قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: ذكر أَصْحَاب التَّارِيخ أَن بِنَاء الْمَأْمُون بيوران بنت الْحسن كَانَ فِي شهر رَمَضَان من سنة عشر وَمِائَتَيْنِ وَأَنه لما مضى إِلَى فَم الصُّلْح إِلَى معسكر الْحسن بن سهل حمل مَعَه إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي، وَمر بالمصلبين الَّذين كَانُوا مَعَ إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فِي المطبق فَأمر بإنزالهم وَكَانُوا مصلبين على الجسر الْأَسْفَل، وَكَانَ أنزالهم فِي جمادي الأولى لَيْلَة الثُّلَاثَاء لأَرْبَع لَيَال بقيت مِنْهُ. وَلما كَانَ من غَد
[ ١١٣ ]
يَوْم الْأَرْبَعَاء أَمر بإنزال إِبْرَاهِيم بن عَائِشَة فَكفن وَصلى عَلَيْهِ وَدفن فِي مَقَابِر قُرَيْش كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي خبر ابْن عَائِشَة آنِفا.
حَدثنِي الْحَارِث بن نصر المنجم وَكَانَ من أَصْحَاب الْحسن بن سهل قَالَ: لما زار الْمَأْمُون الْحسن بن سهل للْبِنَاء ببوران ركب من بَغْدَاد زورقا حَتَّى أرقى على بَاب الْحسن بن سهل وَكَانَ الْعَبَّاس بن الْمَأْمُون قد تقدم على الظّهْر فَتَلقاهُ الْحسن خَارج عسكره فِي مَوضِع كَانَ أَتَّخِذ لَهُ على شاطيء دجلة بنى لَهُ فِيهِ جوسق قَالَ فَلَمَّا عاينه الْعَبَّاس ثنى رجله لينزل فَحلف عَلَيْهِ أَلا يفعل. فَلَمَّا ساواه ثنى رجله الْحسن ليزل فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاس: بِحَق أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا تنزل فأعتنقه الْحسن وَهُوَ رَاكب ثمَّ أَمر أَن يقدم إِلَيْهِ دَابَّته ودخلا جَمِيعًا إِلَى منزل الْحسن ووافي الْمَأْمُون فِي وَقت الْعشَاء وَذَلِكَ فِي شهر رَمَضَان من سنة عشر وَمِائَتَيْنِ فَأفْطر هُوَ وَالْحسن وَالْعَبَّاس ودينار ابْن عبد اللَّهِ قَائِم على رجله حَتَّى فرغوا من الأفطار وغسلوا أَيْديهم فَدَعَا الْمَأْمُون بشراب فَأتي بجام ذهب فصب فِيهِ وَشرب. فَمد يَده بجام فِيهِ شراب إِلَى الْحسن فتباطأ عَنهُ الْحسن لِأَنَّهُ لم يكن يشرب قبل ذَلِك فغمز دِينَار بن عبد اللَّهِ الْحسن فَقَالَ الْحسن يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أشربه بإذنك وأمرك؟ فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: لَوْلَا أَمْرِي لم أمدد يَدي إِلَيْك. فَأخذ الْجَام فشربه فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّانِيَة جمع بَين مُحَمَّد بن الْحسن ابْن سهل والعباسة بنت الْفضل ذِي الرياستين فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَة الثَّالِثَة دخل على بوران وَعِنْدهَا حمدونة، وَأم جَعْفَر، وَجدتهَا. فَلَمَّا جلس الْمَأْمُون مَعهَا نثرت عَلَيْهَا جدَّتهَا ألف درة كَانَت فِي صينية ذهب فَأمر الْمَأْمُون أَن تجمع وسألها عَن عدد الدّرّ كم هُوَ؟ فَقَالَت: ألف حَبَّة. فَأمر بعْدهَا فنقصت عشرَة فَقَالَ: من أَخذهَا مِنْكُم ردوهَا. فَقَالُوا حُسَيْن زجلة فَأمر بردهَا. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِنَّمَا نثر لنأخذه. قَالَ: ردهَا. فَإِنِّي أخلفها عَلَيْك فَردهَا وَجمع الْمَأْمُون ذَلِك الدّرّ فِي الْآنِية وَوضع فِي حجرها وَقَالَ هَذِه نحلتك فأسلي حوائجك؟ فَأَمْسَكت. فَقَالَت لَهَا جدَّتهَا كلمي سيدك وأسألية حوائجك فقد أَمرك. فَسَأَلته الرضى عَن إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي. فَقَالَ: قد
[ ١١٤ ]
فعلت، وَسَأَلته الْإِذْن لَام جَعْفَر فِي الْحَج فَإِذن لَهَا ولبستها أم جَعْفَر الْبَدنَة الأموية وابتني بهَا فِي ليلته، وأوقد فِي تِلْكَ اللَّيْلَة شمعة عنبر فِيهَا أَرْبَعُونَ منا فِي تور ذهب فَأنْكر الْمَأْمُون ذَلِك عَلَيْهِم. وَقَالَ: هَذَا سرف. فَلَمَّا كَانَ من غَد دَعَا بإبراهيم بن الْمهْدي فجَاء يمشي من شاطئ دجلة عَلَيْهِ مبطنة ملحم وَهُوَ متعمم بعمامة حَتَّى دخل فَلَمَّا رفع السّتْر عَن الْمَأْمُون رمى بِنَفسِهِ فصاح الْمَأْمُون يَا عَم: لَا بَأْس عَلَيْك. فَدخل فَسلم عَلَيْهِ تَسْلِيم الْخلَافَة وَقبل يَده وأنشده شعرًا ودعا بِالْخلْعِ فَخلع عَلَيْهِ خلعة ثَانِيَة ودعا لَهُ بمركب وقلده سَيْفا وَخرج فَسلم على النَّاس ورد إِلَى مَوْضِعه.
قَالَ الْحَارِث: وَأقَام الْمَأْمُون سَبْعَة عشر يَوْمًا يعد لَهُ فِي كل يَوْم وَلِجَمِيعِ من مَعَه مَا يحْتَاج إِلَيْهِ. قَالَ: وخلع الْحسن بن سهل على القواد على مَرَاتِبهمْ وَحَملهمْ ووصلهم وَكَانَ مبلغ النَّفَقَة عَلَيْهِ خمسين ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: وَأمر الْمَأْمُون غَسَّان ابْن عباد عِنْد منصرفة أَن يدْفع إِلَى الْحسن عشرَة آلَاف ألف من مَال فَارس وأقطعه الصُّلْح فَحملت إِلَيْهِ على الْمَكَان وَكَانَت معدة عِنْد غَسَّان بن عباد. قَالَ: فَجَلَسَ الْحسن ففرقها فِي قواده، وَأَصْحَابه، وحشمه، وخدمة. قَالَ: وَلما انْصَرف الْمَأْمُون شيعه الْحسن ثمَّ رَجَعَ إِلَى فَم الصُّلْح.
فَحَدثني الْفضل بن جَعْفَر بن الْفضل. قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن الْحسن بن سهل. قَالَ: كَانَ أهلنا يتحدثون أَن الْحسن بن سهل كتب رِقَاعًا فِيهَا أَسمَاء ضيَاعه ونثرها على القواد وعَلى بني هَاشم فَمن وَقعت فِي يَده رقْعَة مِنْهَا فِيهَا اسْم الضَّيْعَة بعث فتسلمها.
وَقَالَ أَبُو الْحسن عَليّ بن الْحُسَيْن بن عبد الْأَعْلَى الْكَاتِب. قَالَ: حَدثنِي الْحسن ابْن سهل يَوْمًا بأَشْيَاء كَانَت فِي أم جَعْفَر وَوصف رجاحة عقلهَا وفهمها ثمَّ قَالَ: سَأَلَهَا يَوْمًا الْمَأْمُون بِفَم الصُّلْح حَيْثُ خرج للْبِنَاء على بوران، وَسَأَلَ حمدونة بنت غضيض عَن مِقْدَار مَا أنفقت فِي ذَلِك الْأَمر. فَقَالَت حمدونة: أنْفق خَمْسَة وَعشْرين ألف ألف. قَالَ: فَقَالَت أم جَعْفَر مَا صنعت شَيْئا قد أنْفق مَا بَين خَمْسَة وَثَلَاثِينَ
[ ١١٥ ]
ألف ألف إِلَى سَبْعَة وَثَلَاثِينَ ألف ألف دِرْهَم. قَالَ: وأعددنا لَهُ شمعتين عنبر. قَالَ: فَدخل بهَا لَيْلًا فأوقدتا بَين يَدَيْهِ فَكثر دخانهما. فَقَالَ: أرفعوهما فقد آذَانا الدُّخان وهاتوا الشمع. قَالَ: ونحلتها أم جَعْفَر فِي ذَلِك الْيَوْم الصُّلْح. قَالَ: فَكَانَ سَبَب عود الصُّلْح إِلَى ملكي وَكَانَت قبل ذَلِك لي فَدخل على يَوْمًا حميد الطوسي فأقرأني أَرْبَعَة أَبْيَات أمتدح بهَا ذَا الرئاستين فَقلت لَهُ: ننفذها لَك إِلَى ذِي الرئاستين وأقطعك الصُّلْح فِي العاجل إِلَى أَن تَأتي مكافاتك من قبله فأقطعته إِيَّاهَا، ثمَّ ردهَا الْمَأْمُون على أم جَعْفَر فنحلتها بوران.
وحَدثني عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ: كَانَ الْحسن بن سهل لَا يرفع الستور عَنهُ وَلَا يرفع الشمع من بَين يَدَيْهِ حَتَّى تطلع الشَّمْس ويتبينها إِذا نظر إِلَيْهَا، وَكَانَ متطيرا يحب أَن يُقَال لَهُ إِذا دخل عَلَيْهِ أنصرفنا من فَرح وسرور وَيكرهُ أَن يذكر لَهُ جَنَازَة أَو موت أحد. قَالَ: وَدخلت عَلَيْهِ يَوْمًا فَقَالَ لَهُ قَائِل: إِن على بن الْحُسَيْن أَدخل ابْنه الْحسن الْيَوْم الْكتاب قَالَ: فَدَعَا لى وانصرفت فَوجدت فِي منزلي عشْرين ألف دِرْهَم هبة لِلْحسنِ وكتابا بِعشْرين ألف دِرْهَم، قَالَ: وَكَانَ قد وهب لي من أرضه بِالْبَصْرَةِ مَا قوم بِخَمْسِينَ ألف دِينَار فَقَبضهُ عني بغا الْكَبِير وأضافة إِلَى أرضه
وَقَالَ أَبُو حسان الزيَادي لما صَار الْمَأْمُون إِلَى الْحسن بن سهل أَقَامَ عِنْده أَيَّامًا بعد الْبناء ببوران وَكَانَ مقَامه فِي مسيره وذهابه، ورجوعه أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَدخل بَغْدَاد يَوْم الْخَمِيس لإحدى عشرَة لَيْلَة بقيت من شَوَّال. وَقَالَ مُحَمَّد بن مُوسَى الْخَوَارِزْمِيّ: خرج الْمَأْمُون نَحْو الْحسن بن سهل إِلَى فَم الصُّلْح لثمان خلون من شهر رَمَضَان وَدخل الْمَأْمُون من فَم الصُّلْح لتسْع بَقينَ من شَوَّال سنة عشر وَمِائَتَيْنِ
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر وَلما صَار الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد رُجُوعه من عِنْد الْحسن وَجه مُحَمَّد بن حميد الطوسي إِلَى مَكَّة ليقف مَعَ الإِمَام فِي الْموقف كَرَاهَة للتحلل فِيهِ فَتوجه إِلَى مَكَّة وَنفذ لما أَمر بِهِ وَلم يكن شَيْء كرهه وَرجع بالسلامة. وَكَانَ الَّذِي أَقَامَ الْحَج للنَّاس فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ صَالح بن الْعَبَّاس بن مُحَمَّد بن عَليّ
[ ١١٦ ]
ابْن عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس فَكَانَ واليا على مَكَّة فَكتب إِلَيْهِ مُحَمَّد بن حميد أَن يُقيم الْحَج للنَّاس.
خبرني مُحَمَّد بن الْحُسَيْن الوَاسِطِيّ قَالَ: كَانَ الْحسن بن سهل وَالْفضل قبله لَا ينزلان من الْمنَازل إِلَّا أَطْرَاف الْبلدَانِ فَقيل لِلْحسنِ بن سهل فِي ذَلِك فَقَالَ: الْأَطْرَاف منَازِل الاشراف يتناولن مَا يُرِيدُونَ بِالْقُدْرَةِ، ويتنالون مَا يُرِيدُونَ بِالْحَاجةِ. قَالَ أَبُو الْحسن على بن الْحُسَيْن الْكَاتِب قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن سهل. قَالَ: كَانَت ليحيى بن خَالِد جَارِيَة فِي آخر أَيَّامه فَولدت لَهُ ابْنا قبل الْحَادِثَة عَلَيْهِ بأيام قَالَ: فَكتبت إِلَيْهِ وَهُوَ فِي الْحَبْس: إِن أُمَّهَات أولادك وأولادك قد صَارُوا فِي أَيَّام دولتك إِلَى طرف من نِعْمَتك، وَإِنَّهَا وأبنها ضائعان مَا أدخرت لَهَا وَلَا لَهُ شَيْئا. قَالَ: فَوَقع فِي كتابها قد أدخرت لَك الفل بن سهل. قَالَ: فَإِنِّي لجالس يَوْمًا بَين يَدي ذِي الرئاستين إذورد عَلَيْهِ كتاب فقرأه وَبكى ثمَّ رمى بِهِ إِلَى فَقَالَ: أتعرف هَذَا الْخط يَا أَبَا مُحَمَّد؟ قلت: نعم. هَذَا خطّ أبي على يحيى بن خَالِد وَإِذا الْجَارِيَة قد انفذت توقيعه إِلَيْهِ بِعَينهَا. قَالَ: فَدَعَا بوكيله فَأمره بإحضاره مَا عِنْده من المَال، وَأَمرَنِي بإحضار مَا عِنْدِي قَالَ: فجمعنا مَا كَانَ فِي ملكنا فِي ذَلِك الْيَوْم فوجدناه ثَمَانِيَة عشر ألف دِينَارا أَكْثَرهَا لي وَحملهَا إِلَى الْجَارِيَة.
قَالَ على بن الْحُسَيْن: وَكنت أرى بَين يَدي الْحسن بن سهل ترسا فِيهِ كتبه فسالته عَن ذَلِك فَقَالَ: متعت بك. فتحنا كنابذ فأخذنا مرقد ملكهَا فَوَجَدنَا كل مَا فِيهِ من مخدة ووسادة وَغير ذَلِك بمقبض يُرِيد أَنه إِن ورد عَلَيْهِ فِي فرَاشه شَيْء يحْتَاج فِي التستر مِنْهُ كَانَ كلما يمد يَده إِلَيْهِ ترسا لَهُ فَجعلنَا مَكَان ذَلِك هَذَا الترس الَّذِي ترَاهُ فَفِيهِ كتبنَا وَمَا بَين أَيْدِينَا. وَإِن أحتجنا إِلَيْهِ استعملناه.
قَالَ: وحَدثني الْعَبَّاس بن مَيْمُون بن طائع. قَالَ: حَدثنِي عَليّ بن إِسْمَاعِيل بن متمم قَالَ: قلت لِلْحسنِ بن سهل: أصلحك اللَّهِ أَنْت الرجل الَّذِي يستأكل بِعِلْمِهِ فَأَخْبرُونِي عَن النُّجُوم إِذا رأيتموها أتقرطسون؟ فَقَالَ: لَا نرى الشَّيْء فنستعظمه
[ ١١٧ ]
فنفسره فَيكون التَّفْسِير بالتكلف منا. فأكثرنا أصابة: أكثرنا تجربة لَا تسئل عَن هَذَا أحدا غَيْرِي.