف بَين هَاتين. قَالَ: فقطعني عَن جَوَابه وَبَلغت الْمَأْمُون فأستحسنها مِنْهُ
قَالَ إِسْحَاق اعتللت عِلّة فَأرْسل إِلَى إِبْرَاهِيم: إِنِّي أُرِيد أَن أعودك فَأرْسلت لَهُ: إِنِّي لم أصر إِلَى حد تحب أَن تراني فِيهِ. قَالَ: فغلظت عَلَيْهِ رسالتي وَكَانَ عِنْده مُحَمَّد ابْن وَاضح فَشَكَانِي إِلَيْهِ وَقَالَ: يرد على هَذَا المرد أحب أَن تَلقاهُ فَتَقول لَهُ: وَالله لَو خيرت أَن أجَاز بألفي ألف دِرْهَم أَو بعافيتك لاخترت عافيتك. فَأَتَانِي برسالته قَالَ: قلت لَهُ ابقاه اللَّهِ أَرْجُو أَن تكون صَادِقا وَذَاكَ أَنِّي إِن مت لم تَجِد مثلى تستشهده فبكذب لَك.
وَقَالَ: حَمَّاد عَن أَبِيه: دخلت يَوْمًا على الْمَأْمُون وَعِنْده أَبُو إِسْحَاق المعتصم، وَإِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَعَن يَمِين الْمَأْمُون تسع قينات، وَعَن يسَاره تسع قينات يغنين جَمِيعًا صَوتا وَاحِدًا. قَالَ: فَلَمَّا جَلَست، وأطمأننت، وأنست قَالَ الْمَأْمُون كَيفَ تسمع يَا أَبَا إِسْحَاق؟ . قلت: أسمع خطأ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون لإِبْرَاهِيم أَلا تسمع؟ قَالَ كذب يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَا هَا هُنَا وَحقّ أَمِير الْمُؤمنِينَ خطأ وَلكنه يُرِيد أَن يُوهم أَنه يحسن مَا لَا يُحسنهُ غَيره. قَالَ إِسْحَاق: فَقلت إِن أذن أَمِير الْمُؤمنِينَ أفهمته مَوضِع الْخَطَأ ويقربه. قَالَ: فَقَالَ الْمَأْمُون: قد أَذِنت لَك فأفعل. قَالَ: فَأَقْبَلت على إِبْرَاهِيم فَقلت لَهُ: أعلم أَنَّك لَا تفهمه هَكَذَا وَلَكِن أطرح عَنْك نصف الْعَمَل فلعلك أَن تفهم مَوضِع الْخَطَأ وَلَا أَرَاك. ثمَّ قلت للتسع اللواتي عَن يَمِين الْمَأْمُون: أمسكن عَن الْغناء. فأمسكن. فَقلت لأبراهيم تفهم الْآن فَإِن الْخَطَأ هَا هُنَا. فتفهم إِبْرَاهِيم فَقَالَ: مَا هَا هُنَا خطأ. قَالَ: فَقلت فَإِنِّي أرفع عَنْك أَكثر هَذَا الْعَمَل الْبَاقِي ثمَّ أمرت خمس جوَار مِنْهُنَّ فأمسكن
[ ١٠٥ ]