قَالَ احْمَد بن أبي طَاهِر: قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى الهزوي: حَدثنِي أَبُو زيد مُحَمَّد هَانِئ قَالَ: كَانَ ذُو اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن يَقُول: لَا تستعن بِأحد فِي خَاص عَمَلك إِلَّا من ترى أَن نِعْمَتك نعْمَته تَزُول عَنهُ بزوالها عَنْك وتدوم عِنْده بدوامها لَك. قَالَ: ثمَّ الْتفت إِلَى أبي زيد أَو إِلَى من كَانَ يحدثه فَقَالَ لَهُ: لَا يكون هَذَا إِلَّا عِنْد من أكمله اللَّهِ بِالْعقلِ ثمَّ قَالَ مُحَمَّد بن هَانِئ مقرظا لذِي اليمينين: أَو تعلم لما جعله بِالْعقلِ كَامِلا، قَالَ مُحَمَّد بن عِيسَى الهزوي: فَقلت لَهُ نعم. لِأَن الْآدَاب والعلوم لَو حويت لرجل وَمنع الْعقل لَكَانَ منقوصا مَدْخُولا، وَلَو حرم الْآدَاب وَكَانَ مطبوعا على الْعقل مركبا ذَلِك فِيهِ كَانَ تَاما كَامِلا يدبر بِهِ أَمر الدُّنْيَا وَالْآخِرَة قَالَ: صدقت. توقيع لذِي اليمينين طَاهِر بن الْحُسَيْن إِلَى يحيى بن حَمَّاد الْكَاتِب النَّيْسَابُورِي
قلَّة نظرك لنَفسك حرمتك سني الْمنزلَة، غفلتك عَن حظك حطتك عَن درجتك وجهلك بِموضع النِّعْمَة أحل بك الْغَيْر وَالنعْمَة، وعماؤك عَن سَبِيل الدعة أسلكك فِي طَرِيق الْمَشَقَّة حَتَّى صرت من قُوَّة الأمل معتاضا شدَّة الوجل، وَمن رَجَاء الْغَد معقبا بإياس الْأَبَد، حَتَّى ركبت مَطِيَّة الْخَوْف بعد مجْلِس الْأَمْن والكرامة، وصرت موضعا للرحمة بعد أَن تكنفتك الْغِبْطَة على أَنِّي أرى أمثل أمريك ادعاهما للمكروه
[ ٧٠ ]
إِلَيْك، وأنفع حالتيك أضيقهما متنفسا بقول الْقَائِل: -
(إِذا مَا بدأت أمرءا جَاهِلا ببر فقصر عَن حمله)
(وَلم تلفه قَائِلا بالجميل وَلَا عرف الْعِزّ من ذله)
(فسمه الهوان فَإِن الهوان دَوَاء لذِي الْجَهْل من جَهله)
وَقد قَرَأت كتابك بإغراقك وإطنابك فَوجدت أرجأه عنْدك آيسه لَك، وأرقه فِي نَفسك أقساه لقلبي عَلَيْك، وَمن صافه مَا أذهبت وخامره مَا ذكرت خرس عَن تشقيق وتزويق الْكَذِب والآثام، ولعمري لَوْلَا تعلقك مني بِحرْمَة المعاينة، واتصالك مني بِسَبَب الْمُفَاوضَة، وإنحائي بهما لمن نالهما بسط الْمَنْفَعَة، وَقبض الْأَذَى والمعرة مَعَ إستدامتي النِّعْمَة بِالْعَفو عَن ذِي الجريمة، واستدعائي الزِّيَادَة بالتجاوز عَن ذِي الهفوة، واستقالتي العثرة بإقالة الزلة لنا لَك من عقوبتي مَا يُؤْذِيك، ومسك من سطوتي مَا ينهكك، وَبِحَسْبِكَ مَا أجترمته لنَفسك من الْعَجز ذلا وجهلا، وَمَا أخلدت إِلَيْهِ من الخمول وضعا، وَبِمَا حرمته من الْفضل عُقُوبَة ونقصا، وَفِي كِفَايَة اللَّهِ غنى عَنْك، وَفِي عَادَته الجميلة عوض مِنْك، وحسبنا اللَّهِ وَنعم الْوَكِيل أقوى معِين وَأهْدى دَلِيل.
وَهَذَا نُسْخَة كتاب يحيى بن حَمَّاد الَّذِي هَذَا التوقيع جَوَاب عَنهُ لما حَبسه لتَركه مَا أَرَادَ أَن يقلده من كِتَابَته.
" بِسم اللَّهِ الرَّحْمَن الرَّحِيم: تمم اللَّهِ للأمير السَّلامَة، وأدم لَهُ الْكَرَامَة، وَوصل نعْمَة عَلَيْهِ بِالزِّيَادَةِ، وقوى إحسانه إِلَيْهِ بالسعادة ضعف صبري أعز اللَّهِ الْأَمِير عَمَّا أقاسي من ثقل الْحَدِيد، ومكابدة الهموم، ومصاحبة الوحشة فِي دَار الغربة عَن انْقِطَاع الْأَهْل، وَتعقب الوحل، واستخلاف الْبلَاء من وثيق الرَّجَاء وتذكري مَا أفاتني الْقَضَاء الْمَاضِي من رأى الْأَمِير أعزه اللَّهِ فِي، وموجدته على، لقد تخوفت أَن يسْرع لُزُوم الفكرة إيَّايَ فِي فسادي، وَيصير بِي تمكن الْهم إِلَى تغير حَالي وَلَوْلَا أَن سخط الْأَمِير ايده اللَّهِ لَا يصبر عَلَيْهِ، ووجده لَا يُقَام لَهُ لرأيت الامساك عَن
[ ٧١ ]
ذكر أَمْرِي وشكوى مَا بِي إِلَى أَن يستوى غيرما أَنا فِيهِ لسرور مَا كنت صرت إِلَيْهِ من أكرام الْأَمِير أيده اللَّهِ وبره وتشريفه وتقريبه، ولعمري أَن شَدِيد مَا أقاسي وَلَو دَامَ حينا من دهري ليصغر عِنْد لَحْظَة لحظها إِلَى ببره فضلا عَن رَأْيه الَّذِي جلّ عَن قدري، وَعجز عَن أحتماله شكري، وَقد تبين للأمير أعزه اللَّهِ أَمْرِي، وَتَحْقِيق شأني، فَإِن كَانَ مَا أَنا فِيهِ للهفوة الَّتِى كَانَت مني، وَالْجِنَايَة الَّتِي جنيتها على نَفسِي بِالْجَهْلِ بصباي، فقد وضع اللَّهِ عَن الصَّبِي فَرَائِضه علما بِحَالهِ وَكَانَت حَالي فِي الصباء قريبَة من حَاله، والأمير أعزه اللَّهِ أولى من عطف فِي ذَات اللَّهِ عَن زلتي، وأحتسب الْأجر فِي أقالة عثرتي وهفوتي؛ فَإِن رَأْي الْأَمِير أبقاه اللَّهِ أَن يَأْمر بِالدُّعَاءِ بِي وأستماع مني فعل منعما إِن شَاءَ اللَّهِ ".
قَالَ: وَوَقع طَاهِر فِي قصَّة رجل متظلم من إصحاب نصر بن شبث: طلبت الْحق فِي دَار الْبَاطِل -. وَوَقع فِي قصَّة قهرمان لَهُ شكا سوء مُعَاملَة: - أسمح يسمح لَك -. قَالَ: وَوَقع إِلَى رجل يطْلب قبالة بعض أَعماله: - القبالة فَسَاد وَلَو كَانَت صلاحا لم تكن لَهَا موضعا.
قَالَ: وَوَقع إِلَى السندي بن شاهك جَوَاب كِتَابه إِلَيْهِ يسْأَله الْأمان: - عش مَا لم أرك -. وَوَقع إِلَى خُزَيْمَة بن خازم فِي كِتَابه إِلَيْهِ -. الْأَعْمَال بخواتهما، والصنيعة بإستدامتها، وَإِلَى الْغَايَة مَا جرى الْجواد يحمد السَّابِق ويذم السَّاقِط -. وَوَقع إِلَى الْعَبَّاس ابْن مُوسَى استبطاءه فِي خراج الْكُوفَة: -
(وَلَيْسَ أَخُو الْحَاجَات من بَات ساهرا وَلَكِن أَخُوهَا من يبيت على وَجل)
وَوَقع فِي قصَّة رجل شكا أَن بعض قواده نزل فِي دَار لَهُ وفيهَا حرمه -. إِذا رَأَيْته فِي نَاحيَة دَارك فقد حل لَك قَتله - وَوَقع فِي قصَّة رجل ذكر أَن أَخَاهُ قتل فِي طَاعَة الْمَأْمُون - سالك طَاعَة اللَّهِ وَهُوَ ولي جزاءه - وَوَقع فِي قصَّة رجل ذكر أَنه قتل فِي يَوْم وَاحِد عشرَة من أَصْحَاب المخلوع - لَو كنت كَمَا وصفت لم يُخَفف علينا مَا ذكرت - وَوَقع فِي قصَّة رجل ذكر أَن منزله أحرق بالنَّار - أخطاءك من قصدك -.
[ ٧٢ ]
قَالَ: وَدخل على طَاهِر بن الْحُسَيْن ذِي اليمينين كَاتب الْعَبَّاس بن مُوسَى وَكَانَ ركيكا فَقَالَ: أَخِيك إِن مُوسَى يُقْرِئك السَّلَام. قَالَ: وَمَا تلِي من أمره؟ قَالَ: أَنا كَاتبه الَّذِي أطْعمهُ الْخبز فَوَقع - يعْزل الْعَبَّاس بِسوء اخْتِيَاره للإكفاء - وَوَقع فِي قصَّة رجل مَحْبُوس - يخرج وَلَا يحوج - وَوَقع فِي قصَّة آخر -. يُطلق وَيعتق -. وَوَقع فِي قصَّة مستمنح -. يبل حَاله -. وَوَقع فِي قصَّة مستوصل -. يُقَام أوده -. وَوَقع فِي قصَّة مستجير - أَنا جَاره -. وَوَقع فِي قصَّة مستأمن -. يُؤمن سربه -. وَوَقع فِي قصَّة قَاتل -. لَا يُؤَخر قَتله -. وَوَقع فِي قصَّة شَاعِر -. يعجل ثَوَابه -. وَوَقع فِي قصَّة لص -. ينفذ حكم اللَّهِ فِيهِ -. وَوَقع فِي قصَّة ساع -. لَا يلْتَفت إِلَيْهِ -. وَوَقع فِي قصَّة قوم شغبوا على عاملهم -. الشغب للفرقة سَبَب، فلتمح أَسمَاؤُهُم، وَيحسن آدابهم، وَيقطع بِالنَّفْيِ آثَارهم