قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: حَدثُونِي عَن ثُمَامَة قَالَ: لما قتل الْفضل بن سهل بعث إِلَيّ الْمَأْمُون وَكنت لَا أنصرف من عِنْده إِلَّا أتوقعه فِي منزلي ثن يأتيني رَسُوله فِي جَوف اللَّيْل فآتيه وَكَانَ قد وهلني لمَكَان الْفضل بن سهل من الوزارة فَلَمَّا رَأَيْته قد ألح على فِي ذَلِك فتعاللت عَلَيْهِ. فَقَالَ لي: إِنَّمَا أردتك لكذا. وَكَذَا فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنِّي لَا أقوم بذلك، وَأَحْرَى أَن أضن بوضعي من أَمِير الْمُؤمنِينَ وحالي أَن تَزُول عِنْده فَإِنِّي لم أر أحدا تعرض للْخدمَة والوزارة إِلَّا لم يكن لتسلم حَاله وَلَا تدوم مَنْزِلَته. قَالَ لَهُ الْمَأْمُون ياثمامة: فأشر على بِرَجُل صَالح لما أُرِيد؟ فَقلت: أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول يقوم بِالْخدمَةِ إِلَى أَن يرتاد أَمِير الْمُؤمنِينَ أيده اللَّهِ للموضع من يصلح لَهُ على مَا فِيهِ من الأود واللدد. قَالَ: فَدَعَاهُ الْمَأْمُون فَأمره بِلُزُوم الْخدمَة فَلَمَّا تمكنت لَهُ الْخدمَة وَالْحُرْمَة تذمم الْمَأْمُون من تنحيته.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قَالَ عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الْكَاتِب: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لِأَحْمَد بن أبي خَالِد: إِنِّي كنت عزمت أَلا أستوزر أحدا بعد ذِي الرئاستين وَقد رَأَيْت أَن أستوزرك. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أجعَل بيني وَبَين الْغَايَة منزلَة يَتَأَمَّلهَا صديقي فيرجوها لي، وَلَا يَقُول عدوى قد بلغ الْغَايَة وَلَيْسَ إِلَّا الانحطاط. فأستحسن الْمَأْمُون ذَلِك مِنْهُ واستوزره.
وَقَالَ عَليّ بن مُحَمَّد: كَانَ أَحْمد بن أبي خَالِد كَاتب الْمَأْمُون شاميا مولى لبني عَامر بن لؤى وَأَبوهُ أَبُو خَالِد الْأَحول كَانَ كَاتبا لِعبيد اللَّهِ كَاتب الْمهْدي، وَكَانَ أَحْمد ابْن أبي خَالِد، وَابْن العمركي، وَأحمد بن يُوسُف أخوانا. فَكَانَ أَحْمد يأتيهما
[ ١١٨ ]
إِلَى طعامهما وَكَانَ يعجب بالعدسية حب أهل الشأم للعدس. قَالَ أَبُو الْحسن: وَكنت أَجْلِس فِي مجْلِس أبي بِبَغْدَاد إِلَى أَن يعود من ركُوبه وَكَانَ يَأْمُرنِي إِذا أَبْطَأَ فحضره أخوانه وطلبوا الطَّعَام أَن أخرج الطَّعَام إِلَيْهِم فَمَا كَانَ أحدا مِنْهُم يطْلب الطَّعَام إِلَّا أَحْمد بن أبي خَالِد فَإِنَّهُ كَانَ يَقُول لطباخ كَانَ لأبي تركي: أعندك العدسية؟ فَيَقُول: نعم. فيؤتي بهَا فيأ كل مِنْهَا أكل عشرَة وَيغسل يَده وينتظر أبي حَتَّى يَأْتِي فيأكل مَعَه كَأَنَّهُ لم يَأْكُل شَيْئا.
حَدثنِي مُحَمَّد بن عِيسَى. قَالَ: وَقَالَ أَبُو زيد. حَدثنِي أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول بخراسان فِيمَا كَانَ يُخْبِرنِي بِهِ عَن كرم الْمَأْمُون، وفضله، وأحتماله وَحسن معاشرته أَنه سمع الْمَأْمُون يَوْمًا وَعِنْده على بن هِشَام، وأخواه أَحْمد، وَالْحُسَيْن ذكر عَمْرو بن مسْعدَة فأستبطأه وَقَالَ: أيحسب عَمْرو أَنِّي لَا أعرف أخباره، وَمَا يجبى إِلَيْهِ، وَمَا يُعَامل بِهِ النَّاس بلَى وَالله ثمَّ بَعثه أَلا يسْقط على مِنْهُ شئ؟ ! ونهض وانصرفنا. فقصدت عمرا من سَاعَتِي فخبرته بِمَا جرى وأنسيت أَن أستعجله من حكايته عني فراح عَمْرو إِلَى الْمَأْمُون فَظن الْمَأْمُون أَنه لم يحضر إِلَّا لأمر مُهِمّ لموقعه من الرسائل، والمظالم، والوزارة فَأذن لَهُ، فخبرني عَمْرو أَنه لما دخل عَلَيْهِ وضع سَيْفه بَين يَدَيْهِ وَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أَنا عَائِذ بِاللَّه من سخطه، ثمَّ عَائِذ بك من سخطك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. أَنا أقل من أَن يشكوني أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى أحد، أَو يسر على ضغنا ببعثه بعض الْكَلَام على إِظْهَاره مَا يظْهر مِنْهُ: فَقَالَ لي: وَمَا ذَاك؟ فخبرته بِمَا بَلغنِي وَلم أسم لَهُ مخبري فَقَالَ لي: لم يكن الْأَمر كَمَا بلغك، وَإِنَّمَا كَانَت جملَة من تَفْصِيل كنت على أَن أخْبرك بِهِ وَإِنَّمَا أخرج مني مَا أخرج معنى تحار بناه وَلَيْسَ لَك عِنْدِي أَلا مَا تحب فليفرخ روعك، وليحسن ظَنك. فَأَعَدْت الْكَلَام فمازال يسكن مني، ويطيب من نَفسِي حَتَّى تحلل بعض مَا كَانَ فِي قلبِي، ثمَّ بَدَأَ فضمني إِلَى نَفسه وَقبلت يَده فَأَهوى ليعانقنى فشكرته وتبينت فِي وَجهه الْحيَاء والخجل مِمَّا تأدي إِلَى
[ ١١٩ ]
قَالَ أَحْمد: فَلَمَّا غَدَوْت على الْمَأْمُون قَالَ لي يَا أَحْمد: أما لمجلسي حزمة فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: وَهل الحزم إِلَّا لما فصل عَن مجلسك. قَالَ: مَا أَرَاكُم ترْضونَ بِهَذِهِ الْمُعَامَلَة فِيمَا بَيْنكُم قَالَ: قلت وأية مُعَاملَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ هَذَا كَلَام لَا أعرفهُ. قَالَ: بلَى. أما سَمِعت مَا كُنَّا فِيهِ أمس من ذكر عَمْرو ذهب بعض من حضر من بني هَاشم فخبره بِهِ فراح إِلَى عَمْرو مظْهرا مِنْهُ مَا وَجب عَلَيْهِ أَن يظهره فَدفعت مِنْهُ مَا أمكن دَفعه وَجعلت أعْتَذر إِلَيْهِ مِنْهُ بِعُذْر قد تبين فِي الخجل مِنْهُ وَكَيف يكون اعتذار إِنْسَان من كَلَام قد تكلم بِهِ إِلَّا كَذَلِك يتَبَيَّن فِي عَيْنَيْهِ، وشفتيه، وَوَجهه وَلَقَد أَعْطيته مَا كَانَ يقنع مني أقل مِنْهُ، وَمَا حداني عَلَيْهِ إِلَّا مَا دخلني من الخساسة وَإِنَّمَا كَانَ نطق بِهِ اللِّسَان عَن غير روية وَلَا أحتمال مَكْرُوه بِهِ. فَقلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أَنا خبرت عمرا بِهِ لَا أحد من ولد هَاشم: فَقَالَ: أَنْت؟ قلت أَنا. فَقَالَ: مَا حملك على مَا فعلت؟ فَقلت: الشُّكْر لَك، والنصح والمحبة لإن تتمّ نِعْمَتك على أوليائك وخدمك أَنا أعلم أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ يحب أَن يصلح لَهُ الْأَعْدَاء، والبعداء، فَكيف الْأَوْلِيَاء والقرباء وَلَا سِيمَا مثل عَمْرو فِي دنوه من الْخدمَة وموقعه من الْعَمَل، ومكانه من رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَطَالَ اللَّهِ بَقَاءَهُ فِيهِ سَمِعت أَمِير الْمُؤمنِينَ أنكر مِنْهُ شَيْئا فخبرته بِهِ ليصلحه، وَيقوم من نَفسه أودها لسَيِّده ومولاه ويتلافى مَا فرط مِنْهُ وَلَا يُفْسِدهُ مثله وَلَا يبطل العناء فِيهِ، وَإِنَّمَا كَانَ يكون مَا فعلت عَيْبا لَو أَشْعَث سرا فِيهِ قدح فِي السُّلْطَان أَو نقص تَدْبِير قد استتب فَأَما مثل هَذَا فَمَا حسبته يبلغ أَن يكون ذَنبا على. فَنظر إِلَى مَلِيًّا ثمَّ قَالَ: كَيفَ قلت؟ . فَأَعَدْت عَلَيْهِ. ثمَّ قَالَ: أعد فَأَعَدْت الثَّالِثَة. فَقَالَ: أَحْسَنت وَالله يَا أَحْمد لما خبرتني بِهِ أحب إِلَى من ألف ألف، وَألف ألف، ألف ألف وَعقد خِنْصره وبنصره وَالْوُسْطَى وَقَالَ: أما ألف ألف فلنفيك عني سوء الظَّن وَأطلق وسطاه، وَأما ألف ألف فلصدقك إيَّايَ عَن نَفسك وَأطلق البنصر. وَأما ألف ألف فلحسن جوابك وَأطلق الْخِنْصر وَأمر لي بِمَال.
[ ١٢٠ ]
قَالَ أَبُو عباد: لما ناقب الْمَأْمُون أَحْمد بن أبي خَالِد قَالَ: مَا أَظن أَن اللَّهِ خلق فِي الدُّنْيَا نفسا أنبل وَلَا أكْرم من نفس الْمَأْمُون: قلت. وَبِمَا ذَاك؟ قَالَ: كَانَ قد عرف نفس الرجل يَعْنِي أَحْمد بن أبي خَالِد وشرهه فَكَانَ إِذا وَجهه إِلَى رجل برسالة أَو فِي حَاجَة قَالَ: آيَته بِالْغَدَاةِ واخلع ثِيَابك وَاطْمَأَنَّ عِنْده فَإِن انصرفت وَقد قُمْت فَاكْتُبْ إِلَى بِجَوَاب مَا جِئْت بِهِ فِي رقْعَة وأدفعها إِلَى فتح يوصلها إِلَى.
وحَدثني بعض أَصْحَابنَا قَالَ: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لِأَحْمَد بن أبي خَالِد: أغد على باكرا لأخذ الْقَصَص الَّتِي عنْدك فَإِنَّهَا قد كثرت لنقطع أُمُور أَصْحَابهَا فقد طَال صبرهم على انتظارها فبكر وَقعد لَهُ الْمَأْمُون فَجعل يعرضهَا عَلَيْهِ ويوقع عَلَيْهَا إِلَى أَن مر بِقصَّة رجل من اليزيديين يُقَال لَهُ فلَان اليزيدي فصحف وَكَانَ جائعا فَقَالَ: الثريدي. فَضَحِك الْمَأْمُون وَقَالَ يَا غُلَام: ثريدة ضخمة لأبي الْعَبَّاس فَإِنَّهُ أصبح جائعا، فَخَجِلَ أَحْمد وَقَالَ: مَا أَنا بجائع يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَلَكِن صَاحب هَذِه الْقِصَّة أَحمَق وضع نسبته ثَلَاث نقط. قَالَ: دع هَذَا عَنْك فالجوع أضرّ بك حَتَّى ذكرت الثَّرِيد: فجاؤوه بصحفة عَظِيمَة كَثِيرَة الْعرَاق والودك، فأحتشم أَحْمد: فَقَالَ الْمَأْمُون: بحياتي عَلَيْك لما عدلت نَحْوهَا فَوضع الْقَصَص وَمَال إِلَى الثَّرِيد فَأكل حَتَّى انْتهى والمأمون ينظر إِلَيْهِ فَلَمَّا فرغ دَعَا بطست فَغسل يَده وَرجع إِلَى الْقَصَص فمرت بِهِ قصَّة فلَان الْحِمصِي فَقَالَ: فلَان الخبيصي. فَضَحِك الْمَأْمُون وَقَالَ يَا غُلَام: جَاما ضخما فِيهِ خبيص فَإِن غداء أبي الْعَبَّاس كَانَ مبتورا. فَخَجِلَ أَحْمد وَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ صَاحب هَذِه الْقِصَّة أَحمَق فتح الْمِيم فَصَارَت كَأَنَّهَا سنتَيْن. قَالَ دع عَنْك هَذَا فلولا حمقه وحمق صَاحبه لمت جوعا فجاؤوه بجام خبيص فَخَجِلَ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون بحياتي عَلَيْك إِلَّا ملت إِلَيْهَا فانحرف فانثنى عَلَيْهِ وَغسل يَده ثمَّ عَاد إِلَى الْقَصَص فَمَا أسقط حرفا حَتَّى أَنِّي على آخرهَا.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: وَلما انْصَرف دِينَار بن عبد اللَّهِ عَن الْجَبَل كَانَ الْمَأْمُون واجدا عَلَيْهِ فَأَقَامَ فِي الْمَدَائِن فِي حراقته حينا حَتَّى رضى عَنهُ. قَالَ:
[ ١٢١ ]
فَوجه إِلَيْهِ الْمَأْمُون أَحْمد بن أبي خَالِد وَقَالَ: قل لَهُ فعلت كَذَا، وصنعت كَذَا. واحفظ مَا يرجع إِلَيْك من جَوَابه. فَلَمَّا مضى أَحْمد قَالَ لياسر رجله وَكَانَ قد سمع الرسَالَة وَالْكَلَام الَّذِي حمله إِلَى دِينَار اتبعهُ فَأنْظر مَا يَقُول لدينار وَمَا يرد عَلَيْهِ وأعلمني مَا يصنع عِنْده فَإِنَّهُ إِن تغدى عِنْده رَجَعَ بِكُل مَا يحب دِينَار، وَإِن لم يطعمهُ رَجَعَ بِكُل مَا يكره. قَالَ: فَلَمَّا خرج علم وَكيل دِينَار أَنه يُريدهُ فَوجه رَسُولا إِلَى صَاحبه يُخبرهُ بمجيئه. فَقَالَ دِينَار لقهرمانه: إِن أَحْمد أشره من نفخ فِيهِ الرّوح فَانْظُر إِذا هُوَ خرج من المَاء فَقل لَهُ مَا الَّذِي يتَّخذ لَك حَتَّى تتغدى بِهِ فَلَمَّا خرج من الحراقة قَالَ لَهُ ذَلِك. قَالَ. فراريج كسكرية بِخبْز المَاء وَمَاء الرُّمَّان. قَالَ: فذبح لَهُ عشرُون فروجا وشواها وخبز خبز المَاء فِي أقل من سَاعَة ثمَّ جَاءَهُ فَقَالَ: قد تهَيَّأ طعامنا. قَالَ: وَيلك هَات فَإِنِّي أجوع من كلب. فَقرب إِلَيْهِ الطَّعَام فَأتى على الفراريج حَتَّى لم يدع إِلَّا عظما عَارِيا وَقرب إِلَيْهِ الْحَار والبارد والحلو والحامض فَمَا وضع بَين يَدَيْهِ شئ إِلَّا أثر فِيهِ فَلَمَّا انْتهى جَاءَهُ الطباخ بِخمْس سمكات على طبق يلوح لَهُ بهَا فصاح بالقهرمان يَا ابْن الخبيثة: كَانَ يَنْبَغِي أَن تقدم هَذَا قبل كل شئ فَقَالَ صدق وَالله وَلَكِن هاته فَأكل مِنْهُ أكل من لم يذقْ شَيْئا ثمَّ قَالَ لدينار يَقُول لَك أَمِير الْمُؤمنِينَ: قد حصلت لنا قبلك أَمْوَال مِنْهَا مَا هُوَ بخطك فِي الدِّيوَان، وَمِنْهَا مَا أَقرَرت بهَا على لِسَان كاتبك. قَالَ: فَقَالَ دِينَار: مَا لكم قبلي إِلَّا سَبْعَة آلَاف ألف مَا أعرف غَيرهَا. قَالَ: فاحمل هَذَا المَال الَّذِي لَا تنكره. قَالَ احمله فِي ثَلَاث نُجُوم قَالَ فاتفقنا على ذَلِك. قَالَ: فَلَمَّا تغدى وثقلت معدته هم بالانصراف فَقَالَ: أعد على الْجَواب قَالَ نعم: لكم عِنْدِي سِتَّة آلَاف ألف قَالَ يَاسر: إِنَّهَا سَبْعَة الآلف ألف وهدأ أَبُو الْعَبَّاس فَسَأَلَهُ قَالَ يَا أَبَا الْعَبَّاس: ألم تقل السَّاعَة لكم عِنْدِي سَبْعَة آلَاف ألف؟ قَالَ: مَا أحفظ مَا قَالَ وَلَكِن قل السَّاعَة يحفظ كلامك. قَالَ دِينَار مَا قلت إِلَّا سِتَّة آلَاف ألف فَانْصَرف أَحْمد وَسَبقه يَاسر فَدخل فَحكى لِلْمَأْمُونِ الْقِصَّة حرفا. حرفا. فَلَمَّا دخل أَحْمد أخبرهُ بِمَا قَالَ دِينَار حَتَّى انْتهى إِلَى جملَة المَال فَقَالَ: أقرّ بِخَمْسَة آلَاف ألف فَضَحِك الْمَأْمُون
[ ١٢٢ ]
وَقَالَ: ألف الف للغداء قد عرفنَا موضعهَا. فالألف الْألف الْأُخْرَى لماذا سَقَطت فَأخذ بِسِتَّة آلَاف ألف وَقَالَ: مَا رَأَيْت غداء قطّ بِأَلف ألف على رجل وَاحِد إِلَّا غداء دِينَار علينا. وَسمعت من يذكر أَنه ولى رجلا كورة عَظِيمَة الْقدر بخوان فالوذج أهداه إِلَيْهِ.
قَالَ: وحَدثني بعض أَصْحَابنَا ان جمَاعَة من أهل كورة الأهواز شكوا عَاملا كَانَ عَلَيْهِم فعزل وَصَارَ إِلَى مَدِينَة السَّلَام فتكلموا فِيهِ فأنهى خبرهم إِلَى الْمَأْمُون فأحضرهم وخصمهم وَأمر أَحْمد بن أبي خَالِد بِالنّظرِ فِي امورهم. فَقَالَ رجل من خصوم الْعَامِل يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: جعلني اللَّهِ فدَاك تقدم إِلَى أَحْمد ان لَا يقبل من هَذَا الْفَاجِر هَدِيَّة حَتَّى يقطع أمرنَا. فوَاللَّه لَئِن أكل من طَعَامه رغيفا، وَمن فالوذحة جَاما ليد حضن اللَّهِ حجتنا على يَدَيْهِ، وليبطلن حَقنا على يَدَيْهِ. فَقَالَ: أحضروا يَوْم الْأَرْبَعَاء حَتَّى انْظُر فِي أُمُوركُم بنفسي وَأجْرِي على ابْن أبي خَالِد فِي كل يَوْم ألف دِرْهَم لمائدته لِئَلَّا يشره إِلَى طَعَام أحد من بطانته.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: رفع إِلَى الْمَأْمُون فِي الْمَظَالِم أَن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يجرى على أَحْمد بن أبي خَالِد نزلا فَإِن فِيهِ جنسية من الْكلاب وَقَالَ: إِن الْكَلْب يحرس الْمنزل بالكسرة واللقمة، وَأحمد بن أبي خَالِد يقتل الْمَظْلُوم ويعين الظَّالِم بِأَكْلِهِ. قَالَ: فَأجرى عَلَيْهِ الْمَأْمُون ألف دِرْهَم فِي كل يَوْم لمائدته فَكَانَ مَعَ هَذَا يشره إِلَى طَعَام النَّاس وتمتد عينه إِلَى هَدِيَّة تَأتيه وَفِيه يَقُول دعبل: -
(شكرنا الْخَلِيفَة إجراءه على ابْن أبي خَالِد نزله)
(وكف أَذَاهُ عَن الْمُسلمين وصير فِي بَيته أكله)
(وَقد كَانَ يقسم أشغاله فصير فِي نَفسه شغله)
وَقَالَ أَيْضا يهجوه وَيذكر أَبَا عباد، وَعَمْرو بن مسْعدَة ويصف شراهة أَحْمد ابْن أبي خَالِد: -
[ ١٢٣ ]
(لَوْلَا تكون لكاتب لَك ربعه يقْضى الْحَوَائِج مستطيل الرَّأْس)
(لم تغد بالملبون عِنْد فطامه يَوْمًا وَلَا بمطجن القلقاس)
(أَو كَانَ مسْعدَة الْكَرِيم نجاره بَيت الْكِتَابَة فِي بني الْعَبَّاس)
(يَغْدُو على أضيافه مستطعما كَالْكَلْبِ يَأْكُل فِي بيُوت النَّاس)
قَالَ: وَكَانَ مَعَ هَذَا أسى اللِّقَاء، عَابس الْوَجْه يهر فِي وُجُوه الْخَاص وَالْعَام غير أَن فعله كَانَ أحسن من لِقَائِه، وَكَانَ من عرف أخلاقه، وصبر على مداراته نَفعه، وَعرضه، وأكسبه وَكَانَ يرْمى هُوَ وَالْفضل بن الرّبيع قبله، والحراني قبلهمَا بالأبنة كَمَا ذكر.
حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: وَقع بَين أَحْمد بن أبي خَالِد، وَمُحَمّد بن الْفضل بن سُلَيْمَان الطوسي كَلَام وَجَرت بَينهمَا مُنَازعَة بِحَضْرَة الْمَأْمُون، وَكَانَ ابْن الطوسي سليط اللِّسَان بذئ الْكَلَام. فَقَالَ وَالله يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لحدثني ذُو اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن أَنه استزاره وَأَنه نادمة قَالَ فَقَامَ لقَضَاء حَاجته وَأَبْطَأ على ذى اليمينين رُجُوعه فَذكر أَنه خرج فِي أَثَره فَإِذا بعض غلمانه على ظَهره وَهَذَا ذُو اليمينين بالحضرة مَا استشهدت مَيتا، وَلَا كذبت على غَائِب مُتَعَمدا. فَأمر الْمَأْمُون بإحضار ذِي اليمينين فَحَضَرَ فَسَأَلَهُ فَأنْكر ذَلِك انكارا ضَعِيفا وَلم يَدْفَعهُ دفعا قَوِيا. قَالَ: فأتضع عِنْد الْمَأْمُون بعد هَذِه. وتهيأ ان حمل يحيى بن أَكْثَم إِلَيْهِ من أَمْوَال الحشرية ثَلَاث مائَة ألف دِينَار وَهُوَ إِذْ ذَاك حَاكم أهل الْبَصْرَة وَقبل ذَلِك مَا وَصله الْحسن ابْن سهل وَقَالَ من حَاله ونبله وَمن فهمه وَمن صيانته نَفسه مَا حرك الْمَأْمُون على أجتبائه واختياره.
[ ١٢٤ ]