(بِحَمْد اللَّهِ حِين حللت فِينَا بنورك نجتلي ظلم الضلال)
(وَكنت كَرَامَة نزلت علينا بِأَسْعَد طَائِر وبخير حَال)
[ ١٣ ]
قَالَ: أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن الْحسن بن عبد الْحق: كَانَ قدوم الْمَأْمُون بَغْدَاد فِي النّصْف من ربيع الأول سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ، وَدخل بَغْدَاد من بَاب خُرَاسَان والحربة بَين يَدَيْهِ فِي يَد مُحَمَّد بن الْعَبَّاس بن الْمسيب بن زُهَيْر وَكَانَ خَليفَة لِأَبِيهِ على الحربة وَالْعَبَّاس بن الْمسيب بن زُهَيْر وَرَاء ابْنه، وَكَانَ منقرسا بَين يَدي الْمَأْمُون.
وَذكر يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق، عَن عَليّ بن أبي سعيد أَنه حَدثهُ قَالَ: لَقِي الْفضل بن الرّبيع طَاهِر بن الْحُسَيْن عِنْد دُخُول الْمَأْمُون بَغْدَاد فثني عنانه مَعَه وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا الطّيب. مَا ثنيت عناني مَعَ أحد قطّ قبلك إِلَّا مَعَ خَليفَة ولي حَاجَة. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِي الرضاء عني وتعجل ذَلِك. قَالَ: فَمضى طَاهِر من فوره ذَلِك وكلم أَمِير الْمُؤمنِينَ فِيهِ فَأمره بِإِدْخَال الْفضل عَلَيْهِ قَالَ: فَقَالَ طَاهِر: فأدخلته حاسرا لَا سيف عَلَيْهِ، وَلَا طيلسان، وَلَا قلنسوة. فَلَمَّا توَسط الدَّار وثب الْمَأْمُون عَن عَرْشه فصلى رَكْعَتَيْنِ ثمَّ الْتفت إِلَيْهِ قبل أَن يسلم عَلَيْهِ بالخلافة. فَقَالَ: أَتَدْرِي لم صليت يَا فضل؟ . فَقَالَ: لَا يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: شكرا لله إِذْ رَزَقَنِي الْعَفو عَنْك، قد كلمني أَبُو الطّيب فِيك وَقد عَفَوْت عَنْك. قَالَ: فَقَالَ الْفضل: فلي حَاجَة يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَا هِيَ؟ . قَالَ: الرضاء. قَالَ أجل لَا يكون الْعَفو إِلَّا مَعَ الرضاء. قَالَ: أُخْرَى يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ. قَالَ: مَا هِيَ؟ قَالَ: تجْعَل لي مرتبَة فِي الدَّار. قَالَ: عجلت يَا فضل أخرج فَخرج. قَالَ: وَقَالَ لَهُ يَوْمًا وَقد دخل عَلَيْهِ: أَخْبرنِي يَا فضل عَن شتمك إيَّايَ، ومقاماتك الَّتِي كنت تقوم بهَا على وتثلبني بهَا كَيفَ أمنت أَن أسْرع إِلَى غضبة من الغضبات فأفعل فعلا أندم عَلَيْهِ حِين لَا تَنْفَع الندامة. قَالَ. فأنشده لبَعض الشُّعَرَاء فِيهِ.
(صفوح عَن الأجرام حَتَّى كَأَنَّهُ من الْعَفو لم يعرف من النَّاس مجر مَا)
(وَلَيْسَ يُبَالِي أَن يكون بِهِ الأذي إِذا مَا الأذي لم يغش بالكره مُسلما)
قَالَ عبد اللَّهِ بن عَمْرو. حَدثنِي جَعْفَر بن الْمَأْمُون قَالَ: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد لقِيه الْفضل بن الرّبيع مَعَ طَاهِر فَلَمَّا رأى الْفضل نزل من قُبَّته وَكَانَ عديله على بن هِشَام وَمر يعدو حَتَّى سجد. فَقَالَ الْمَأْمُون: الْحَمد لله قَدِيما مَا كنت أسلم عَلَيْهِ
[ ١٤ ]
فَأَفْرَح برده فسبحان الَّذِي الهمني الصفح عَنهُ فَلذَلِك سجدت. قَالَ: فَقَالَ طَاهِر: فعجبت لسعة حلمه.
وَذكر زيد بن عَليّ بن الْحُسَيْن قَالَ: لما كَانَ فِي الْعِيد بعد قدوم الْمَأْمُون سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ والمأمون يتغدي وعَلى مائدته طَاهِر بن الْحُسَيْن، وَسَعِيد بن سلم، وَحميد بن عبد الحميد، وعَلى رَأسه سعيد الْخَطِيب وَهُوَ يقرظه وَيذكر مناقبه، ويصف سيرته ومجلسه إِذا أنهملت عينا الْمَأْمُون بالدموع فَرفع يَده عَن الطَّعَام فَأمْسك الْقَوْم حِين رَأَوْهُ بِتِلْكَ الْحَال حَتَّى إِذا كف قَالَ لَهُم: كلوا. قَالُوا: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ وَهل نسيغ طَعَاما، أَو شرابًا وَسَيِّدنَا بِهَذَا الْحَال. قَالَ: أما وَالله مَا ذَلِك من حدث، وَلَا لمكروه هَمَمْت بِهِ بِأحد وَلكنه جنس من أَجنَاس الشُّكْر لله لعظمته وَذكر نعْمَته الَّتِي أتمهَا على كَمَا أتمهَا على أَبَوي من قبل. أما ترَوْنَ ذَاك الَّذِي فِي صحن الدَّار يَعْنِي الْفضل بن الرّبيع. قَالَ: وَكَانَت الستور قد رفعت وَوضعت الموائد للنَّاس على مَرَاتِبهمْ وَكَانَ يجلس الْفضل مَعَ أَصْحَاب الحرس، وَكَانَ فِي أَيَّام الرشيد وحاله حَاله يراني بِوَجْه أعرف فِيهِ الْبغضَاء والشنآن، وَكَانَ لَهُ عِنْدِي كَالَّذي لي عِنْده، وَلَكِنِّي كنت ادارية خوفًا من سعايته، وحذرا من اكاذيبه، فَكنت إِذا سلمت عَلَيْهِ فَرد على أظل لذَلِك فَرحا، وَبِه مبتهجا وَكَانَ صَفوه إِلَى المخلوع فَحَمله على أَن أغراه بِي، وَدعَاهُ إِلَى قَتْلِي، وحرك الآخر مَا يُحَرك الْقَرَابَة وَالرحم الماسة فَقَالَ: أما الْقَتْل فَلَا اقتله وَلَكِنِّي اجْعَلْهُ بِحَيْثُ إِذا قَالَ لم يطع، وَإِذا دَعَا لم يجب فَكَانَ أحسن حالاتي عِنْده أَن وَجه مَعَ عَليّ بن عِيسَى قيد فضَّة بعد مَا تنازعنا فِي الْفضة وَالْحَدِيد ليقيدني بِهِ وَذهب عَنهُ قَول اللَّهِ جلّ وَعز: ﴿ثمَّ من بغي عَلَيْهِ لينصرنه اللَّهِ﴾ فَذَاك مَوْضِعه من الدَّار باخس مجالسها، وأدني مراتبها وَهَذَا الْخَطِيب على رَأْسِي وَكَانَ بالْأَمْس يقف على هَذَا الْمِنْبَر الَّذِي بإزائي مرّة، وعَلى الْمِنْبَر الغربي أُخْرَى فيزعم أَنِّي الْمَأْمُون وَلست بالمأمون. ثمَّ هُوَ السَّاعَة يقرظني تقريظة الْمَسِيح، ومحمدا
[ ١٥ ]
﵉. قَالَ: فَقَالَ طَاهِر بن الْحُسَيْن يَا سيدنَا. فَمَا عندنَا فيهمَا، وَقد أباحك اللَّهِ أراقه دمائهما فحصنتهما بِالْعَفو والحلم. قَالَ: فعلت ذَلِك لموْضِع الْعَفو من اللَّهِ ثمَّ قَالَ: مدوا أَيْدِيكُم إِلَى طَعَامكُمْ قَالَ: فَأكل وأكلوا.
حَدثنَا أَحْمد بن إِسْحَاق بن برصوما. قَالَ: حَدثنِي أَيُّوب بن جَعْفَر بن سُلَيْمَان قَالَ: كُنَّا مَعَ الْمَأْمُون بعد مقدمه بَغْدَاد بأشهر يَوْمًا وَهُوَ رَاكب وَالْفضل بن الرّبيع وَاقِف لَهُ على مدرجته فرميناه بِأَبْصَارِنَا نَنْظُر مَا يكون مِنْهُ. قَالَ: فَمر طَاهِر وَمَعَهُ الحربة بَين يَدي الْمَأْمُون: فَنظر الْمَأْمُون إِلَى الْفضل بن الرّبيع وَصرف وَجهه عَنهُ. ثمَّ أقبل الْعَجم مَعَهم القسي والنشاب وطلع الْمَأْمُون ينظر إِلَى الْفضل بمؤخر عينه مصروفا عَنهُ وَجهه. قَالَ /: فَقَالَ: أُولَئِكَ الْعَجم كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ أَن ينحوه بعنف فَأقبل الْمَأْمُون يَكفهمْ بِيَدِهِ وَوَجهه محول عَنهُ:
قَالَ أَحْمد بن إِسْحَاق. وحَدثني: بشر السَّلمَانِي. قَالَ: سَمِعت أَحْمد بن أبي خَالِد يَقُول: كَانَ الْمَأْمُون إِذا أمرنَا بِأَمْر فَظهر من أَحَدنَا فِيهِ تَقْصِير يَقُول: أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا عرف رجلا ببابي لَو قلدته أموري كلهَا لقام بهَا. قَالَ بشر: فَقلت لِأَحْمَد ابْن أبي خَالِد: يَا أَبَا الْعَبَّاس من يَعْنِي؟ قَالَ: الْفضل بن الرّبيع.
وَقَالَ مُحَمَّد بن إِسْحَاق: حَدثنِي رجل مِمَّن كَانَ يدْخل الدَّار ذهب عني اسْمه. قَالَ: لما أذن الْمَأْمُون للفضل بن الرّبيع فِي لبس السوَاد وَمنعه من الرّكُوب بِسيف حمائل. فَكَانَ يلبس سَيْفا بمعاليق. قَالَ: فَأَنا ذَات يَوْم فِي الدَّار إِذْ جَاءَ الْفضل فَوقف على الْبَاب الْخَارِج وَدخل عَليّ بن صَالح وَهُوَ الْحَاجِب فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ الْفضل بن الرّبيع بِالْبَابِ، فِي أَي الْمَرَاتِب أنزلهُ؟ قَالَ: فِي أخسها. قَالَ: فَخرج إِلَيْهِ على مَاشِيا إِلَى الْبَاب الْخَارِج فَقَالَ: يَا أَبَا الْعَبَّاس: أنزل فَهَذِهِ مرتبتك. قَالَ: فَجَلَسَ وَجَلَست قَرِيبا مِنْهُ. وَقَامَ الْمَأْمُون فَدخل فَلم يمر بِالْفَضْلِ أحد من بني هَاشم والقواد إِلَّا جلس إِلَيْهِ فَكَانَ آخر من جَاءَ حميد الطوسي فَلم يزل الْفضل يحضر الدَّار كل اثْنَيْنِ وكل خَمِيس فيجلس على الْبسَاط فَإِذا انْصَرف النَّاس قعدوا لَهُ. فَأَنا ذَات يَوْم
[ ١٦ ]
عِنْده إِذا جَاءَ السندي بن شاهك آخر من جَاءَ. فَقَالَ الْفضل بِيَدِهِ مَا الْخَبَر؟ . وَكَانَ السندي بن شاهك جَهورِي الصَّوْت لَا يقدر أَن يتَكَلَّم سرا. قَالَ: خبر عَجِيب قَالَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: سمعته الْيَوْم قدم على بن أبي طَالب على الْعَبَّاس بن عبد الْمطلب وَمَا ظَنَنْت أَنِّي أعيش حَتَّى أسمع عباسيا يَقُول هَذَا. فَقَالَ لَهُ الْفضل: تعجب من هَذَا؟ هَذَا وَالله كَانَ قَول أَبِيه قبله.
قَالَ أَبُو جَعْفَر أَحْمد بن إِسْحَاق: وَأول غضب الْمَأْمُون على الْفضل أَن الرشيد كَانَ أوصى الْفضل بن الرّبيع إِن حدث بِهِ حدث أَن يَجْعَل خزائنه، وأمواله وسلاحه، وَجَمِيع عَسْكَر إِلَى الْمَأْمُون، فَلَمَّا توفّي الرشيد حمل ذَلِك كُله إِلَى مُحَمَّد. وحَدثني الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: حَدثنِي مُحَمَّد بن أبي عَوْف وَكَانَ مُنْقَطِعًا إِلَى عَليّ بن صَالح قَالَ: حضرت عَليّ بن صَالح عَشِيَّة فِي أول مدْخل الْمَأْمُون بَغْدَاد فجَاء آذنه فَقَالَ لَهُ: بِالْبَابِ أَبُو الْقَاسِم اللهبي؛ وَمُحَمّد بن عبد اللَّهِ العثماني، وَمصْعَب ابْن عبد اللَّهِ الزبيرِي قَالَ: فأئذن لأبي الْقَاسِم اللهبي فَدخل فأجلسه فِي صدر مَجْلِسه. ثمَّ إِذن للعثماني والزبيري فَأقْعدَ العثماني عَن يَمِينه، والزبيري عَن يسَاره ثمَّ تحدثُوا فَذكرُوا الْفضل بن الرّبيع. فَقَالَ اللهبي: أحسن اللَّهِ جَزَاء الْفضل عَنَّا فقد كَانَ برا بِنَا، وَقَالَ العثماني: كَانَ وَالله مَا علمنَا قَضَاء لحوائجنا عَارِفًا بإقدارنا، مُوجبا لحقوقنا وَقَالَ الزبيرِي: لقد كَانَت يَده عندنَا وَعند آبَائِنَا. فَقَالَ عَليّ بن صَالح: أما إِذا ذكرْتُمْ ذَلِك فَأَنِّي كنت عِنْد أَمِير الْمُؤمنِينَ أعزه اللَّهِ أمس فَقَالَ لي يَا عَليّ: مَتى عَهْدك بصديقك؟ قَالَ: فَقلت أَطَالَ اللَّهِ بَقَاء أَمِير الْمُؤمنِينَ صديقي كثير فَعَن أَيهمْ يسألني أَمِير الْمُؤمنِينَ؟ قَالَ: عَن الْفضل بن الرّبيع. قَالَ: قلت أمس الأدني وجد عِلّة فِي يَوْمه فَأَتَيْته عَائِدًا. قَالَ: وَلم تأته إِلَّا فِي يَوْم علته؟ قَالَ قلت: كَذَا عودته. قَالَ: فَكَأَنِّي إِذا جلس الْآن وَجَلَست أَنْت وَسَعِيد بن سلم، وَعبد اللَّهِ بن مَالك وَجعل وسَادَة على رُكْبَتَيْهِ ثمَّ قَالَ: وَقد وضع يَدَيْهِ عَلَيْهَا قَالَ لي الْمَنْصُور وَقلت لَهُ فَأَما الرشيد فَلَا يحْتَاج إِلَى كَلَام فِيهِ قلت: أدني ذَلِك أمس مَا زَالَ يحدثنا عَن الْمَنْصُور
[ ١٧ ]
أ
وَعَن مَكَانَهُ وَمَكَان أَبِيه مِنْهُ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: مَا أعجب أُمُور الْخُلَفَاء يَنْبُتُونَ الرجل ثمَّ يخطؤنه فَلَا يبقون غَايَة من الْأُمُور الا بلغوه إِيَّاهَا فِي مِقْدَار قريب. قَالَ ثمَّ أمسك وَأَمْسَكت ثمَّ قَالَ: يَا عَليّ كَأَنِّي فِي نَفسك السَّاعَة تَقول كَيفَ أخطيت الْفضل بن الرّبيع؟ نعم. كَانَ يدبر الْخَطَأ فَيَقَع صَوَابا، وَيبْعَث بالجيش الضَّعِيف فَيَقَع بِهِ النَّصْر وادبر أَنا فَيَقَع بِغَيْر ذَلِك، فَلَمَّا وقفت على البصيرة من أَمْرِي، وفكرت فِي نَفسِي، وعملت بالاحزم فِي ذَلِك ملت إِلَى الحزم فوردت الْعرَاق، وَإِن الْفضل ابْن الرّبيع بَقِيَّة الموَالِي فَلَا تخبره بذلك عني فَإِنِّي أكره أَن يبلغهُ عني مَا يسره.
وحَدثني يحيى بن الْحسن قَالَ: كَانَ على بن صَالح إِذا جَاءَهُ خبر يسره من قبل الْمَأْمُون فِي الْفضل قَالَ الخادمة يسر: قل لنجاح خَادِم الْفضل كَذَا. وَكَذَا. لِئَلَّا يَحْنَث إِن وَقعت يَمِين.
وحَدثني: يحيى بن الْحسن قَالَ: كَانَ الْفضل يَقُول فِي أَيَّام الْمَأْمُون: مَا بَقِي لي من عَقْلِي أحب إِلَيّ مِمَّا ذهب من مَالِي. قَالَ: وَأَخْبرنِي أَبُو الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: كَانَ الْفضل يَقُول: لَا يسود الرجل حَتَّى يشْتم، ويعرض، ويحلم. وحَدثني يحيى بن الْحسن قَالَ: رَأَيْت الْفضل بن الرّبيع وَقد دخل الْمَقْصُورَة يَوْم الْجُمُعَة أَيَّام الْمَأْمُون فَقدم دَابَّته حَيْثُ خرج فَوق مرتبته. فَقَالَ يَا غُلَام: أردد الدَّابَّة لست أركب من هَا هُنَا.
وحَدثني يحيى. قَالَ: حَدثنِي أَبُو الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: كنت عِنْد الْفضل ابْن الرّبيع ذَات عَشِيَّة فِي أَيَّام الْمَأْمُون وَهُوَ فِي منظرته الَّتِي تشرع إِلَى الميدان وَمَعَهُ فِي مجْلِس المنظرة امْرَأَة تحدثه لَا أدرى من هِيَ وَهُوَ مقبل عَلَيْهَا وَذَلِكَ فِي الدَّار الَّذِي حوله الْمَأْمُون إِلَيْهَا وَهِي دَار الْعَبَّاس ابْنه وَكَانَ يُؤَدِّي عَنْهَا ألفا فِي الشَّهْر إِذْ دخل عَلَيْهِ أَبُو حَلِيم خادمة فَقَالَ: أَبُو الْعَتَاهِيَة بِالْبَابِ. قَالَ: أدخلهُ. قَالَ: فَدخل فحادثه سَاعَة ثمَّ قَالَ لَهُ: يَا أَبَا إِسْحَاق فِي قَلْبك من عتبَة شَيْء؟ قَالَ ذهب ذَاك وَخرج قَالَ: فَبَقيت مِنْهُ بَاقِيَة؟ قَالَ لَا وَالله. قَالَ: فَهَذِهِ وَالله عتبَة. قَالَ: فَنظر إِلَيْهَا وَخرج
[ ١٨ ]
يعدو وَترك نَعْلَيْه.
حَدثنِي أَحْمد بن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم بن مَيْمُون قَالَ: حَدثنِي أبي قَالَ: لما قدم الْمَأْمُون بَغْدَاد بعثت أم جَعْفَر إِلَى أبي الْعَتَاهِيَة أحب أَن تَقول أبياتا تعطف بهَا أَمِير الْمُؤمنِينَ على فَبعث إِلَيْهَا بِهَذِهِ الأبيات: -
(أَلا إِن ريب الدَّهْر يدني وَيبعد وَيُؤْنس بالألاف طورا ويفقد)
(أَصَابَت لريب الدَّهْر مني يَدي يَدي فَسلمت للأقدار وَالله أَحْمد)
(وَقلت لريب الدَّهْر إِن ذهبت يَد فقد بقيت وَالله يَا دهر لي يَد)
(إِذا بَقِي الْمَأْمُون لي فالرشيد لي ولي جَعْفَر لم يفقدا وَمُحَمّد)
قَالَ: فَبعثت بهَا لى الْمَأْمُون فَلَمَّا قَرَأَهَا بَكَى وَزَاد فِي ألطافها ورق لَهَا وَعطف عَلَيْهَا.
وَقَالَ أَصْحَاب التَّارِيخ: لما دخل الْمَأْمُون بَغْدَاد أَقَامَ بالرصافة إِلَى أَن بنى منزله على شط دجلة عِنْد قصره الأول فأنتقل إِلَيْهِ، وَكَانَ يسْأَل عَن أُمُور النَّاس وَمَا يصلحها، فَرفع إِلَيْهِ فِي شهر رَمَضَان أَن التُّجَّار يعتدون على ضعفاء النَّاس فِي الْكَيْل فَأمر بغفيز يسع ثَمَان مكاكيك سرد مُرْسل وصير فِي وَسطه عمودا وَسمي الملجم وَأمر التُّجَّار يعيروا مكاكيكهم عَلَيْهَا صغارها وكبارها فَفَعَلُوا ذَلِك وَرَضي النَّاس
قَالَ: وَلما كَانَ يَوْم الْفطر خرج فصلى بِالنَّاسِ فِي عيساباذ وعبأ الْجند تعبئة لم ير مثلهَا قبل ذَلِك لأحد من الْخُلَفَاء من إِظْهَار السِّلَاح وكثرته وَكَثْرَة الْجند وَلم يصل بِالنَّاسِ صَلَاة الْعِيد حَتَّى قرب نصف النَّهَار.
وَذكر: أَبُو حسان الزيَادي وَغَيره من أَصْحَاب الاخبار أَنه ولي مَكَّة وَالْمَدينَة فِي سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ عبد اللَّهِ بن الْحسن بن عبيد اللَّهِ بن الْعَبَّاس بن عَليّ بن أبي طَالب عِنْد قدومه بَغْدَاد. فَلَمَّا حضر الْمَوْسِم كتب إِلَيْهِ بِالْولَايَةِ على الْمَوْسِم وَأَن يُقيم الْحَج بِالنَّاسِ.
[ ١٩ ]
قَالُوا: وَلما دخلت سنة خمس وَمِائَتَيْنِ ولي أَمِير الْمُؤمنِينَ طَاهِر بن الْحُسَيْن الجزيرة وَالشّرط والجانبين وَكَانَ ذَلِك يَوْم الْأَحَد وَقعد طَاهِر للنَّاس من عين الْيَوْم الَّذِي ولي فِيهِ وَكَانَ يَوْم عَاشُورَاء.
فَحَدثني يحيى بن الْحسن بن عبد الْخَالِق قَالَ: لما انْقَضتْ سنة أَربع وَمِائَتَيْنِ وعَلى شرطة الْمَأْمُون الْعَبَّاس بن الْمسيب بن زُهَيْر وَكَانَ منقرسا. فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: قد كَبرت وثقلت عَن حمل الحربة. قَالَ: فَهَذَا ابْني يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ مَكَاني وَهِي صناعتي وصناعة أبي. وَقد علمت أَن الرشيد يتبرك بِحمْل الحربة فِي يَد الْمسيب وَنحن أَهلهَا قَالَ: فقد رَأَيْت تَوْلِيَة طَاهِر. قَالَ: فَرَأى أَمِير الْمُؤمنِينَ أفضل وأصوب. قَالَ: فولي طَاهِر بن الْحُسَيْن.
وَقَالَ يحيى: فَكتب طَاهِر إِلَى الْفضل بن الرّبيع وَكَانَ بَينهمَا صداقة: إِن فِي رَأْيك الْبركَة، وَفِي مشورتك الصَّوَاب فَإِن رَأَيْت تخْتَار لي رجلَيْنِ للجسر. فَكتب إِلَيْهِ: قد وجدتهما لَك وهما: خِيَار السندي بن يحيى وَعَيَّاش بن الْقَاسِم فولاهما الجسرين
قَالَ: وَكَانَ الْمَأْمُون فِي الْيَوْم الَّذِي ولي طَاهِرا فِيهِ الشرطة قد ولي جمَاعَة من الهاشميين كور الشأم كورة. كورة فَلم يتم لَاحَدَّ مِنْهُم شَيْء من ولَايَته حَتَّى انْقَضتْ السّنة.
قَالَ يحيى البوشنجي الْقصير حَاجِب ذِي اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن قَالَ: لما ولي طَاهِر بن الْحُسَيْن الشرطة رفع إِلَيْهِ أَن فِي الْحَبْس رجلا تنصر فَأمر يحيى هَذَا أَن يحمل السَّيْف والنطع وَيَأْتِي بِهِ دَار أَمِير الْمُؤمنِينَ إِلَى مَجْلِسه، ثمَّ أَتَى دَار الْمُؤمنِينَ فَدَعَا بِالرجلِ فَقَالَ: يَا عَدو اللَّهِ تنصرت بعد الاسلام؟ قَالَ: اصلح اللَّهِ الْأَمِير وَالله مَا تنصرت وَمَا أَنا إِلَّا مُسلم ابْن مُسلم وَلَكِن حبست فِي كسَاء بِدِرْهَمَيْنِ سنتَيْن فَلَمَّا رَأَيْت أَمْرِي قد طَال وَلَيْسَ لي مُذَكّر يذكرنِي قلت إِنِّي مصر إِنِّي وَأَنت أَيهَا الْأَمِير مصراني وَهَذَا مصراني وَأَنا رجل من أَصْحَابك أَيهَا الْأَمِير. فَكبر طَاهِر وَدخل على الْمَأْمُون فَأخْبرهُ الْخَبَر وَأمر أَن يُوهب لَهُ ثلثمِائة دِرْهَم وَأَن يخلى سَبيله فَأمر طَاهِر بذلك.
[ ٢٠ ]
فَقَالَ الرجل: لَا وَالله أَيهَا الْأَمِير مَا أقدر أَن أَمْشِي فَادع لي بِحِمَار فَدَعَا لَهُ بِحِمَار وخلي سَبيله.
وَذكر أَبُو حسان الزيَادي: أَن الْعَبَّاس بن عبد اللَّهِ الْمَأْمُون قدم من خُرَاسَان فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ دُخُوله بَغْدَاد يَوْم الْخَمِيس لَا ربع عشرَة لَيْلَة بَقينَ من شعْبَان وَقدم مَعَه من خُرَاسَان مُوسَى وَعبد اللَّهِ ابْنا مُحَمَّد المخلوع فِي ذَلِك الْيَوْم واستقبله وُجُوه النَّاس من بني هَاشم والقواد حَتَّى دخل على أَمِير الْمُؤمنِينَ.
حَدثنَا أَبُو زَكَرِيَّاء يحيى بن الْحسن قَالَ: أَخْبرنِي مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن الْعَبَّاس ابْن مُحَمَّد قَالَ: دخل طَاهِر بن الْحُسَيْن على الْمَأْمُون وَعِنْده عبد اللَّهِ بن مُوسَى الْهَادِي فَقَالَ لَهُ الْمَأْمُون: مرْحَبًا بك يَا ذَا اليمينين. فَقَالَ لَهُ عبد اللَّهِ بن مُوسَى: وَالله مَا جعله اللَّهِ أَهلا لعينين فَكيف يمينين. فَقَالَ لَهُ طَاهِر: لَكِن اللَّهِ جعل لامك زَوْجَيْنِ. قَالَ وَيلك تعيرني بخليفتين. قَالَ: فَأمر الْمَأْمُون بِعَبْد اللَّهِ بن مُوسَى فأقيم وَكَانَت أم عبد اللَّهِ أمة الْعَزِيز أم ولد مُوسَى الْهَادِي ثمَّ تزَوجهَا هَارُون الرشيد. قَالَ: وَقَالَ بعض أَصْحَاب الْمَأْمُون يَوْمًا فِي سنة خمس وَمِائَتَيْنِ وَقد خرج إِلَى منتزه لَهُ وَمَعَهُ طَاهِر بن الْحُسَيْن فَبينا هُوَ يسايره إِذْ قَالَ لَهُ يَا أَبَا الطّيب: مَا أطول صُحْبَة هَذَا البرذون لَك؟ قَالَ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ: بركَة الدَّابَّة طول صحبتهَا، وَقلة عَلفهَا قَالَ فَكيف سيره؟ . قَالَ سيره أَمَامه، وَسَوْطه عنانه وَمَا ضرب قطّ إِلَّا ظلما.
حَدثنِي الْفضل بن مُحَمَّد الْعلوِي قَالَ: قَالَ عبيد اللَّهِ بن الْحسن لِلْمَأْمُونِ لما دخل بَغْدَاد وطاهر يُسَايِر الْمَأْمُون، ملأك اللَّهِ يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ النِّعْمَة - وَجعله مقدم سَلامَة، وأدام لَك الْعِزّ والسلامة - وَالْحَمْد لله الَّذِي تلاقا نَا عِنْد ظُهُور الْفِتْنَة وشمولها - وتراخي دَارنَا عَنْك واغترابها - بِذِي اليمينين صنيعتك - وسيفك المسلول على أهل معصيتك - فجمعنا على طَاعَتك - حَتَّى أَنا بِحَمْد اللَّهِ من عِنْد أخرانا كالنبال المطرورة نصالها - المقومة صعارها - إِن نقرتها حنت لَك وَإِن أزللتها - عَن كبد قوسك شكت عَدوك - فنسأل اللَّهِ أَن يحسن جزاءك - عَنَّا -
[ ٢١ ]