قَالَ أَحْمد بن أبي طَاهِر: قد ذكرنَا من خبر مُحَمَّد، والمأمون وَمَا كَانَ من اخْتِلَافهمَا وَالْحَرب بَينهمَا إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ من مقتل مُحَمَّد بن هَارُون، وَالْحَرب الَّتِي كَانَت بَين مُحَمَّد بن أبي خَالِد، وَعِيسَى بن مُحَمَّد، وَالْحسن بن سهل إِلَى مخرج أبي السَّرَايَا، وَذكر إِبْرَاهِيم ابْن الْمهْدي إِلَى آخر حربهم وانقضائها وَذَلِكَ فِي سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ.
وابتدأنا بِخَبَر شخوص الْمَأْمُون إِلَى بَغْدَاد من خرا سان وَمَا كَانَ من أخباره بِبَغْدَاد إِلَى وَقت شخوصه عَنْهَا ووفاته
ذكر جمَاعَة من الروَاة مِنْهُم: إِسْحَاق بن سُلَيْمَان الْهَاشِمِي، وَأَبُو حسان الزيَادي وَابْن شبانة الْمروزِي فِيمَا حملُوا من كتب التَّارِيخ وَاتَّفَقُوا جَمِيعًا عَلَيْهِ: إِن دُخُول الْمَأْمُون بَغْدَاد مُقَدّمَة من خُرَاسَان كَانَ فِي يَوْم السبت ارْتِفَاع النَّهَار لَا ربع عشرَة لَيْلَة بقيت من صفر سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ، وَكَانَ لِبَاسه ولباس أَصْحَابه جَمِيعًا أقبيتهم، وَقَلَانِسِهِمْ، وطراداتهم، وأعلامهم الخضرة.
قَالُوا: فَلَمَّا قدم نزل الرصافة، وَقد كَانَ قبل ذَلِك قدم إِلَى النهروان يَوْم السبت فَأَقَامَ بِهِ ثَمَانِيَة أَيَّام وَخرج إِلَيْهِ أهل بَيته، ووجوه أهل بَغْدَاد فَسَلمُوا عَلَيْهِ فَلَمَّا كَانَ يَوْم السبت الآخر دخل إِلَى بَغْدَاد، وَكَانَ قد كتب إِلَى طَاهِر بن الْحُسَيْن وَكَانَ بالرقة أَن يوافيه بالنهروان. فَقدم طَاهِر وَدخل عَلَيْهِ وَأمره أَن ينزل الخيزرانية هُوَ وأصحابة، ثمَّ أَنه تحول فَنزل قصره على شاطئ دجلة. وَأمر حميد بن عبد الحميد، وَعلي بن هِشَام وكل من كَانَ فِي عَسَاكِر هما أَن ينزلُوا فِي عسكره.
[ ٩ ]
قَالُوا جَمِيعًا: فَكَانُوا يَخْتَلِفُونَ إِلَى الْمَأْمُون فِي كل يَوْم مُسلمين ولباسهم الثِّيَاب الْخضر، وَلم يكن أحد يدْخل عَلَيْهِ إِلَّا فِي خضرَة، وَلبس ذَلِك أهل بَغْدَاد أَجْمَعُونَ؛ وَكَانُوا يخرقون كل شَيْء رَأَوْهُ من السوَاد على أحد إِلَّا القلانس فَإِن الْوَاحِد بعد الْوَاحِد كَانَ يلبسهَا متخوفا ووجلا. فَأَما قبَاء أَو علم فَلم يكن أحد يجترئ أَن يلبس شَيْئا من ذَلِك، وَلَا يحملهُ. فَمَكَثُوا بذلك ثَمَانِيَة أَيَّام، وَتكلم فِيهَا بَنو هَاشم من ولد الْعَبَّاس خَاصَّة وَقَالُوا لَهُ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ تركت لِبَاس أهل بَيْتك ودولتهم ولبست الخضرة.
قَالُوا وَكتب إِلَيْهِ فِي ذَلِك قواد أهل خُرَاسَان وَتكلم فِي ذَلِك دون النَّاس جَمِيعًا لما قدم طَاهِر بن الْحُسَيْن فأظهر لَهُ الْإِجَابَة وَلما يفعل، وَلما رأى طاعتهم لَهُ فِي لِبَاس الخضرة وكراهتهم لَهَا جلس يَوْم السبت وَعَلِيهِ ثِيَاب خضر، فَلَمَّا اجْتَمعُوا عِنْده دَعَا بسواد فلبسه، ودعا بخلعة سَواد فكساها طَاهِر بن الْحُسَيْن، وخلع على عدَّة من قواده أقبية وقلانس سُودًا. فَلَمَّا خَرجُوا من عِنْده وَعَلَيْهِم السوَاد طرح سَائِر القواد الخضرة ولبسوا السوَاد.
وَقد كَانَ الْجند كتبُوا إِلَى الْمَأْمُون كتبا، وطرحوا رِقَاعًا فِي الْمَسْجِد يسألونه أَرْزَاقهم، وَكَانَ قد وعدهم أَن يعطيهم أرزاق سِتَّة أشهر وَيُحَاسب كل من أعطَاهُ حميد بن عبد الحميد من الْجند طَعَاما على مَا أَخذ وَيدْفَع إِلَيْهِم تَمام رزق سِتَّة أشهر على خواصهم الْمَعْرُوفَة.
قَالُوا: فَأَعْطَاهُمْ ذَلِك يَوْم الْخَمِيس لسبع بَقينَ من صفر فَتَوَلّى أعطاء أهل الْجَانِب الغرب حميد، وَوَعدهمْ أَن يعطيهم رزق شَهْرَيْن لتَمام سِتَّة أشهر إِذا فرغ من إعطائهم هَذِه الْأَرْبَعَة الْأَشْهر فرضوا بذلك.
قَالَ يحيى بن الْحسن: لبس الْمَأْمُون الخضرة بعد دُخُوله بَغْدَاد تِسْعَة وَعشْرين يَوْمًا ثمَّ مزقت.
قَالُوا جَمِيعًا: وَلم يزل أَمِير الْمُؤمنِينَ مُقيما بِبَغْدَاد فِي الرصافة حَتَّى بني منَازِل على شط دجلة عِنْد قصره الأول وَفِي بُسْتَان مُوسَى فَأَقَامَ فِيهِ.
[ ١٠ ]
قَالُوا: وَلما كَانَ بعد دُخُول الْمَأْمُون بأيام وثب ابْن لإسحاق بن مُوسَى الْهَادِي يَوْم السبت لليلة بقيت من شهر ربيع الأول بِأَبِيهِ وَهُوَ الَّذِي كَانَ إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي ولي عَهده من بعده هُوَ وَخصي لِأَبِيهِ إِسْحَاق بن مُوسَى فوجياه بسكين حَتَّى قتلاه، فأخذا فَأتي بهما الْمَأْمُون فَأمر بقتل الْخصي فَأَخذه عبد اللَّهِ بن مُوسَى فَقتله وَحبس الابْن. فَقَالَ أَخُوهُ إِسْحَاق: لَا نرضي حَتَّى يقتل مَعَ الْخصي. فَأمر بقتْله فَأَخذه عبد اللَّهِ بن مُوسَى فَضرب عُنُقه. وَكَانَ قَتله لَهما يَوْم الْأَحَد لَا نسلاخ شهر ربيع الآخر.
ذكر إِبْرَاهِيم بن الْعَبَّاس الْكَاتِب، عَن عَمْرو بن مسْعدَة، وحَدثني سهل بن عُثْمَان قَالَ: حَدثنِي الْحسن بن النُّعْمَان. . قَالَ: حَدثنِي أَحْمد بن أبي خَالِد الْأَحول قَالَ: لما قدمنَا من خُرَاسَان مَعَ الْمَأْمُون فصرنا فِي عقبَة حلوان وَكنت زميله قَالَ لي الْمَأْمُون يَا أَحْمد: إِنِّي أجد رَائِحَة الْعرَاق. قَالَ: فأجبته بِغَيْر جَوَابه وَقلت لَهُ: مَا اخلقه. فَقَالَ: لَيْسَ هَذَا جوابي وَلَكِنِّي أحسبك سَهَوْت أَو كنت مفكرا. قَالَ: قلت نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فيمَ فَكرت؟ قَالَ قلت: فَكرت فِي هجومنا على بَغْدَاد وَلَيْسَ مَعنا إِلَّا خَمْسُونَ ألف دِرْهَم مَعَ فتْنَة غلبت على قُلُوب النَّاس واستعذبوها فَكيف يكون حَالنَا إِن هاج هائج أَو تحرّك متحرك؟
قَالَ: فَأَطْرَقَ مَلِيًّا ثمَّ قَالَ: صدقت يَا أَحْمد مَا أحسن مَا فَكرت وَلَكِنِّي أخْبرك: النَّاس على طَبَقَات ثَلَاث فِي هَذِه الْمَدِينَة يَعْنِي بَغْدَاد: ظَالِم ومظلوم، وَلَا ظَالِم وَلَا مظلوم. فَأَما الظَّالِم فَلَيْسَ يتَوَقَّع إِلَّا عَفَوْنَا وإمساكنا، وَأما الْمَظْلُوم فَلَيْسَ يتَوَقَّع أَن ينصف إِلَّا بِنَا. وَمن كَانَ لَا ظَالِما وَلَا مَظْلُوما فبيته يَسعهُ. فوَاللَّه مَا كَانَ إِلَّا كَمَال قَالَ.
وَذكر إِسْمَاعِيل بن أبي مُحَمَّد اليزيدي قَالَ: كُنَّا مَعَ الْمَأْمُون منصرفة من خُرَاسَان إِلَى بَغْدَاد فَلَمَّا دخل قرماسين أَقَامَ بهَا أَيَّامًا فَقَالَ لَهُ أَصْحَابه: هَذَا منزل طيب فَلَو أَقمت بهَا أَيَّامًا حَتَّى يَأْتِيك خبر إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي بِبَعْض مَا تحب. قَالَ: لَا وَالله قَالُوا: فأننا نتخوف أَن يكون دِمَاء فَتكون هَاهُنَا حَتَّى يقْضِي اللَّهِ من أمره مَا يقْضِي. قَالَ:
[ ١١ ]
أتري إِن شم إِبْرَاهِيم ريحى يقدم على. لَا وَالله مَا ذَاك ظَنِّي بِهِ. قَالَ: وارتحل فَمَا بلغنَا حلوان حَتَّى جَاءَنَا الْخَبَر بِأَنَّهُ قد أختفي.
وَذكر عَمْرو بن مسْعدَة قَالَ: لما صَار الْمَأْمُون إِلَى الرّيّ منصرفة إِلَى الْعرَاق ذكر عَليّ بن صَالح صَاحب الْمُصَلِّي إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان وَكَانَ لَهُ صديقا. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: رجل من أهلك ركب عَظِيمَة وَجَاء شَيْئا إدا، وَقد آمَنت الْأَحْمَر وَالْأسود فَأن رأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أَن يَخُصُّهُ بِأَمَان يسمه بِهِ فَإِن عفوا اللَّهِ لَك بازاء عفوك عَنهُ. فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَنْت شهيدي أَنِّي قد عَفَوْت عَن الْأَحْمَر وَالْأسود، وأعطيتهم أمانك وذمتك وخصصت بذلك إِبْرَاهِيم بن الْمهْدي وَإِسْمَاعِيل بن جَعْفَر وعممت النَّاس كلهم حَتَّى ابْن دُحَيْم الْمدنِي، وسعيدا الْخَطِيب. قَالَ: وَكَانَ ابْن دُحَيْم هَذَا يصعد مِنْبَر الْمَدِينَة وَلَا يدع من قَول الْقَبِيح شَيْئا إِلَّا ذكر بِهِ الْمَأْمُون.
وحَدثني الْفضل بن مُحَمَّد الْعلوِي قَالَ: لما قدم الْمَأْمُون تَلقاهُ عبد اللَّهِ بن الْعَبَّاس ابْن الْحسن بن عبيد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بن عَليّ بن أبي طَالب فَقَالَ: جعل اللَّهِ قدومك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مِفْتَاح رَحْمَة لَك، وَلمن قدمت عَلَيْهِ من رعيتك، فقد اشرقت الْبِلَاد حِين حللت بهَا، وآنس اللَّهِ بقربك أَهلهَا، ونصبت الرّعية إِلَيْك أعينها، ومدت إِلَى اللَّهِ فِيك وَلَك أيديها، لتصيب من مقدمك عدلا يُحْيِيهَا، وَمن نيل يدك فضلا يغنيها.
وَذكر عَمْرو بن مسْعدَة قَالَ ك لما قدم الْمَأْمُون بَغْدَاد أهدي إِلَيْهِ الْفضل بن الرّبيع فص ياقوت لم ير مثله. قَالَ: واحب الْمَأْمُون الفص وَجعل يقلبه فِي يَده وَينظر إِلَى وبيصة، ويحوله من يَد إِلَى يَد وَقَالَ: مَا أَدْرِي مَتى رَأَيْت فصا أحسن من هَذَا؟ . قَالَ: وَأَنْشَأَ يحدث الْقَوْم الحَدِيث عَن فص كَانَ للمهدي وهبه للرشيد. فَقَالَ: كَانَ أَبُو مُسلم وَجه زِيَاد بن صَالح إِلَى الصين فَبعث إِلَيْهِ بِهَذَا الفص فَصَارَ إِلَى أبي الْعَبَّاس، فوهبه إِلَى عبد اللَّهِ بن عَليّ، فوهبه عبد اللَّهِ بن عَليّ للمهدي، فوهبه الْمهْدي للرشيد. فَبينا الرشيد يناظر يحيى بن خَالِد يَوْمًا فِي قَوس جلا هق إِذْ ندر الفص من يَده فكرر الْموضع فَلم ير لَهُ عين وَلَا أثر فأغتنم الرشيد لذهابه. فَقيل لَهُ أَن صَالحا
[ ١٢ ]
صَاحب الْمُصَلِّي اشْترى فصا من عون الْعَبَّادِيّ بِعشْرين ألف دِينَار لَيْسَ لأحد مثله فَوجه إِلَيْهِ فَبعث بِهِ. فَلَمَّا رَآهُ قَالَ: وَأَيْنَ هَذَا من فصي. قَالَ: ثمَّ قَالَ الْمَأْمُون: أما وَالله لأضعن من قدر هَذِه الْحِجَارَة الَّتِي لَا معنى لَهَا ورد الفص على الْفضل وَقَالَ لرَسُوله: قل لَهُ وهبت دولتك يَا أَبَا الْعَبَّاس. فَلَمَّا رَجَعَ الفص إِلَى الْفضل أغتم وَقَالَ لرجل من بطانته: أما إِنَّه لَا يعِيش من يَوْمه هَذَا إِلَّا أقل من سنة. فَمَا أَمْسَى الْمَأْمُون حَتَّى أَتَاهُ الْخَبَر بهَا. قَالَ: قَالَ: فَسكت عَنهُ وَلم يخبر بِهِ أحدا. قَالَ: فَلَمَّا مَاتَ الْعَبَّاس بن الْمسيب وَكَانَ صَاحب شرطته ركب الْمَأْمُون فِي جنَازَته فَعرض لَهُ بعض أَوْلَاد الْفضل بن الرّبيع وَهُوَ بِبَاب الشَّام. فَدَعَا لَهُ وانتسب فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: أدن. فَدَنَا. ثمَّ قَالَ لَهُ: أدن. فَدَنَا. حَتَّى قرب من ركابه فأدني مِنْهُ رَأسه كَأَنَّهُ يسر إِلَيْهِ وَقَالَ: إعلم أَبَا الْعَبَّاس أَن الْوَقْت قد مضى. قَالَ: فَرجع الْفَتى إِلَى الْفضل فَأخْبرهُ. فَلم يزل على حذر مِنْهُ أَن يحقدها عَلَيْهِ.
وَذكر عَن عَمْرو بن مسْعدَة قَالَ: اسْتقْبل الْمَأْمُون فِي منصرفة من خُرَاسَان الطالبيون بِبَعْض طَرِيقه وَاعْتَذَرُوا مِمَّا كَانَ مِنْهُم من الْخُرُوج. فَقَالَ الْمَأْمُون لمتكلمهم: كف واستمع مني. أولنا وأولكم مَا تَعْمَلُونَ، وآخرنا وآخركم إِلَى مَا ترَوْنَ، وتناسوا مَا بَين هذَيْن.
قَالَ ابْن أبي طَاهِر: لما دخل الْمَأْمُون مَدِينَة السَّلَام تَلَقَّتْهُ الْأَنْصَار فَقَالَت: الْحَمد لله الَّذِي شدّ بك الْحق وردك إِلَى دَارك مدفوعا عَنْك - مستجابا لنا فِيك - فَأَنت كَمَا قَالَ ابْن عمنَا حسان فِي ابْن عمك رَسُول الله - ﷺ َ - يَوْم دخل الْمَدِينَة: