قَالَ أَبُو حسان الزيَادي، والهاشمي، والخوارزمي وَجَمِيع أَصْحَاب التَّارِيخ كتب الْمَأْمُون إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما وَجه بنصر بن شبث إِلَى بَغْدَاد فِي سنة عشر وَمِائَتَيْنِ أَن يتَوَجَّه إِلَى مصر وَكَانَ بَينه وَبَين ابْن السرى خلاف وَمنعه من الدُّخُول فَكتب بذلك إِلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ وأعلمه مَا كَانَ مِنْهُ فَكتب إِلَيْهِ فِي محاربته إِن أمتنع فَلم يزل كَذَلِك حَتَّى طلب الْأمان.
فَحَدثني الْحَرَّانِي قَالَ: ذكر عَطاء صَاحب مظالم عبد اللَّهِ بن طَاهِر قَالَ: قَالَ رجل من أخوة أَمِير الْمُؤمنِينَ لِلْمَأْمُونِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن عبد اللَّهِ بن طَاهِر يمِيل إِلَى ولد أبي طَالب وَكَذَا كَانَ أَبوهُ وجده. قَالَ فَدفع الْمَأْمُون ذَلِك وَأنْكرهُ. ثمَّ عَاد بِمثل هَذَا القَوْل فَدس إِلَيْهِ الْمَأْمُون رجلا ثمَّ قَالَ لَهُ: امْضِ فِي هَيْئَة الْغُزَاة أَو النساك إِلَى مصر فَادع جمَاعَة من كبرائها إِلَى الْقَاسِم بن إِبْرَاهِيم بن طَبَاطَبَا وَاذْكُر مناقبه، وَعلمه، وفضائله، ثمَّ صر بعد ذَلِك إِلَى بعض بطانة عبد اللَّهِ بن طَاهِر، ثمَّ ائته فَأَدَعُهُ، ورغبه فِي استجابته لَهُ، وابحث عَن دَقِيق نِيَّته بحثا شافيا وأتني بِمَا تسمع مِنْهُ. قَالَ: فَفعل الرجل مَا قَالَ لَهُ وَأمره بِهِ حَتَّى إِذا دَعَا جمَاعَة من الرؤساء والأعلام قعد يَوْمًا بِبَاب عبد اللَّهِ وَقد ركب إِلَى عبيد اللَّهِ بن السّري بعد صلحه وَأَمَانَة فَلَمَّا انْصَرف قَامَ إِلَيْهِ الرجل فَأخْرج من كمه رقْعَة فَدَفعهَا إِلَيْهِ. قَالَ: فَأَخذهَا بِيَدِهِ. قَالَ: فَمَا هُوَ إِلَّا أَن دخل فَخرج الْحَاجِب إِلَيْهِ فَأدْخلهُ عَلَيْهِ وَهُوَ قَاعد على بِسَاط مَا بَينه وَبَين الأَرْض غَيره وَقد مد رجلَيْهِ وخفاه فيهمَا فَقَالَ لَهُ: قد فهمت مَا فِي رقعتك من جملَة كلامك فهات مَا عنْدك. قَالَ: ولى أمانك وَذمَّة اللَّهِ مَعَك؟ . قَالَ: لَك ذَلِك. قَالَ: فأظهر لَهُ مَا أَرَادَ وَدعَاهُ إِلَى الْقَاسِم وَأخْبرهُ بفضائله، وَعلمه، وزهده فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ أتنصفني؟ . قَالَ: نعم، قَالَ: هَل يجب شكر اللَّهِ على الْعباد؟ . قَالَ:
[ ٨١ ]
نعم. قَالَ: فَهَل يجب شكر بَعضهم لبَعض عِنْد الْإِحْسَان والْمنَّة، والتفضل؟ قَالَ نعم. قَالَ: فتجئ إِلَى وَأَنا فِي هَذِه الْحَال الَّتِي ترى لي خَاتم فِي الْمشرق جَائِز، وَفِي الْمغرب كَذَلِك وَفِيمَا بَينهمَا أَمْرِي مُطَاع، وَقَوْلِي مَقْبُول، ثمَّ مَا الْتفت يَمِيني وَلَا شمَالي وورائي، وقدامي إِلَّا رَأَيْت نعْمَة لرجل أنعمها على، وَمِنْه ختم بهَا رقبتي، ويدا لائحة بَيْضَاء ابتدأني بهَا تفضلا وكرما فتدعوني إِلَى الْكفْر بِهَذِهِ النِّعْمَة، وَهَذَا الْإِحْسَان وَتقول أغدر بِمن كَانَ أَولا لهَذَا واخرا، وَاسع فِي إِزَالَة خيط عُنُقه وَسَفك دَمه تراني لَو دعوتني إِلَى الْجنَّة عيَانًا من حَيْثُ أعلم أَكَانَ الله يحب أَن أغدر بِهِ، وأكفر إحسانه ومنته، وأنكث بيعَته . فَسكت الرجل. فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ: أما إِنَّه قد بَلغنِي أَمرك وتالله مَا أَخَاف عَلَيْك الا نَفسك فأرحل عَن هَذَا الْبَلَد فَإِن السُّلْطَان الْأَعْظَم إِن بلغه أَمرك وَمَا أَمن ذَلِك عَلَيْك كنت الْجَانِي على ظهرك وَظهر غَيْرك. قَالَ: فَلَمَّا أيس الرجل مِمَّا عِنْده جَاءَ إِلَى الْمَأْمُون فَأخْبرهُ الْخَبَر فَاسْتَبْشَرَ وَقَالَ: ذَاك غرس يَدي، وإلف أدبي. وترب تلقيحي وَلم يظْهر من ذَلِك لأحد شَيْئا ولأعلم بِهِ عبد اللَّهِ أَلا بعد موت الْمَأْمُون.
وَقَالَ بعض أَصْحَابنَا: قَالَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَهُوَ بِمصْر يحاصر لِعبيد اللَّهِ ابْن السّري:
(بكرت تسبل دمعا إِذْ رَأَتْ وَشك براحي)
(وتبدلت صقيلا ويمينا بوشاحي)
([وتماديت بسير لغدو ورواح])
(زعمت جهلا بإنى تَعب غير مراح)
(أقصري عني فإنى سالك قصد فلاحى)
(أَنا لِلْمَأْمُونِ عبد مِنْهُ فِي ظلّ جنَاح)
(إِن يعاف اللَّهِ يَوْمًا فقريب مستراحي)
[ ٨٢ ]
(أَو يكن هلك فَقولِي بعويل وصياح)
(حل فِي مصر قَتِيل ودعى عَنْك التلاحي)
وحَدثني أَحْمد بن مُحَمَّد الثوابي، عَن ابْن ذِي القلمين قَالَ: بعث عبيد اللَّهِ بن السرى إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما ورد مصر جمَاعَة صانعوه من دُخُولهَا بِأَلف وصيف ووصيفة، مَعَ كل وصيف ألف دِينَار فِي كيس حَرِير وَبعث بهم إِلَيْهِ لَيْلًا فَرد ذَلِك عبد اللَّهِ عَلَيْهِ وَكتب إِلَيْهِ: لَو قبلت هديتك لَيْلًا لقبلتها نَهَارا ﴿بل أَنْتُم بهديتكم تفرحون ارْجع إِلَيْهِم فلنأتينهم بِجُنُود لَا قبل لَهُم بهَا ولنخرجنهم مِنْهَا أَذِلَّة وهم صاغرون﴾ قَالَ: فَحِينَئِذٍ طلب الْأمان مِنْهُ وَخرج إِلَيْهِ.
قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: خرج عبيد اللَّهِ بن السّري إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر يَوْم الْخَمِيس لخمس بَقينَ من رَجَب سنة أحدى عشرَة وَمِائَتَيْنِ وَأدْخل عبد اللَّهِ ابْن السرى لسبع بَقينَ من رَجَب وَأنزل مَدِينَة أبي جَعْفَر الْمَنْصُور. قَالَ: وَأقَام عبد اللَّهِ بن طَاهِر بِمصْر واليا عَلَيْهَا وَسَائِر الشأم.
حَدثنِي طَاهِر بن خَالِد بن نزار الغساني قَالَ: كتب الْمَأْمُون إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَهُوَ بِمصْر حِين فتح مصر فِي أَسْفَل كتاب لَهُ: -
(أخي أَنْت ومولاي الَّذِي أشكر نعماه)
(فَمَا أَحْبَبْت من أَمر فَإِنِّي الْيَوْم أهواه)
(وَمَا تكره من شَيْء فَإِنِّي لست أرضاه)
(لَك اللَّهِ على ذَاك لَك اللَّهِ لَك اللَّهِ)
وحَدثني عبد اللَّهِ بن أَحْمد بن يُوسُف: إِن أَبَاهُ كتب إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر عِنْد خُرُوج عبيد اللَّهِ بن السّري يهنئه بذلك الْفَتْح عَلَيْهِ: بَلغنِي أعز اللَّهِ الْأَمِير
[ ٨٣ ]
مَا فتح اللَّهِ عَلَيْك، وَخُرُوج ابْن السّري إِلَيْك، فَالْحَمْد لله النَّاصِر لدينِهِ، الْمعز لوَلِيِّه وخليفته على عباده، المذل لمن عِنْد عَنهُ وَعَن حَقه؛ وَرغب فِي طَاعَته، ونسأل اللَّهِ أَن يظاهر لَهُ النعم، وَيفتح لَهُ بلدان الشّرك، وَالْحَمْد لله على مَا ولاك بِهِ مُنْذُ ظعنت لوجهك، فَإنَّا وَمن قبلنَا نتذكر سيرتك فِي حربك وسلمك، ونكثر التَّعَجُّب لما وفقت لَهُ من الشدَّة والليان ومواضعهما؛ وَلَا نعلم سائس جند، وَلَا رعية عدل بَينهم عدلك، وَلَا عَفا بعد الْقُدْرَة عَمَّن آسفه وأضغنه عفوك وَأَقل مَا رَأينَا ابْن شرف لم يلق بِيَدِهِ متكلا على مَا قدمت لَهُ أبوته وَمن أُوتِيَ حظا وكفاية وسلطانا وَولَايَة لم يخلد إِلَى مَا عَفا لَهُ حَتَّى يخل بمساماة مَا أُمَامَة، ثمَّ لَا نعلم سائسا اسْتحق النجح لحسن السِّيرَة، وكف معرة الِاتِّبَاع استحقاقك، وَمَا يستجيز أحد مِمَّن قبلنَا أَن يقدم عَلَيْك أحدا يهوى عِنْد الحاقة والنازلة المعضلة فليهنك هبة اللَّهِ ومزيده، وسوغك اللَّهِ هَذِه النعم الَّتِى حواها لَك بالمحافظة على مَا بِهِ تمت لَك من التَّمَسُّك بِحَبل إمامك ومولاك وَمولى جَمِيع الْمُسلمين، وملاك وأيانا الْعَيْش بِبَقَائِهِ،، وَأَنت تعلم أَنَّك لم تزل عندنَا وَعند من قبلنَا مكرما. مقدما، مُعظما، وَقد زادك اللَّهِ فِي أعين الْخَاصَّة والعامة جلالة وبجالة فأضحوا يرجونك لأَنْفُسِهِمْ، ويعدونك لأحداثهم ونوائبهم، وارجو أَن يوفقك اللَّهِ لمحابة، كَمَا وفْق لَك صنعه وتوفيقه، فقد أَحْسَنت جوَار النِّعْمَة فَلم تطغك، وَلم تَزْدَدْ أَلا تذللا وتواضعا فَالْحَمْد لله على مَا آتاك، وأبلاك، وأودع فِيك وَالسَّلَام.
قَالَ: وَكتب إِلَى عبد اللَّهِ طَاهِر الهدير بن صبح يستمنحه لشاعر مدحه: جعلت فدَاك أَيهَا الْأَمِير، وَمد اللَّهِ لَك فِي الْعُمر ممتعا بِالنعَم، مكفيا نَوَائِب الدَّهْر، أَنْت أَيهَا الْأَمِير سَمَاء تمطر، وبحر لَا يكدر، وغيث ممرع يحيا بِهِ المجدب، وَأَنت مُنْتَهى أبصار الْقَوْم، ومثنى أَعْنَاقهم. أَصبَحت لَهُم كالوالد تكرم زائرهم، وتصفد مادحهم وتصدر وأردهم وَقد انفرجت عَنهُ الضيقة، وأنزاحت عَنهُ الْكُرْبَة وَكَذَلِكَ كَانَ آباؤك للمتعلقين بهم، والموجهين رعيتهم نحوهم، وَإِن كنت قد تمهلت وسبقت
[ ٨٤ ]
سبقا بَينا، وَذَهَبت بِحَيْثُ لَا يشق أحد غبارك، وَلَا يجْرِي إِلَى غايتك، وَفتحت يدا مخلصة مندفعة بالنوال والإفضال على الْحَالين بساحتك، والمنتجعين خصب جنابك. وَأَنا أقدم عَلَيْك أَيهَا الْأَمِير فِي أَشْيَاء تشبه قدرك، وَأحب أَن تكون أَكثر زادك مِمَّا أفادك اللَّهِ صَنِيعَة تصنعها، ونعمة تشكرها وتحوز أجرهَا وَتصدق الظَّن فِيهَا، وَفُلَان فِي الصُّحْبَة من ذَوي البيوتات الَّتِي ترغب فِي الصَّنَائِع عِنْدهَا، والتوسط من الإداد الَّتِي توجب أحتمال من حملهَا، وَقد أهْدى إِلَى الْأَمِير شعرًا يتَوَصَّل بِهِ إِلَيْهِ، ويستهدي من فَضله وَكَرمه مَا أعلم أَنه يُعينهُ فِي مثله، وسألني أَن أكون سَبَب ذَلِك وفاتحة، وَأولى النَّاس بالاعتداد بِمَا ذكر والتطاول والابتهاج بِهِ رَهْط الْأَمِير الأدنون. وأسرته الأقربون الَّذين جعلهم اللَّهِ سهمهم الَّذِي بِهِ يقارعون وعزهم الَّذِي بِهِ يعتزون، وسندهم الَّذِي بِهِ يلجؤون، ومعقلهم الَّذِي بِهِ يؤون فراى الْأَمِير فِي هديته واستماعها مِنْهُ وَوَضعه بِحَيْثُ وَضعه أمله ورجاؤه.
قَالَ: فَدَعَا عبد اللَّهِ بن طَاهِر بالشاعر الَّذِي وَجهه إِلَيْهِ، وأستمع مِنْهُ، وَأحسن جائزته وَصَرفه إِلَيْهِ.
قَالَ عبد اللَّهِ بن عَمْرو: حَدثنَا أَبُو مُحَمَّد الْعَبَّاس بن عبد اللَّهِ بن أبي عِيسَى الترقفي قَالَ حَدثنِي: أَبُو النَّهْي. قَالَ: كنت حَاضرا لما جَاءَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر إِلَى مُحَمَّد بن يُوسُف الفاريابي مخرج عبد اللَّهِ إِلَى مصر؛ وَكَانَ مُحَمَّد بن يُوسُف بقيسارية وَبَينهَا وَبَين الطَّرِيق أَمْيَال وَعبد اللَّهِ فِي خيله وَرجله. قَالَ: فجَاء صَاحب لوائه حَتَّى وقف على الْبَاب ثمَّ جَاءَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر فَوقف وَخرج ابْن لمُحَمد بن يُوسُف فَسلم على عبد اللَّهِ فَقَالَ لَهُ: أردْت الشَّيْخ قَالَ: فَدخل وَمَعَهُ ختن لمُحَمد بن يُوسُف ورجلان سماهما قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: عبد اللَّهِ بن طَاهِر الْأَمِير بِالْبَابِ، وعظمنا أمره فَقَالَ: لَا أخرج إِلَيْهِ. قَالَ: فجهدنا بِهِ فَلم يفعل. قَالَ: فَقُلْنَا مَا نقُول لَهُ؟ قَالَ: فاضطجع ثمَّ قَالَ: قُولُوا لَهُ أَنه صَاحب فرَاش. فرجعنا إِلَيْهِ فَقُلْنَا: شيخ كَبِير صَاحب فرَاش. فَقَالَ: مَا جِئْنَا إِلَى هَا هُنَا إِلَّا وَنحن نُرِيد الدُّخُول عَلَيْهِ، فرجعنا إِلَيْهِ فَقُلْنَا لَهُ. فَقَالَ: مَا آذن لَهُ. فَلم نزل بِهِ فَإِنِّي أردْت أَن يَأْذَن لَهُ فَقُلْنَا: مَا نقُول لَهُ؟ فَقَالَ: قُولُوا صَاحب
[ ٨٥ ]
بَوْل. قَالَ: فصعر وَجهه ثمَّ قَالَ: نَحن فِي سوادنا أزهد من هَؤُلَاءِ فِي صوفهم ثمَّ مضى وَلم يلقه وَلَا عرض لَهُ.
حَدثنِي عبد اللَّهِ بن عَمْرو: قَالَ: حَدثنِي عبد اللَّهِ بن الْحَارِث بن الْحَارِث بن ملك ابْن رزين المرزوي الْعَدْوى التَّمِيمِي. قَالَ: أَخْبرنِي عَبْدَانِ بن كيلة بن عبد اللَّهِ بن عُثْمَان ابْن جبلة بن أبي رواد قَالَ: سَأَلَني عبد اللَّهِ بن طَاهِر عَن موت عبد اللَّهِ بن الْمُبَارك فَقلت لَهُ سنة إِحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَة. فَقَالَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر: مولدنا.
وَقَالَ حَدثنِي هَارُون بن عبد اللَّهِ بن مَيْمُون الْخُزَاعِيّ. قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن أبي شيخ من أهل الرقة. قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن يزِيد بن أَسد السّلمِيّ قَالَ: كنت مَعَ طَاهِر بن الْحُسَيْن بالرقة وَأَنا أحد قواده، وَكَانَت لى بِهِ خاصية أَجْلِس عَن يَمِينه فَخرج علينا يَوْمًا رَاكِبًا ومشينا بَين يَدَيْهِ وَهُوَ يتَمَثَّل: -
(عَلَيْكُم بداري فأهدموها فَإِنَّهَا تراث كريم لَا يخَاف العواقبا)
(إِذا هم ألْقى بَين عَيْنَيْهِ عزمه وَأعْرض عَن ذكر العواقب جانبا)
(سأدحض عني العاربا بِالسَّيْفِ جالبا على قَضَاء اللَّهِ مَا كَانَ جالبا)
فدار حول الرافقة ثمَّ رَجَعَ فَجَلَسَ فِي مَجْلِسه ثمَّ نظر فِي قصَص ورقاع فَوَقع فِيهَا صلات أحصيت ألف ألف وَسبع مائَة ألف فَلَمَّا فرغ نظر إِلَى مستطعما للْكَلَام فَقلت أصلح اللَّهِ الْأَمِير: مَا رَأَيْت أنبل من هَذَا الْمجْلس وَلَا أحسن فدعوت لَهُ ثمَّ قلت: لكنه سرف. فَقَالَ: السَّرف من الشّرف. فَأَرَدْت الْآيَة الَّتِي فِيهَا: ﴿إِذا أَنْفقُوا لم يُسْرِفُوا﴾ فَجئْت بِالْأُخْرَى: ﴿إِن اللَّهِ لَا يحب المسرفين﴾ فَقَالَ طَاهِر: صدق اللَّهِ وَمَا قُلْنَا كَمَا قُلْنَا، ثمَّ مَا ضرب الدَّهْر حَتَّى اجْتَمَعنَا مَعَ ابْنه عبد اللَّهِ ابْن طَاهِر فِي ذَلِك الْقصر بِعَيْنِه فَخرج علينا رَاكِبًا وَهُوَ يتَمَثَّل: -
[ ٨٦ ]
(يأيها المتمنى أَن يكون فَتى مثل ابْن ليلى لقد خلى لَك السبلا)
(أنظر ثَلَاث خلال قد جمعن لَهُ هَل سبّ من أحد أوسب أَو بخلا)
ثمَّ دَار حول الرافقة ثمَّ انْصَرف وَجلسَ مَجْلِسه وحضرنا وأحضرت رقاع وقصص فَجعل يُوقع فِيهَا وَأَنا أحصى فبلغت صلَاته إلفي ألف وَسبع مائَة ألف زِيَادَة ألف ألف على مَا وصل أَبوهُ ثمَّ ألتفت لي مستطعما لكلامي فدعوت لَهُ وَحسنت فعالة ثمَّ اتبعت ذَلِك بِأَن قلت لكنه سرف. فَقَالَ: السَّرف من الشّرف. السَّرف من الشّرف. كررها فَقلت: إِنِّي كنت أسقطت عِنْد ذِي اليمينين وحدثته الحَدِيث فَمَا زَالَ يضْحك.
حَدثنِي أَبُو الْحسن أَحْمد بن مُحَمَّد المهلبي قَالَ: حَدثنِي يحيى بن الْحسن بن عَليّ بن معَاذ بن مُسلم قَالَ: إِنِّي كنت بالرقة بَين يَدي مُحَمَّد بن طَاهِر بن الْحُسَيْن على بركَة إِذْ دَعَوْت بِغُلَام لي فكلمته بِالْفَارِسِيَّةِ فَدخل العتابي وَكَانَ حَاضرا فِي كلامنا فَتكلم معي بِالْفَارِسِيَّةِ. فَقلت لَهُ: أَبَا عَمْرو مَالك وَهَذِه الرطانة؟ . قَالَ: فَقَالَ لي: قدمت بلدكم هَذِه ثَلَاث قدمات وكتبت كتب الْعَجم الَّتِي فِي الخزانة بمرو، وَكَانَت الْكتب سَقَطت إِلَى مَا هُنَاكَ مَعَ يزدْ جرد فَهِيَ قَائِمَة إِلَى السَّاعَة. فَقَالَ: كتبت مِنْهَا حَاجَتي ثمَّ قدمت نيسابور وجزتها بِعشر فراسخ إِلَى قَرْيَة يُقَال لَهَا ذودر فَذكرت كتابا لم أقض حَاجَتي مِنْهُ فَرَجَعت إِلَى مرو فأقمت أشهرا. قَالَ: قلت أَبَا عَمْرو: لم كتبت كتب الْعَجم؟ فَقَالَ لي: وَهل الْمعَانِي إِلَّا فِي كتب الْعَجم والبلاغة. اللُّغَة لنا والمعاني لَهُم ثمَّ كَانَ يذاكرني ويحدثني بِالْفَارِسِيَّةِ كثيرا.
قَالَ: وحَدثني عبد الْغفار بن مُحَمَّد النَّسَائِيّ. قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن حَفْص بن عمر، عَن أبي السمراء قَالَ: خرجنَا مَعَ الْأَمِير عبد اللَّهِ بن طَاهِر متوجهين إِلَى مصر حَتَّى إِذا كُنَّا بَين الرملة ودمشق إِذا نَحن بأعرابي قد اعْترض فَإِذا شيخ فِيهِ بَقِيَّة على بعير لَهُ أَوْرَق فَسلم علينا. فَرددْنَا ﵇. قَالَ أَبُو السمراء: وَأَنا وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الرافقي، وَإِسْحَاق بن أبي ربعي وَنحن نساير الْأَمِير وَكُنَّا يؤمئذ أفره من الْأَمِير
[ ٨٧ ]
دَابَّة وأجود مِنْهُ كسْوَة قَالَ: فَجعل الْأَعرَابِي ينظر فِي وُجُوهنَا قَالَ فَقلت: يَا شيخ قد ألححت فِي النّظر أعرفت شَيْئا أم أنكرته؟ قَالَ: لَا وَالله مَا عرفتكم قبل يومي هَذَا، وَلَا أنكرتكم لسوء أرَاهُ بكم وَلَكِنِّي رجل حسن الفراسة فِي النَّاس جيد الْمعرفَة بهم. قَالَ: فأشرت إِلَى إِسْحَاق بن أبي ربعي فَقلت مَا تَقول فِي هَذَا؟ فَقَالَ: -
(أرى كَاتبا داهي الْكِتَابَة بَين عَلَيْهِ وتأديب الْعرَاق مُنِير)
(لَهُ حركات قد يشاهدن أَنه عليم بتقسيط الْخراج بَصِير)
قَالَ: وَنظر إِلَى إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم الرافقي فَقَالَ: -
(ومظهر نسك مَا عَلَيْهِ ضَمِيره يحب الْهَدَايَا بِالرِّجَالِ مكور)
(إخال بِهِ جبنا وبخلا وشيمة تخبر عَنهُ أَنه لوزير)
ثمَّ نظر إِلَيّ وَأَنْشَأَ يَقُول: -
(وَهَذَا نديم الْأَمِير ومؤنس يكون لَهُ بِالْقربِ مِنْهُ سرُور)
(إخَاله الْأَشْعَار وَالْعلم رَاوِيا فبعض نديم مرّة وسمير)
ثمَّ نظر إِلَى الْأَمِير فَأَنْشَأَ يَقُول: -
(وَهَذَا الْأَمِير المرتجى سيب كَفه فَمَا إِن لَهُ فِيمَن رَأَيْت نَظِير)
(عَلَيْهِ رِدَاء من جمال وهيبة وَوجه بِإِدْرَاك النجاح بشير)
(لقد عصم الْإِسْلَام مِنْهُ ندا يَد بِهِ عَاشَ مَعْرُوف وَمَات نَكِير)
(أَلا إِنَّمَا عبد الْإِلَه بن طَاهِر لنا وَالِد بر بِنَا وأمير)
قَالَ: فَوَقع ذَلِك أحسن موقع من عبد اللَّهِ وَأَعْجَبهُ مَا قَالَ الشَّيْخ فَأمر لَهُ بِخَمْسِمِائَة دِينَار وَأمره أَن يَصْحَبهُ.
قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن يحيى بن عبد الرَّحْمَن بن عُثْمَان بن سعد الفِهري. قَالَ: لَقينَا البطين الشَّاعِر الْحِمصِي وَنحن مَعَ عبد اللَّهِ بن طَاهِر فِيمَا بَين سَلمَة وحمص فَوقف
[ ٨٨ ]
على الطَّرِيق فَقَالَ لعبد اللَّهِ بن طَاهِر: -
(مرْحَبًا مرْحَبًا أَهلا وسهلا بِابْن ذِي الْجُود طَاهِر بن الْحُسَيْن)
(مرْحَبًا مرْحَبًا أَهلا وسهلا بِابْن ذِي الغرتين فِي الدعوتين)
(مرْحَبًا مرْحَبًا بِمن كَفه الْبَحْر إِذا فاض مُزْبِد الرجوين)
(مَا يُبَالِي الْمَأْمُون أيده اللَّهِ إِذا كنتما لَهُ باقيين)
(أَنْت غرب وَذَاكَ شَرق مُقيما أَي فتق أَتَى من الْجَانِبَيْنِ)
(وحقيق إِذْ كنتما فِي قديم لزريق وَمصْعَب وحسين)
أَن تنالا مَا نلتماه من الْمجد وَأَن تعلوا على الثقلَيْن)
قَالَ من أَنْت ثكلتك أمك؟ . قَالَ: أَنا البطين الشَّاعِر الْحِمصِي. قَالَ: أركب يَا غُلَام وَأنْظر كم بَيت قَالَ: قَالَ: سَبْعَة فَأمر لَهُ بسبعة آلَاف دِرْهَم. أَو سبع مائَة دِينَار ثمَّ لم يزل مَعَه حَتَّى دخلُوا مصر والاسكندرية حَتَّى انخسف بِهِ وبدايته مخرج فَمَاتَ فِيهِ بالاسكندرية.
حَدثنِي مَسْعُود بن عِيسَى بن إِسْمَاعِيل الْعَبْدي. قَالَ: أَخْبرنِي مُوسَى بن عبيد اللَّهِ التَّمِيمِي. قَالَ: وَفد إِلَى عبد اللَّهِ بن طَاهِر عدَّة من الشُّعَرَاء فَعلم أَنهم على بَابه فَقَالَ لِخَادِمِهِ وَكَانَ أديبا: أخرج إِلَى الْقَوْم فَقل لَهُم من كَانَ مِنْكُم يَقُول كَمَا قَالَ كُلْثُوم بن عَمْرو فِي الرشيد حَيْثُ يَقُول: -
(فت الممادح إِلَّا أَن ألسننا مستنطقات بِمَا تخفي الضمائير)
(مستنبط عَزمَات الْقلب من فكر مَا بَينهُنَّ وَبَين اللَّهِ معمور)
(مَاذَا عَسى مادح يثنى عَلَيْك وَقد ناداك فِي الْوَحْي تقديس وتطهير)
فَمن كَانَ مِنْكُم يَقُول مثل هَذَا وَإِلَّا فليرحل إِلَّا أَرْبَعَة. فَخرج إِلَيْهِم رَسُوله ثَانِيَة
[ ٨٩ ]
فَقَالَ: من يضف إِلَى هَذَا الْبَيْت على حُرُوف قافيته بَيْتا وَهُوَ: -
(لم يَصح للبين مِنْهُم صرد وغراب لَا وَلَكِن طيطوى)
فَقَالَ رجل من أهل الْموصل: -
(فأستقلوا بكرَة يقدمهم رجل يسكن حصني نينوي)
فَقَالَ للرسول: قل لَهُ لم تعْمل شَيْئا فَهَل عِنْده غَيره شَيْء فَقَالَ أَبُو السناء الْقَيْسِي: -
(ونبيطي طفا فِي لجه صَاح لما كظه التعطيط وى)
فصوبه وَأمر لَهُ بِخَمْسِينَ دِينَارا. قَالَ: وامتحن عبد اللَّهِ بن طَاهِر غير هَؤُلَاءِ من الشُّعَرَاء فَقَالَ: -
(قنبره تنقر فِي قَرْيَة وسط قراح لبنى منقر)
من كَانَ مِنْكُم يحيب بِبَيْت مثله فِيهِ خمس قافات وَخمْس راءات؟ فَقَالَ بعض الشُّعَرَاء: -
(قرت بِهِ منقر وأستأنست بقمري ينقر مَعَ قنبر)
فصوبه وَأَجَازَهُ.
حَدثنَا مُحَمَّد بن الْهَيْثَم بن عدي: قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن براق. أَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر أهْدى إِلَى الْمَأْمُون قينة وأمرها أَن تنشد شعرًا لعبد اللَّهِ فَلَمَّا جَلَست فِي مجْلِس الْمَأْمُون أنشأت تَقول كَمَا أمرهَا عبد اللَّهِ: -
(أغمدي سَيفي وَقَوْلِي جم ياسيف طَويلا)
(قد فتحت الشرق والغرب وَآمَنت السبيلا)
فَلَمَّا فرغت قَالَ لَهَا الْمَأْمُون لَا تقطعي صَوْتك وَقَوْلِي مَا أَقُول لَك: -
(بِنَا نلْت الَّذِي نلْت فدع عَنْك الفضولا)
(أَنْت لَوْلَا نَحن فِي الشكة لم تسو فتيلا)
[ ٩٠ ]
ثمَّ قَالَ: أرجعي إِلَيْهِ فأنشديه هَذَا فَإِن شَاءَ بعد فليردك.
قَالَ ابْن أبي طَاهِر اشْترى عبد اللَّهِ بن طَاهِر جَارِيَة المارقي بِخَمْسَة آلَاف دِينَار، وأهداها إِلَى الْمَأْمُون فَلَمَّا أدخلت عَلَيْهِ قَالَ لَهَا: غَنِي يَا جَارِيَة، فغنت وَهِي قَائِمَة. فَقَالَ لَهَا: لم غنيت وَأَنت قَائِمَة، وَمَا مَنعك من الْجُلُوس؟ فَقَالَت يَا سَيِّدي: أَمرتنِي أَن أغْنى وَلم تَأْمُرنِي أَن أَجْلِس فغنيت بِأَمْرك، وكرهت سوء الْأَدَب فِي الْجُلُوس بِغَيْر إذنك. فوهب لَهَا مَالا وَاسْتحْسن ذَلِك من فعلهَا.
وَذكر عَن أبي السمراء قَالَ: كنت يَوْمًا عِنْد أبي الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر ﵁ وَلَيْسَ فِي الْمجْلس غَيْرِي وَأَنا بِالْقربِ مِنْهُ وَدخل أَبُو الْحُسَيْن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم فأستدناه أَبُو الْعَبَّاس وناجاه شَيْء أعْتَمد إِسْحَاق على سَيْفه وأصغى لمناجاته وحولت وَجْهي وَأَنا ثَابت مَكَاني وطالت النَّجْوَى بَينهمَا وأعترتني حيرة فِيمَا بَين الْقعُود على مَا أَنا عَلَيْهِ أَو الْقيام وَانْقطع مَا كَانَا فِيهِ وَرجع إِسْحَاق إِلَى موقفه وَنظر إِلَى أَبُو الْعَبَّاس فَقَالَ يَا أَبَا السمراء: -
(إِذا النجيان دسا عَنْك أَمرهمَا فأرتج بسمعك تجْهَل مَا يَقُولَانِ)
(وَلَا تحملهما ثقلا بخوفهما بِهِ تناجيهما فِي الْمجْلس الداني)
قَالَ أَبُو السمراء فَمَا رَأَيْت أكْرم مِنْهُ، وَلَا أرْفق تأديبا ترك مطالبتي فِي هفوتي بِحَق الْأُمَرَاء وادبني أدب النظراء.
وَذكر عَن مُحَمَّد بن عِيسَى بن عبد الرَّحْمَن الْكَاتِب: أَنه حضر أَبَا الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر وَعِنْده شيخ من الْفرس فَقَالَ لَهُ الشَّيْخ فِي عرض كَلَام جرى من حكم الْفرس كلمتان أرويهما. فَقَالَ لَهُ أَبُو الْعَبَّاس وَمَا هما؟ قَالَ: كَانَت الْفرس تَقول لَا توحش الْحر فَإِن أوحشته فَلَا ترتبطه، وَكَانَت تَقول: أدابنك اللَّهِ تعْمل الشَّرّ فَإِنِّي إِذا رَأَيْتُك عَاملا بِهِ رَأَيْته وَاقعا بك.
[ ٩١ ]
حَدثنِي مُحَمَّد بن عِيسَى قَالَ: قَالَ لي أَبُو الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر: آفَة الشَّاعِر الْبُخْل قَالَ قلت: وَمَا مِقْدَار بِهِ يبخل الشَّاعِر أعز اللَّهِ الْأَمِير. قَالَ: يَقُول أحدهم من الشّعْر خمسين بَيْتا فيفسده بِبَيْت يبخل يطرحه.
حَدثنِي بعض آل طَاهِر أَن أَبَا الْعَبَّاس عبد اللَّهِ بن طَاهِر لما أَرَادَ الْخُرُوج إِلَى نَاحيَة الشأم لمحاربة نصر بن شبث سَأَلَهُ الْمَأْمُون عَمَّن يسْتَخْلف بِمَدِينَة السَّلَام. فَقَالَ: اسْتخْلف أعو اللَّهِ أَمِير الْمُؤمنِينَ اليقطيني فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون لَا تخرج هَذَا الْأَمر من أهلك. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: لَيْسَ فِي أَهلِي من يصلح لخدمة أَمِير الْمُؤمنِينَ: وأرتضيه لَهُ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: اسْتخْلف وَنحن نقومه لَك. فَلَمَّا لست أرتضيه، أَو كَمَا قَالَ. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: اسْتَخْلَفَهُ وَنحن نقومه لَك. فَلَمَّا انْصَرف عبد اللَّهِ من الشأم ووافي مَدِينَة السَّلَام قَالَ لَهُ الْمَأْمُون يَوْمًا يَا أَبَا الْعَبَّاس: كَيفَ رَأَيْت تقويمنا إِسْحَاق بعْدك.
قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا لأَصْحَابه: هَل تعرفُون رجلا برع بِنَفسِهِ حَتَّى مد أَهله، وبرز على جَمِيع أهل دهره فِي نزاهة نَفسه، وَحسن سيرته، وكرم حزبيته فَذكر قوم نَاسا فأطروهم. فَقَالَ: لم أرد هَؤُلَاءِ. فَقَالَ على بن صَالح صَاحب الْمصلى: مَا أعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ أحدا أكمل هَذِه الْخِصَال إِلَّا عمر بن الْخطاب ﵀. فَقَالَ الْمَأْمُون: اللَّهُمَّ غفرا لم نرد قُريْشًا وَلَا أخلافها. فَأمْسك الْقَوْم جَمِيعًا. فَقَالَ الْمَأْمُون: ذَاك عبد اللَّهِ بن طَاهِر وليته مصر وأموالها جمة فَعرض عَلَيْهِ عبيد اللَّهِ بن السرى من الْأَمْوَال مَا يقصر عَنهُ الْوَصْف كَثْرَة فَمَا تعرض لدينار مِنْهَا وَلَا دِرْهَم، وَمَا خرج عَن مصر إِلَّا بِعشْرَة آلَاف دِينَار وَثَلَاثَة أَفْرَاس وحمارين وَلكنه غرس يدى وخريج أدبي ولأنشدنكم أبياتا فِي صفته ثمَّ تمثل: -
(حَلِيم مَعَ التَّقْوَى شُجَاع مَعَ الجدا ندى حِين لَا يندى السَّحَاب سكوب)
(شَدِيد منَاط الْقلب فِي الْموقف الَّذِي بِهِ لقلوب الْعَالمين وجيب)
(ويجلو أمورا لَو تكلّف غَيره لمات خفاتا أَو يكَاد يذوب)
[ ٩٢ ]
(فَتى هُوَ من غير التخلق ماجد وَمن غير تَأْدِيب الرِّجَال أديب)
حَدثنِي بعض أَصْحَابنَا قَالَ: سَمِعت عبد اللَّهِ بن طَاهِر يعظ مَنْصُور بن طَلْحَة وينهاه عَن الْكَلَام فِي الْإِمَامَة يَقُول: إِنَّمَا نبت شعرنَا على رؤوسنا ببني الْعَبَّاس وَلَو كَانَ هَؤُلَاءِ الْقَوْم الَّذِي يعزى إِلَيْهِم هَذَا الْأَمر فِي مَكَان هَؤُلَاءِ لكَانَتْ الرَّحْمَة من النَّاس لَهُم لِأَن سَبِيل النَّاس على ذَلِك.