قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْأنمَاطِي: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد وقربها قراره وَأمر أَن يدْخل عَلَيْهِ من الْفُقَهَاء، والمتكلمين، وَأهل الْعلم جمَاعَة يختارهم لمجالسته ومحادثته وَكَانَ يقْعد فِي صدر نَهَاره على لبود فِي الشتَاء، وعَلى حصر فِي الصَّيف لَيْسَ مَعَهُمَا شَيْء من سَائِر الْفرش، وَيقْعد للمظالم فِي كل جُمُعَة مرَّتَيْنِ لَا يمْتَنع مِنْهُ أحد. قَالَ: واختير لَهُ من الْفُقَهَاء لمجالسته مائَة رجل فَمَا زَالَ يختارهم طبقَة بعد طبقَة حَتَّى حصل مِنْهُم عشرَة كَانَ أَحْمد بن أبي دَاوُد أحدهم، وَبشر المريسي. قَالَ جَعْفَر بن مُحَمَّد الْأنمَاطِي وَكنت أحدهم. قَالَ: فتغدينا يَوْمًا عِنْده فَظَنَنْت أَنه وضع على الْمَائِدَة أَكثر من ثَلَاثمِائَة لون فَكلما وضع لون نظر الْمَأْمُون إِلَيْهِ فَقَالَ: هَذَا يصلح لكذا وَهَذَا نَافِع لكذا. فَمن كَانَ مِنْكُم صَاحب بلغم ورطوبة فليجتنب هَذَا. وَمن كَانَ صَاحب صفراء فَليَأْكُل من هَذَا، وَمن غلبت عَلَيْهِ السَّوْدَاء فَليَأْكُل من هَذَا، وَمن أحب الزِّيَادَة فِي لَحْمه فَليَأْكُل من هَذَا /، وَمن كَانَ قَصده قلَّة الْغذَاء فليقتصر على هَذَا قَالَ: فوَاللَّه مَا زَالَت تِلْكَ حَاله فِي كل لون يقوم حَتَّى رفعت الموائد. قَالَ: فَقَالَ لَهُ يحيى بن اكثم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: إِن خضنا فِي الطِّبّ كنت جالينوس فِي مَعْرفَته، أَو فِي النُّجُوم كنت هرمس فِي حسابه، أَو فِي الْفِقْه كنت على بن أبي طَالب صلوَات اللَّهِ عَلَيْهِ فِي علمه، أَو ذكر السخاء فَأَنت فَوق حَاتِم فِي جوده، أَو ذكرنَا صدق الحَدِيث كنت أَبَا ذَر فِي صدق لهجته، أَو الْكَرم كنت كَعْب بن مامة فِي إيثاره على نَفسه قَالَ: فسر بذلك الْكَلَام. وَقَالَ يَا أَبَا مُحَمَّد: إِن الْإِنْسَان إِنَّمَا فضل على غَيره من الْهَوَام بِفِعْلِهِ، وعقله، وتمييزه. وَلَوْلَا ذَلِك لم يكن لحم أطيب من لحم. وَلَا دم أطيب من دم.
[ ٣٦ ]
وَذكر لنا عبد اللَّهِ بن مُحَمَّد الْفَارِسِي، عَن ثُمَامَة بن اشرس قَالَ: لما قدم الْمَأْمُون من خُرَاسَان وَصَارَ إِلَى بَغْدَاد أَمر أَن يُسمى قوم من أهل الْأَدَب يجالسونه، ويؤامرونه فَذكر لَهُ جمَاعَة مِنْهُم: الْحُسَيْن بن الضَّحَّاك وَكَانَ من جلساء مُحَمَّد المخلوع فَقَرَأَ أَسْمَاءَهُم حَتَّى بلغ إِلَى اسْم الْحُسَيْن فَقَالَ: أَلَيْسَ الَّذِي يَقُول فِي المخلوع: -
(هلا بقيت لسد فاقتنا فِينَا وَكَانَ لغيرك التّلف)
(فَلَقَد خلفت خلائفا سلفوا ولسوف يعوز بعْدك الْخلف)
لَا حَاجَة لي بِهِ لَا يراني وَالله إِلَّا فِي الطَّرِيق، وَلم يُعَاقب الْحُسَيْن على مَا كَانَ مِنْهُ فِي هجائه لَهُ والتعريض بِهِ.
وَحدث مُحَمَّد بن عِيسَى، عَن عبد اللَّهِ بن طَاهِر قَالَ: كَانَ الْمَأْمُون إِذا أَمر أَصْحَابه أَن يعودوا للغداء وَالْمقَام قَالَ لبَعض غلمائه: أعلم الخباز أَنا قد أمرناهم بِالْعودِ. قَالَ: فَرَآهُمْ كَأَنَّهُمْ يعْجبُونَ من ذَلِك فَقَالَ: أظنكم أنكرتم مَا تَسْمَعُونَ؟ قَالُوا: نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لأَنا لَا نشك أَن كلما نحتاج إِلَيْهِ عتيد. قَالَ: يهيء لنا مَا يهيء فَيكون فَضله للغلمان فَإِذا احتبسناكم استغرقتم مَا يكون لَهُم فنأمرهم أَن يزدادوا مَا يفضل عَنَّا لَهُم.
قَالَ: وعاتب الْمَأْمُون الْمطلب بن عبد الله بن مَالك فَأَجَابَهُ الْمطلب بِالنَّفْيِ عَن نَفسه فَقَالَ: تَقول هَذَا وَأَنت أول كل فتْنَة وَآخِرهَا وَمن فعلك وفعلك. فَقَالَ لَهُ الْمطلب: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ لَا يدعونك استبطاؤك نَفسك إِلَى كَثْرَة التجني على مِمَّا لعلى بَرِيء مِنْهُ. قَالَ: أسْتَغْفر اللَّهِ أرضيت؟ قَالَ نعم يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ.
وَذكر عَن ثُمَامَة قَالَ: أرتد رجل من أهل خُرَاسَان فَأمر الْمَأْمُون بِحمْلِهِ إِلَى مَدِينَة السَّلَام فَلَمَّا أَدخل عَلَيْهِ أقبل بِوَجْهِهِ إِلَيْهِ ثمَّ قَالَ لَهُ: لِأَن أستحييك بِحَق وَاجِب أحب إِلَى من أَن أَقْتلك بِحَق، وَلِأَن أدفَع عَنْك بالتهمة وَقد كنت مُسلما بعد أَن كنت نَصْرَانِيّا وَكنت فِي الاسلام أفيح [مَكَانا] وأطول أَيَّامًا فاستوحشت مِمَّا كنت بِهِ آنسا ثمَّ لم تلبث أَن رجعت عَنَّا نافرا فخبرنا عَن الشَّيْء الَّذِي أوحشك من الشَّيْء الَّذِي
[ ٣٧ ]