سيبعثه رَسُولا. قلت فَمَا كلفنا نَحن؟ . قَالَ: إِن نعلم أَنه قد بَعثه. قلت يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أفكلام هَذَا؟ قَالَ: لَا. قلت: فَإِذا عزمت أسأله. . قَالَ: سل. قلت: حَدثنِي عَمَّن آمن بمُوسَى وَعِيسَى وَلم يسمع بِأَن مُحَمَّدًا - ﷺ َ - سيبعث هُوَ مُؤمن؟ قَالَ: فلست إِذا من المرجئة إِن لم أقل هُوَ مُؤمن. قلت: فَإِن سمع بعد ذَلِك بِمُحَمد وَلَقي مُحَمَّدًا ﵇ هَل أصَاب الْإِقْرَار بِهِ إِيمَانًا لم يكن أَصَابَهُ قبل ذَلِك فَعلم أَنه لَيْسَ لَهُ حِيلَة. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: على فِي الْوضُوء شدَّة فَأذن لَهُ.
قَالَ: الْمَكِّيّ وَقلت لِلْمَأْمُونِ بعد الْخطْبَة فِي مجلسي: أعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ إِن كل سَبَب اتَّصل، أَو أخاء انْعَقَد على غير التَّذْكِير بِاللَّه فَهُوَ عِنْده يبور وقديما مَا تمنى لى أخواني هَذَا المقعد، وَمَا أمكنني أَلا فِي ظلّ سلطانك بخروجك من طبع الْحِرْص وفرط الشره وأطراحك مَا كَانَ يلهج بِهِ غَيْرك من مُلُوك وسوقة عتوا فِيمَا [جرت بِهِ] الْمَقَادِير قدرهَا اللَّهِ فأنقرضوا، وأضحت دِيَارهمْ عَافِيَة، ومساكنهم خاوية، لَا يقترفون سَيِّئَة، وَلَا يَعْتَذِرُونَ من أُخْرَى سلفت، وَلَا يزِيدُونَ فِي حَسَنَة، قد غلقت رهون أَكْثَرهم، وَوَجَبَت شقوتهم، وَانْقطع من الْفرج رجاؤهم، وَإِنَّمَا ينْتَظر بهم لحاق هَذَا الْخلق، عتوا قَلِيلا، وشقوا طَويلا، وأضحوا موعوظا بهم وأدبا لغَيرهم بِحجَّة اللَّهِ عَلَيْهِم. قَالَ النَّبِي - ﷺ َ -: " السعيد من وعظ بِغَيْرِهِ ". وَكَانَ أَبُو الدَّرْدَاء يكثر بِأَن يَقُول: يَا أهل الشَّام: مَالِي أَرَاكُم تجمعون مَا لَا تَأْكُلُونَ، وتبنون مَالا تسكنون أَلا أَن عادا أَعْطَيْت أنعاما وماشية وَمد لَهَا مَا بَين صنعاء إِلَى الشَّام فَمن يشترى ذَلِك الْيَوْم مني بِربع دِينَار.
وَأعلم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: أَن النَّاس إِنَّمَا يرهبون يَوْم الْقِيَامَة من إِحْدَى ثَلَاث لَيست هُنَاكَ رَابِعَة: نقصة عملوها، وسهوة ارتكبوها، أَو شُبْهَة فِي الدّين انتحلوها، والداء الْأَعْظَم الشُّبْهَة هِيَ الَّتِي يظنّ صَاحبهَا الْحق بَاطِلا، وَالْبَاطِل حَقًا فَهُوَ كمخطئ الطَّرِيق إِذا ركض ازْدَادَ من الطَّرِيق بعدا.
[ ٤٩ ]
وَذكر عبيد اللَّهِ بن عبد اللَّهِ بن الْحسن بن جَعْفَر الحسني قَالَ: تَذَاكَرُوا الشجَاعَة يَوْمًا فِي مجْلِس الْمَأْمُون، وَذكرهَا الفرسان والأبطال فَقَالَ الْمَأْمُون: لم يكن فِي الْإِسْلَام بعد عَليّ بن أبي طَالب صلوَات اللَّهِ عَلَيْهِ، وَالزُّبَيْر بن الْعَوام أهل بَيت شهرتهم الشجَاعَة كالمهلب بن أبي صفرَة وَآله، وَلَقَد حدثت عَن دَاوُد بن الْمسَاوِر الْعَبْدي قَالَ: لما دَخَلنَا على يزِيد بن الْمُهلب حِين ظفر بعدِي بن أَرْطَاة وَغلب على الْبَصْرَة قَالَ:: بَينا نَحن عِنْده إِذْ أَتَاهُ رجل من الْعَرَب فَقَالَ: أصلح اللَّهِ الْأَمِير إِنِّي - جعلني اللَّهِ فدَاك - جعلت على نذرا إِن أَرَانِي اللَّهِ وَجهك فِي هَذَا الْقصر أَمِيرا أَن أقبل رَأسك. فَقَالَ يزِيد: فَمَا للرجل وَالنُّذُور فِي الْقبل؟ لله در عسكرين كُنَّا فِي أَحدهمَا والأزارقة فِي الآخر مَا كَانَ أبعدهم أَن يكون نذورهم مثل نذرك يَا شيخ: لقد رَأَيْتنِي يَوْمًا وَأَنا وَاقِف بَين الْحَرِيش بن هِلَال السَّعْدِيّ وَبَين مولى لَهُ إِذْ خرج ثَلَاثَة نفر من صف الْخَوَارِج فشدوا على صفنا فخرقوه حَتَّى وصلوا إِلَى عسكرنا فَفَعَلُوا مَا أَرَادوا ثمَّ رجعُوا سَالِمين وأحدهم آخذ بسنان رمحه يجره فِي الأَرْض وَهُوَ يَقُول:
(وَإِنَّا لقوم مَا نعود خَيْلنَا إِذا مَا الْتَقَيْنَا أَن تحيد وتنفرا)
(وَلَيْسَ بِمَعْرُوف لنا أَن نردها صحاحا وَلَا مستنكر أَن تعفرا)
فَقلت عِنْد ذَلِك مَا رَأَيْت كَالْيَوْمِ ثَلَاثَة بلغُوا من عَسْكَر فِيهِ من فِي مثل عسكرنا مَا بلغ هَؤُلَاءِ فَقَالَ الْحَرِيش: فَمَا يمنعك من مثلهَا أَبَا خَالِد؟ فَقلت: بِمن؟ فَقَالَ: بِي وَبِك وبمولاي هَذَا وشددنا ثَلَاثَة فصنعنا بصفهم كَمَا صَنَعُوا بصفنا ثمَّ خرج الْحَرِيش وَأخذ بزج رمحه بحره وَهُوَ يَقُول: -
(حَتَّى خرجن بِنَا من تَحت كوكبهم حمرا من الطعْن أعناقا وأكفالا)
(تِلْكَ المكارم لاقعبان من لبن شيبا بِمَاء فعادا بعد أبوالا)
فَمثل هَذَا فأفعلوا وانذروا وَلَا تنذروا نذر الْعَجَائِز والضعاف. ثمَّ قَالَ: ادن يَا شيخ فأوف بِنَذْرِك فَدَنَا فَقبل رَأسه.
[ ٥٠ ]
حَدثنِي: رجل من أَصْحَاب الْمَأْمُون قَالَ: سَمِعت إِبْرَاهِيم بن رشيد قَالَ: حَدثنِي من سمع الْمَأْمُون يَقُول: الإرجاء دين الْمُلُوك.
حَدثنِي مُحَمَّد بن عبد اللَّهِ قَالَ: دخل أَبُو عمر الْخطابِيّ على الْمَأْمُون فتذاكروا عمر ابْن الْخطاب ﵀ فَقَالَ الْمَأْمُون: إِلَّا أَنه غصبنا. فَقَالَ لَهُ أَبُو عمر يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: يكون الْغَصْب إِلَّا بِحَق يَد فَهَل كَانَت لكم يَد؟ . قَالَ: فَسكت الْمَأْمُون عَنهُ واحتملها لَهُ.
قَالَ وَأُصِيب الْمَأْمُون بابنة لَهُ كَانَ يجد بهَا وجدا شَدِيدا فَجَلَسَ للنَّاس وَأمر أَن يُؤذن لمن دخل فَدخل عَلَيْهِ الْعَبَّاس بن الْعلوِي الْعلوِي فَقَالَ لَهُ ياأمير الْمُؤمنِينَ إِنَّا لم نأتك معزين وَلَكِن أَتَيْنَاك مقتدين. وَدخل الْعَبَّاس بن الْحسن على الْمَأْمُون فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن لساني ينْطَلق بمدحك غايبا، وَأحب أَن يتزيد عنْدك حَاضرا أفتأذن فَأَقُول؟ قَالَ: قل فَإنَّك تَقول فتحسن، وَتشهد فتزين، وتغيب فتؤتمن. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: مَا أَقُول بعد هَذَا؟ لقد بلغت من مدحي مَا لَا أبلغه من مدحك.
وَقَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن دَاوُد: دخل أبي عَليّ الْمَأْمُون فَكَلمهُ بِكَلَام كثير ثمَّ حصر فَسكت عَنهُ الْمَأْمُون ليسكن فَلَمَّا سكن عَاد إِلَى الْكَلَام فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: هَذَا مقَام لَا يعاب أحد بالتقصير فِيهِ عَمَّا يسْتَحق أَمِير الْمُؤمنِينَ من الثَّنَاء عَلَيْهِ وَالدُّعَاء لَهُ يدْخلهُ من هَيْبَة أَمِير الْمُؤمنِينَ وإجلاله. قَالَ: صدقت يَا إِبْرَاهِيم
وَقَالَ أَحْمد بن إِبْرَاهِيم: قَالَ جدي إِسْمَاعِيل بن دَاوُد لِلْمَأْمُونِ وَذكروا الْمسَاوِي والمحاسن فِي مَجْلِسه: مَا من كريم إِلَّا وَفِيه خصْلَة تعفي على مساويه، وَلَا من سفلَة إِلَّا وَفِيه خصْلَة تعفي على محَاسِن أَن كَانَت فِيهِ. فَقَالَ: صدقت يَا إِسْمَاعِيل.
قَالَ: وَقَالَ الْمَأْمُون لمُحَمد بن عباد المهلبي: بَلغنِي أَن فِيك سَرفًا. فَقَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن من منح الْمَوْجُود متوطن بِاللَّه، وَإِنِّي لاهم بالإمساك فأذكر قَول أَشْجَع السّلمِيّ لجَعْفَر بن يحيى: -
[ ٥١ ]
(يحب الْمُلُوك ندى جَعْفَر وَلَا يصنعون كَمَا يصنع)
(وَلَيْسَ بأوسعهم فِي الْغنى وَلَكِن مَعْرُوفَة أوسع)
(وَكَيف ينالون غاياته وهم يجمعُونَ وَلَا يجمع)
وَكَيف السَّبِيل إِلَى الْإِمْسَاك يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ بعد قَول صَالح المري: لَا تنَال كثيرا مِمَّا تحب حَتَّى تصبر على كثير مِمَّا تكره، وَلَا تنجو مِمَّا تكره حَتَّى تصبر على كثير مِمَّا تحب. قَالَ: فَأمر لَهُ الْمَأْمُون بِمِائَة ألف دِرْهَم وَقَالَ: اسْتَعِنْ بهَا على مروتك.
قَالَ: وَسَأَلَ موبذ موبذان فَقَالَ لَهُ: مَا ثَمَرَة الْعقل. قَالَ: ثماره الْكَرِيمَة كَثِيرَة مِنْهَا. أحراز الْمَرْء نصِيبه من الشُّكْر، وَأَن تتمّ نِيَّته فِي الْحِرْص على مُكَافَأَة كل ذِي نعْمَة ويبلغ من ذَلِك بِالْفِعْلِ غَايَة الْقُدْرَة.
وَمِنْهَا أَن لَا يسكن إِلَى الدُّنْيَا على حَال، وَلَا يطيعها فِي التَّفْرِيط فِي الاستعداد.
وَمِنْهَا أَن لَا يدع السرُور، وَلَا يتَعَرَّض لزوَال النِّعْمَة.
وَمِنْهَا: أَلا يعْمل عملا فِي غير مَوْضِعه، وَلَا يغفله فِي مَوْضِعه إِلَّا بعد النّظر والتثبت.
وَمِنْهَا: أَلا تبطره السَّرَّاء وَلَا يشتكي الضراء.
وَمِنْهَا: أَن يسير مَا بَينه وَبَين صديقه سيرة لَا يتَجَاوَز مَعهَا طعن حَاكم، ويسير مَا بَينه وَبَين عدوه رفقا يشركهم بِهِ فِي حسناتهم.
وَمِنْهَا: أَن لَا يبْدَأ أحد بأذى، وَإِذا أوذي لم يتَجَاوَز فِي الانتقام حد الْعدْل
وَمِنْهَا: أَن يكون الْهوى مَعَ الْحق حَيْثُ كَانَ.
وَمِنْهَا: أَن لَا يفرحه مدح المادح بِمَا لَيْسَ فِيهِ وَلَا يَجْعَل عيب من عابه بِمَا هُوَ مِنْهُ برِئ.
وَمِنْهَا: أَن لَا يعْمل عملا يكْتَسب مِنْهُ ندما.
وَمِنْهَا: احْتِمَال نصب الْبر وسخاء النَّفس عَن كل لَذَّة.
[ ٥٢ ]
قَالَ اليزيدي: قَالَ الْمَأْمُون يَوْمًا فِي مجْلِس وَعِنْده جمَاعَة من قُرَيْش: أَيّكُم يحفظ أَبْيَات عبد اللَّهِ بن الزبعري الَّتِي يعْتَذر فِيهَا إِلَى رَسُول اللَّهِ صلى اللَّهِ - ﷺ َ -؟ فَقَالَ مُصعب ابْن عبد اللَّهِ الزبيرِي: أَنا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: فأنشدنا. فَأَنْشد: -