[ ١٠٩ ]
نقد مقدمة التحرير
لم يكن أمرًا ميسورًا أن أتناول مقدمة المحررين بالنقد والتمحيص، ولا سيما أنها كانت في أكثر المواضع تحتاج إلى كلمة فصل، أو بيان معيار، أو توضيح منهج، وكانت تمتاز بالغموض، ومحاولة وضع قواعد جديدة لعلم الجرح والتعديل، لا تخلو من مجازفات وعوز في استقراء الجزئيات التي بنيت عليها تلك القواعد الكلية.
والذي أسعفني في مهمتي هذه التناقض الواضح الذي لا يخفى على لبيب، وإصدار أحكام هي برمتها محض وهم وإيهام، وهما لم يضعا لأكثرها أدلة تعين الباحث على فهم مرادهما، إذ كان وكد المحررين فيها شد أفكار القراء والمختصين إلى قواعدهما المصطنعة حتى إذا ما صدرا حكمًا، أذعن لذلك الغمر وكأنه نص: "ولا اجتهاد في مورد النص".
ولكنني بعد التوكل على اللَّه إثر القراءة المتمعنة المتكررة، وجدت للمحررين جملة من الأغاليط التي يترفع عن الوقوع بها أدنى طالب علم.
وفي سبيل جعل أوهام المحررين ميسورة للقارئ الكريم جعلتها على فقرات مرتبة حسب ورودها في مقدمتهما، ذاكرًا رقم الصفحة في البدء، ثم أتكلم عليها بما يمن اللَّه تعالى به علي، وهو وحده المسئول أن يسددني في قول الحق والنطق به.
أولًا: (ص ٧): بداية الحمدلة في خطبة مقدمتهما انطوت على أخذ عجيب لمقدمة العلامة ابن قيم الجوزية ﵀ لسفره الشهير "زاد المعاد" وبلغ هذا الأخذ (٢٦) كلمة (انظر: زاد المعاد ١/ ٥ بتحقيق المحرر الثاني الشيخ شعيب).
[ ١١١ ]
والنص المأخوذ: "ونشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، كلمة قامت بها الأرض والسماوات، وخلقت لأجلها جميع المخلوقات، وبها أرسل اللَّه تعالى رسله، وأنزل كتبه".
كذا أخذوه بحروفه، ولم يشيرا إليه، ولم يغيرا منه شيئًا سوى ما في أوله، فابن القيم قال: "أشهد" وهما قالا: "نشهد"؛ لأنهما اثنان.
ولربما ظن ظانٌّ أن هذا قد يكون من باب التوافق، وهو أمر وارد لولا أن أحد المحررين حقق كتاب زاد المعاد -وهو أخبر بما فيه من غيره- والآخر: قد أشار إلى اقتباسه من مقدمة ابن القيم؛ وذلك في تقديمه لكتاب الشمائل للإمام الترمذي (ص ٥).
ثانيًا: (ص ١٣) في الفقرة (٣): نصَّا على أن الحافظ ابن حجر في اختصاره لتهذيب الكمال، حذف الأخبار التي لا تدل على توثيق أو تجريح وفي هذا حرمان للباحثين من مادة تاريخية أصيلة. . . إلخ كلامهما.
أقول: يعلم المحرران أن نهج ابن حجر في "تهذيب التهذيب" قائم على الاختصار، وهذا قد يكون الدافع الغالب للحافظ ابن حجر ﵀ لتصنيف هذا الكتاب، وقد نص في مقدمة مختصره على هذا (١/ ٣) فقال: "بيد أنه أطال وأطاب، ووجد مكان القول ذا سعة فقال وأصاب؛ ولكن قصرت الهمم عن تحصيله لطوله".
ويتجلى من هذا أن الحافظ ابن حجر لم يحرم الباحثين من المادة التاريخية التي يزعمها المحرران، بل: كان وكده اختصار الكتاب، اتكالًا على أن ما يحذف من الأصل موجود فيه، وأنه أراده كتابًا خالصًا في علم الجرح والتعديل؛ بدلالة أنه يضيف كثيرًا من الأقوال التي لم يذكرها الحافظ المزي -مهما كان مصدره في ذكرها- وفي هذا زيادة للمادة التاريخية التي غفل أو تغافل المحرران عن الإشارة إليها، وأشار إليها الحافظ في مقدمته للتهذيب (١/ ٧) فقال: "وأحذف كثيرًا من أثناء الترجمة إذا كان الكلام المحذوف لا يدل على توثيق ولا تجريح، ومهما ظفرت به بعد ذلك من تجريح وتوثيق ألحقته".
[ ١١٢ ]
ثالثًا: (ص ١٣) الفقرة (٤): أشارا فيها إلى أن رجوع الحافظ ابن حجر إلى مصادر مغلطاي، الأصلية فيه نظر، استنادًا إلى وقوع الحافظ أحيانًا في بعض أوهام مغلطاي، وأحالا الأمر إلى تعليقاتهما على تهذيب الكمال (كذا قالا وتهذيب الكمال، إنما حققه الدكتور بشار وحده!!).
أقول: لئن كان الحافظ ابن حجر وقع في بعض الأوهام التي وقع فيها العلامة مغلطاي، فإن هذا لا يستدعي بالضرورة الحكم على الحافظ ابن حجر بعدم الأصالة في نقله للزيادات على تهذيب الكمال؛ وذلك لأن ما ادعاه المحرران قليل بالنسبة إلى ما أصاب فيه: "والعبرة بالكثير الشائع لا بالقليل النادر" وما المانع من أن يكون الأصل الذي رجع إليه الحافظ ابن حجر سقيمًا مثل الأصل رجع إليه مغلطاي، وهو أمر وارد في ذلك الزمان، كما حصل للحافظ ابن حجر في نسخته من ثقات ابن حبان، إذ نص على سقمها. (انظر: لسان الميزان ٢/ ٤٤٢).
ثم لو سلمنا لهما جدلًا بمدعاهما، أليس من أصول البحث العلمي تدعيم النتيجة بالأدلة، وهما تركا الأمر معلقًا بإشارتهما إلى التعليقات على تهذيب الكمال إجمالًا وهو أمر فيه ما فيه، لا سيما إذا علمت أن تهذيب الكمال في طبعته الأولى بلغت مجلداته خمسة وثلاثين مجلدًا، فعلى الباحث أن يكشف فيها جميعها حتى يصل إلى مبتغاه إن كان موجودًا.
رابعًا: (ص ١٥) الفقرة (١): قالا فيها: "إن الحافظ ابن حجر لم يحرر الأحكام في هذا الكتاب تحريرًا كافيًا لا سيما في الرواة المختلف فيهم".
أقول: إن الحافظ ابن حجر قد استفرغ وسعه في تحرير هذه الأحكام، وهو مجتهد فيها والاجتهاد: "بذل المجهود واستفراغ الوسع في فعل من الأفعال" (^١)، وهو مأجور -إن شاء اللَّه- في صوابه وخطئه، إذ ليس من شرط المجتهد أن يكون معصومًا.
_________________
(١) المستصفى (٢/ ٣٥٠)، وانظر: المحصول (٢/ ٤٨٩).
[ ١١٣ ]
وقد ظل من سنة ٨٢٧ هـ إلى قبيل وفاته بعامين يعني سنة ٨٥٠ هـ باعتراف المحررين ص ١٤ - يزيد وينقص، ويضيف ويعدل، وهذا يعني أنه كان على قناعة تامة بما أصدره من أحكام، وهو يمثل الذروة في جهوده النقدية في علم الرجال.
ثم إن منهج الحافظ ابن حجر في الرواة المختلف فيهم قائم على أساس الحكم على الراوي: "بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة". (التقريب ١/ ٢٤ طبعة مصطفى عبد القادر)، ولئن كانت العبارات لم تسعفه في الحكم على راوٍ أو اثنين فليس هذا بنقيصة تذكر عليه بل هي مزية أن تكون أخطاؤه قد حصرت، قال الشاعر:
ومَنْ ذَا الَّذِي تُرْضَى سَجَايَاهُ كُلُّهَا … كَفَى الْمَرْءَ نُبْلًا أَنْ تُعَدَّ مَعَايِبُهُ
خامسًا: (ص ١٥) الفقرة (٢): قالا فيها: "ولم نكن نعلم أن هذه الأحكام اجتهادية قابلة للأخذ والرد، وليست قطعية".
أقول: هذا كلام في غاية البرودة، وأوله يخالف آخره، وهو برمته غير جيد وماذا كان يعلم المحرران في أول الأمر؟ وهل قادهما ظنهما إلى أنها قطيعة؟ ومتى كان ذلك وكيف؟ ثم أود أن أسألهما: منذ متى كان كلام بشر غير الأنبياء قطعيًّا؟
فإن كانا يجهلان ذلك فهي كارثة لمن يزعم التحرير!؟
سادسًا: (ص ١٥) الفقرة (٣) قالا فيها: "ولم نتبين أن ابن حجر يتناقض في أحكامه تناقضًا عجيبًا، فهو يوثق الرجل هنا أو يضعفه، ويضعفه أو يوثقه في كتاب آخر من كتبه ".
أقول: إن ما عده المحرران تناقضًا، وليس من باب التناقض البتة، بل: هو من باب تغير الاجتهاد واستجداد قرائن أخر في نفس الحافظ أدت إلى ذلك الحكم والمعول عليه هنا: هو حكمه في التقريب، إذ هو من آخر ما أنهاه من تصانيفه باعتبار الالحاقات التي أضافها والاستدراكات التي استدركها. (انظر: دراسة الشيخ محمد عوامة ص ٣٦).
[ ١١٤ ]
سابعًا: (ص ١٧): ألمح المحرران إلى تجريد ابن حجر من أي جهد علمي في هذا الكتاب؛ وذلك من خلال تقسيم رجال التقريب إلى أربعة أقسام: الصحابة وهم عدول، والثقات المجمع على توثيقهم، والضعفاء المجمع على تضعيفهم والرابع: الرواة المختلف فيهم، وهم الذين تتضح فيهم معالم النقد والسبر، فقالا عن صنيعه في هذا القسم: "استعمل لهم تعابير غير محددة فقال فيهم: "صدوق يهم" أو "صدوق يخطئ"، أو ما يشبه ذلك من غير دراسة عميقة لأحوالهم، فكأنه يطالب القارئ بدراسة كل حديث من حديث هؤلاء على حدة. . . إلخ كلامهما.
أقول: ليس الحافظ ابن حجر بحاجة إلى ذكر مآثره، وهو من هو في نقد المتون وعلم العلل والرجال، ومؤلفاته خير شاهد على ذلك.
أما كونه لم يأت بجهد في هذا الكتاب بالنظر إلى تقسيمهما العجيب الغريب فأحق منه بهذا الوصف صاحب أصل أصله وهو الحافظ المزي، إذ الرجال هناك عينهم هنا، بل زاد الحافظ هنا فصنع ما لم يصنعه المزي فحكم على كل راوٍ بحكم يليق بحاله.
ودلل المحرران على انتقادهما بأنه استعمل تعابير غير محددة، وهذا إجحاف للحافظ فقد سبق أنه يحكم على الراوي بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وهذا دال على دراسته العميقة لأحوالهم، وسبره التام لما قيل فيهم على نقيض ما ادعاه المحرران.
ومطالبته بدراسة حديث واحد كل راوٍ على حدة، يقوم على نهج المحدثين في سبر كل حديث، إذ ليس كل ما رواه الثقة صحيحًا، وإطلاقه لمثل هذه الألفاظ على الثقات الذين لهم أوهام معدودة إشارة إلى وجودها في بعض حديثهم، وهو حَريٌّ منه على منهجه في اختصار الكتاب، إذ المقام لا يتسع لعد تلك الأوهام، ولو أطلق القول بتوثيقه لاغتر بها بعض الناس، ولعدت قصورًا من بعض من لم يفهم صنيعه.
[ ١١٥ ]
ثم إن المحررين قررا (ص ٢٣) هذا الأمر -دراسة أحاديث الراوي- ونصا عليه فكان من مبلغ تناقضهما، فقالا: "وهذه المرحلة هي المرحلة الأكثر أهمية في تاريخ الجرح والتعديل، وهي التي ينبغي أن تتبع اليوم ولا سيما في المختلف فيهم، إذ يتعين جمع حديثهم، ودراسته من عدة أوجه. . . إلخ فانظر كيف يبنيان أساسًا ثم يهدمانه، كمن نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثًا (^١).
وهذا الذي قرراه مجرد تنظير منهما، والكتاب بمجلداته الأربعة يخلو من هذا المنهج أصلًا، وأنا أتحداهما أن يأتيا بمثل واحد كان دليلهما في الحكم عليه سبر حديث الراوي، ودراسة مروياته!!
ثامنًا: (ص ١٧): قالا: "لكل هذا رأينا أن من أهم الواجب علينا (^٢) إعادة دراسة أحكام هذا الكتاب دراسة علمية متأنية قائمة على دعامتين رئيستين:
الأولى: ما تجمع لدينا من أحكام أثناء قيامنا بتحقيق "تهذيب الكمال" وما استدركناه عليه من أقوال في الجرح والتعديل مما لم يقف عليه هو أو المعنيون بكتابه من المختصرين والمستدركين.
الثانية: ما يسر اللَّه سبحانه لنا من خبرة عملية بالرجال وأحاديثهم بعد قيامنا بتحقيق عدد من أمهات دواوين السنة النبوية، وتخريج أحاديثها والحكم على أسانيدها في مدة تزيد على ثلاثين عامًا".
أقول: أما عمَّا سمياه دعامة أولى، فعدم ذكر ابن حجر له لا يستدعي عدم وقوفه عليه، وهو الخبير العالم بالرجال، بدليل أنه ينقل في كتبه الأخرى أقوالًا في الجرح والتعديل، وليست هي في التهذيبين.
_________________
(١) في هذا إشارة إلى قوله تعالى: ﴿كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾ [النحل: ٩٢]
(٢) وأنا رأيت أن من أهم الواجب علي إعادة دراسة أحكام هذا الكتاب (التحرير) دراسة علمية متأنية، بل أعتقد أن ذلك فرض عين علي بعد خمول الجميع عن التصدي له.
[ ١١٦ ]
وأما الثانية: فإن كانا يتبجحان بثلاثين عامًا في صنعة الحديث، فالحافظ ابن حجر أمضى قرابة الثلاثين عامًا في تنقيح وتهذيب تقريبه، ليكون عَلَمًا تقر به عينه، وعيون محبيه ومحبي السنة المطهرة.
وبدهي أن من أمضى في كتاب واحد قرابة الثلاثين عامًا، له خبرة أكبر وأعمق وأدق ممن أمضى ثلاثين عامًا في عدة كتب ملؤها التغيير بلا تحرير، والنقل من غير إشارة، والحكم بلا استقصاء.
تاسعًا: (ص ١٨): قالا: "لقد شاع بين الناس أن النقد الحديثي يقوم على الإسناد والنظر فيما قرره النقاد الجهابذة من أحوال الرواة جرحًا أو تعديلًا وهو أمر يحتاج إلى دراسة وإيضاح، فالنقد الحديثي فيما نرى مر بمراحل. . . إلخ".
أقول: أي أناس قد شاع بينهم هذا الكلام، فإن كانوا عوامَّ فلا اعتداد بموافقتهم، فكيف بمخالفتهم؟
وإن كانوا أهل اختصاص فمن هم؟ والمقرر في كتب المصطلح: أن صحة الإسناد لا تقتضي صحة المتن (انظر: معرفة أنواع علم الحديث:).
أم هو مجرد إلقاء للكلام على عواهنه حتى وإن انطوى على أخطاء جوهرية توطئة للدخول في تقسيمهم السقيم -والذي سأنتقده أيضًا- إن شاء اللَّه تعالى؟
عاشرًا: (ص ١٨): قالا: "المرحلة الأولى: وتقوم على نقد المتون وعلى أساسها تم الكلام في الرواة جرحًا وتعديلًا، وهي مرحلة تمتد من عصر الصحابة حتى نهاية النصف الأول من القرن الثاني الهجري. . . إلخ".
أقول: إن تقسيمهما هذا، قول مخترع غير مسبوق قائله بمثله، ومبناه الوهم وثمرته التخليط، فهذه المرحلة بنصهما ما عاش فيها إلا الصحابة وبعض كبار التابعين حتى نهاية القرن الأول الهجري، ولم يتكلم في المتون نقدًا في ذلك الوقت سوى الصحابة ﵃ أجمعين- ولم يمثل المحرران إلا
[ ١١٧ ]
باعتراضات الصحابة بعضهم على بعض، ولم يؤثر عن أحد منهم تجريح للآخر، فلعل المحررين يريدان على أساسهما هذا أن يتكلما في صحابة رسول اللَّه-ﷺ!
ويوافقني على ما ذهبت إليه إمام المؤرخين الحافظ الذهبي في كتابه "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" (ص ١٦٠ - ١٦١) إذ يقول: "وسبب قلة الضعفاء في ذلك الزمان: قلة متبوعيهم من الضعفاء، إذ أكثر المتبوعين صحابة عدول، وأكثرهم من غير الصحابة بل عامتهم: ثقات صادقون، يعون ما يروون، وهم كبار التابعين، فيوجد فيهم الواحد بعد الواحد فيه مقال كالحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة، ونحوهما".
ثم قال: "ثم كان في المئة الثانية في أوائلها جماعة من الضعفاء، من أوساط التابعين وصغارهم، ممن تكلم فيهم من قبل حفظهم أو لبدعة فيهم".
حادي عشر: (ص ٢٢): قالا: "والثاني: أن يعرض حديثه على المتون الصحيحة التي هي بمنزلة قواعد كلية، وهي القرآن الكريم وما ثبت من الحديث". . . إلخ.
أقول: من أين للمحررين هذا العلم؟! ومنذ متى يسمى القرآن الكريم: "متنًا"! وهذه تسمية ما سمعنا بها من قبل قراءتنا لتحريرهما المزعوم، فإن كان لهما مساعد من جهة اللغة -ولا نظنهما استرشدا به- فكان الأولى بهما التأدب مع كلام رب العزة، ومراعاة العرف السائد في تسميته نصًّا، ثم نتنزل معهما في التسمية، فقولهما: "بمنزلة قواعد كلية" كلام لا يُرتضى، ولا ندري كيف قالا به، فنصوص القرآن بمنزلة قواعد أم هي القواعد بعينها؟ بل: إن القواعد الأخرى تحكمها نصوص القرآن؛ ولأن القرآن هو الذي يقعد القواعد ويؤصل الأصول، ولا يعارضه شيوع قياس أو فشو لغة فحسبنا اللَّه، ولا حول ولا قوة إلا به.
ثاني عشر: (ص ٢٧): قالا: "ومالك بن أنس روى عن عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، وهو ضعيف".
أقول: سبق منهما (ص ١٥) قولهما: "ولم نتبين أن ابن حجر يتناقض في
[ ١١٨ ]
أحكامه تناقضًا عجيبًا، فهو يوثق الرجل هنا أو يضعفه، ويضعفه أو يوثقه في كتاب آخر من كتبه".
فهذا الأمر الذي وسما به الحافظ ابن حجر هو عين صنيعهما؛ إذ إنهما كثيرا التناقض فيما يوردانه من أحكام في كتابهما هذا وبين ما يوردانه في غيره، فالدكتور بشار في تعليقه على الموطأ (١/ ٢٢٥ برواية الليثي) (^١) قال في الهامش رقم (٢) ما نصه: "قلت: قد أكثر الناس من الكلام في رواية مالك عن هذا الشيخ الضعيف، وذكروا أنه اغتر بحسن سمته، وأنه لم يكن من أهل بلده ليعرفه، واعتذروا عن مالك من أجل ذلك بمعاذير شتى، والحق أن الإمام مالكًا لم يرو عن هذا الشيخ الضعيف أي حديث مرفوع، فهذا الذي تقدم لا يفهم منه أن مالكًا قد روى عنه حديثًا مرفوعًا، وإنما هذا من قول ابن أبي المخارق كما تدل عليه الصناعة الحديثية، فهو ينقل ما هو شائع عند الناس من أحاديث صحيحة عن النبي ﷺ وهو ليس من باب الرواية -واللَّه أعلم-".
فالدكتور بشار نص هنا على أن هذا لا يعد رواية من الإمام مالك عن ابن أبي المخارق، فأثبت في تحريره رواية الإمام مالك عنه، وجزم بنفيها في الموطأ فكان من مبلغ دقته وتثبته!! والموطأ طبع سنة ١٩٩٦ م (كذا)، والتحرير طبع بعده بعام فما له هدم ما أشاده وبناه.
ثالث عشر: (ص ٢٩): تكلما فيه عن تخريج الشيخين، هل يعد توثيقًا أم لا؟ وخرجا بأربع نتائج أستخلصها فيما يأتي:
١ - أن كل من روى عنه البخاري ومسلم في الحلال والحرام والأصول ثقة عندهما.
_________________
(١) وهو يحيى بن يحيى الليثي، وروايته أشهر روايات الموطأ في الأندلس، توفي سنة (٢٣٤ هـ) وكذا كتب الدكتور بشار في مقدمته للموطأ (١/ ٩) مخالفًا ما أثبت في طرة الكتاب، فكتب سنة الوفاة (٢٤٤ هـ) في ستة مواضع، فكان عليه أن يحرر هذا وما شاكله قبل أن يشرع في تحرير كتاب التقريب.
[ ١١٩ ]
٢ - أنهما انتقيا من رواية المتكلم فيهم ما علما صوابه فيه، وهذا غالبًا لا يكون في الحلال والحرام.
٣ - لم يلزما نفسيهما بالتخريج عن الثقات في المتابعات والشواهد، وكذلك في، التعاليق ثم قالا: "ويتعين اعتبار هذه الأمور عند الحكم على كل راو ممن أخرج له الشيخان في صحيحهما أو أحدهما، وبه أخذنا في "تحرير أحكام التقريب"".
أقول: معاذ اللَّه أن يكون المحرران قد أخذا بشيء من هذا في تحريرهما، فقد جاء التحرير عن غير سبيل واضحة أو منهج ثابت، فقد التزما منهج تخطئة ابن حجر كلما وجدا إلى ذلك سبيلًا، فكم من ثقة أخرج له الشيخان في الأصول تكلما فيه؛ لأن ابن حجر وثقه (انظر: كتابنا "كشف الإيهام" التراجم: ١٨٥، ٤٧١، ٤٨٦).
وكم من راوٍ في حفظه شيء أخرج له الشيخان في المتابعات والشواهد والتعاليق وثقاه تعقبًا لابن حجر؛ لأنه غمز حفظه، مدللين على ذلك برواية الشيخين عنه (انظر: كتابنا "كشف الإيهام" التراجم: ٩، ١٩، ٥٠، ٦٤، ١٠٧، ١٦١، ٢٦٤، ٤٦٧، ٤٦٨).
فإلى اللَّه المشتكى وإليه المرجع والمآب.
رابع عشر: (ص ٣٢): قالا: "هذا الموقف المضطرب من توثيق ابن حبان والعجلي وابن سعد وأضرابهم، والذي يمكن تقديم عشرات الأمثلة عليه لا يمكن إحالته على سبب من الأسباب، سوى الابتعاد عن المنهج وخلو الكتاب منه، ومثله مثل مئات التراجم التي لم يحررها تحريرًا جيدًا، بحيث ضعَّف ثقات، ووثق ضعفاء، وقبل مجاهيل، واستعمل عبارات غير دقيقة في المختلف فيهم مما سيجده القارئ الباحث في مئات الانتقادات والتعقبات التي أثبتناها في "تحرير أحكام التقريب"".
أما القاعدة الصحيحة في الموقف من توثيق ابن حبان، فهي كما يلي:
[ ١٢٠ ]
١ - ما ذكره في كتابه "الثقات" وتفرد بالرواية عنه واحد -سواء أكان ثقة أم غير ثقة- ولم يذكر لفظًا يفهم منه توثيقه، ولم يوثقه غيره، فهو يعد مجهول العين، وهي القاعدة التي سار عليها ابن القطان الفاسي وشمس الدين الذهبي، ولهما فيها سلف عند الجهابذة، فقد قال علي ابن المديني في جري بن كليب السدوسي البصري: "مجهول لا أعلم روى عنه غير قتادة"، وقال في جعفر بن يحيى بن ثوبان: "شيخ مجهول لم يرو عنه غير أبي عاصم الضحاك بن مخلد النبيل"، وقال أبو حاتم الرازي في حاضر بن المهاجر الباهلي: "مجهول" مع أن شعبة بن الحجاج روى عنه.
٢ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" وروى عنه اثنان، فهو مجهول الحال.
٣ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" وروى عنه ثلاثة، فهو مقبول في المتابعات والشواهد.
٤ - إذا ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" وروى عنه أربعة فأكثر، فهو صدوق حسن الحديث.
٥ - إذا صرح ابن حبان بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تدل على التوثيق، فمعنى هذا أنه فتش حديثه فوجده صحيحًا مستقيمًا موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يوثق مثله مثل أي توثيق لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل.
٦ - أما تضعيفه، فينبغي أن يعد مع الجهابذة المجودين، لما بينه في كتابه من الجرح المفسر، وربما يعترض معترض علينا في عدم اعتبار ذكر ابن حبان لراوٍ تفرد عنه الواحد والاثنان في "الثقات"، فنقول: إن ابن حبان ذكر في "الثقات" كل من لم يعرف بجرح، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يدل على توثيق أصلًا، فقد قال في "الثقات" مثلًا: "سلمة، يروي عن ابن عمر، روى عنه سعيد بن سلمة، لا أدري من هو ولا ابن من هو"! وقال في موضع آخر: "جميل، شيخ يروي عن أبي المليح بن أسامة روى عنه
[ ١٢١ ]
عبد اللَّه بن عون، لا أدري من هو ولا ابن من هو" وقال في ترجمة الحسن بن مسلم الهذلي: "يروي عن مكحول روى عن شعبة، إن لم يكن ابن عمران فلا أدري من هو".
أقول مستعينًا باللَّه: انطوى كلامهما هذا بطوله على جملة من التوهمات والقواعد الباطلة والتناقضات الواضحة، اقتصر الرد فيها على الأمور الآتية:
أولًا: وصفهما لكتاب ابن حجر بالخلو من المنهج والابتعاد عنه، تهمة قذفا بها الحافظ وهي بهما أحق، ومن خلال تتبعي لتراجم تحريرهما وقفت على جملة أشياء، تثبت بما لا يقبل الشك، خلو تحريرهما من المنهج، وافتقارهما إلى سبيل واضحة يسيران عليها، الأمر الذي نجم عنه ظهور ما يأتي:
١ - من بديهيات علم التحقيق: أن المحقق يسير على طريق واضحة، يتخذها نهجًا له في الكتاب كله، والمحرران تجردا في تحقيقهما لنص التقريب من أي منهج، ومن الأمثلة على هذا أنهما اضطربا في مسألة إثبات الصواب في المتن أو الهامش، وسأجلي لك عظم هذا الاضطراب من الإحصائية الآتية:
(أ) أثبتا الصواب في الأصل، وأشارا إلى الخطأ في الهامش (^١)، في مئة وثمان وعشرين (١٢٨) ترجمة، وإليك أرقامها:
عقيب: ٨٥، ٣٩٥، ٥٣٥، ٥٤٩، ٥٥٨، ٥٩٨، ٦٠١، ٦٠٩، ٧٧٣، ٨٨٢، عقيب: ٩٠١، ٩٠٧، ١٠٩٢، ١٤٥٩، ١٥٢١، ١٥٨٠، ١٥٩٩، ١٦١٨، ١٦٢٠، ١٦٦٤، ١٨٧٥، ١٩٩٧، ٢٠٢٤، ٢٢٠٧، ٢٤٤٢، ٢٦٠٠، ٢٦٦٩، ٢٧٦٣، ٢٨٢٣، ٢٩٠٠، ٢٩١٢، ٢٩٤٩، ٣٢٨٨، ٣٣٢٧، ٣٣٨٨، ٣٤٣٦، ٣٥٠٣،
_________________
(١) علمًا أن من قواعد تحقيق المخطوطات: أن تحقيق أي كتاب على نسخة بخط المؤلف يقتضي إثبات النسخة كما هي، والإشارة إلى ما هو خلافها في الهامش.
[ ١٢٢ ]
٣٥١٠، ٣٥٣٩، ٣٥٧٧، ٣٦١٦، ٣٦٥٤، ٣٧٦٠، ٣٧٩٥، ٤٠٣٥، ٤٢١٧، ٤٢٧٨، ٤٣٨٣، ٤٥٩٨، ٤٦٢٩، ٤٦٣٠، ٤٨٢٧، ٤٨٨٦، ٤٩٤١، عقيب: ٥٢٦٢، ٥٥٣١، ٥٧٣٥، ٥٧٤٦، ٥٨٢٢، ٥٨٦٢، ٥٩١٣، ٥٩٣٤، ٥٩٩٢، ٦٠١٩، ٦٠٦٥، ٦٠٩٨، ٦١٣٩، ٦١٤٠، ٦٢٢٥، ٦٢٢٩، ٦٢٤١، ٦٣١٢، ٦٤١٢، ٦٤٤٠، ٦٤٤٨، ٦٤٩١، ٦٤٩٨، ٦٤٩٩، ٦٥٤٦، ٦٥٧٦، ٦٥٩٢، ٦٦٤٨، ٦٦٧٣، ٦٧٠٠، ٦٧٢٢، ٦٧٥٠، ٦٧٧٧، ٦٧٧٨، ٦٨٢٢، ٦٩٢٦، ٦٩٥٤، ٦٩٨٨، ٧٠٧٠، ٧٠٨١، ٧٢٤١، ٧٣٤٩، ٧٣٥٩، ٧٣٨٦، ٧٤٢٧، ٧٤٧٢، ٧٤٩٧، ٧٦٠٣، ٧٦٢٦، ٧٦٢٧، ٧٦٣٩، ٧٦٨٢، ٧٧٥٦، ٧٧٨٣، ٧٨٨٣، ٧٨٨٨، ٧٩٣٢، ٧٩٤٦، ٨٠٤٩، ٨١٠٢، ٨١٤٨، ٨١٧٤، ٨٢٣٧، ٨٢٣٩، ٨٣٢٧، ٨٣٣٩، ٨٣٤٩، ٨٤٢١، ٨٤٤٧، ٨٦٨٥، ٨٨٠١، عقيب: ٨٨٠٧ عقيب: ٨٨١٣، ٨٨٢٢.
(ب) أثبتا الخطأ في الأصل، وأشارا إلي الصواب في الهامش، في مئة وأربع وأربعين (١٤٤) ترجمة، وإليك أرقامها:
٣٨، ٤٤، ٥٦، ١٤٦، ١٧٦، ١٩٣، ٢٢٣، ٢٦٢، ٣٣٦، ٣٦٨، ٤١٨، ٤٤٤، ٥٦٨، ٥٧٣، ٥٨٩، ٦٠٧، ٦٤٣، ٦٧٠، ٧٨٣، ٨١٥، ٨٣٦، ٨٦١، ٨٩٤، ٩١٠، ٩٤٦، ٩٥٢، ٩٥٤، ٩٦٢، ٩٦٧، ١٠٠٧، ١٠٢٨، ١٠٧٠، ١١٢٤، ١١٥٠، ١١٥٤، ١٥٩١، ١٦١٩، ١٦٢٨، ١٨٥٩، ١٩٧٤، ٢٠٥٩، ٢١٠٨، ٢٤٦٦، ٢٤٩٠، ٢٥٨٩، ٢٦٠٢، ٢٨٠٢، ٢٨٣٣، ٢٩٦٤، ٣٠٤٤، ٣١٣٦، ٣٢٦٤، ٣٣٠٣، ٣٣١٤، ٣٣٢٥، ٣٣٤٨، ٣٣٩٦، ٣٣٩٨، ٣٤٥٤، ٣٤٥٧، ٣٤٨٦، ٣٤٩١، ٣٥٠٠، ٣٥١٧، ٣٥٢٤، ٣٥٣٤، ٣٥٨٥، ٣٦٠٧، ٣٦١٥، ٣٦٤٨، ٣٦٦٧، ٣٦٧٧، ٣٦٨٩، ٣٧٢٤، ٣٧٢٨، ٣٧٦٦، ٤٠٦٠، ٤١٢٧، ٤٢٧٧، ٤٣٠٠، ٤٣٠٤، ٤٣١٤، ٤٣١٥، ٤٣٣٣، ٤٣٣٦، ٤٣٧٨، ٤٣٨٤، ٤٣٩٧، ٤٤١٦، ٤٤١٧، ٤٤٤٠، ٤٤٨٢، ٤٤٩١، ٤٨١٧، ٤٨٧٩، ٥٠٠٤، ٥٣٢٩، ٥٤٦٥، ٥٦٧٩، ٥٩٧٠، ٦٠٧٩، ٦١١٤، ٦١٧٨، ٦٣١٤،
[ ١٢٣ ]
٦٥٦٩، ٦٨٦٧، ٦٨٩٠، ٦٩٩٣، ٧١١٠، ٧١٥٠، ٧١٦٢، ٧٢٠٣، ٧٢٢٤، ٧٢٢٦، ٧٢٤٤، ٧٣٠٤، ٧٣٣٤، ٧٣٤٧، ٧٣٥٤، ٧٤١٤، ٧٤٥٦، ٧٥٣٢، ٧٥٥٣، ٧٥٦٥، ٧٦١٦، ٧٦٨٠، ٧٧٤٩، ٧٨٤٧، ٧٨٥٩، ٧٨٧٢، ٧٨٧٣، ٨٠١٣، ٨٢٧٥، إحالة ٤/ ٢٤٣ (أبو عمر الندبي)، ٨٢٨٣، إحالة ٤/ ٣٤٤ (العائذي)، إحالة ٤/ ٣٥٣ (الهجري)، إحالة ٤/ ٣٦٥ (زوج درة) إحالة ٤/ ٣٦٦ (سابق العرب)، ٨٥٢٢، ٨٥٧٣، ٨٧٤٥، ٨٧٩٩.
أفليس هذا من الابتعاد عن المنهج وعدم الالتزام به؟!.
٢ - ومن الأمثلة على فقدان المنهج عند المحررين، أنهما أضافا ترجمتين ادعيا أنهما من عندهما -ولست أريد هنا أن أدخل في نقاش معهما في ذلك فقد تناولت ذلك مفصلًا في موضعه من كتابي هذا- ولكن الذي تجدر الإشارة إليه أنهما لما أضافا ترجمة (زياد بن عمرو بن هند الجملي) كررا رقم الترجمة التي قبله وأعقباها بحرف (ب) ولما أضافا ترجمة (عبد اللَّه ابن عبد الرحمن الجمحي) كررا أيضًا رقم الترجمة التي قبله، وأعقباها بحرف (م).
فهل هذا من المنهج في شيء؟ ولو كان لديهما منهج لظهر هنا، إذ الأمر في منتهى اليسر فليست سوى ترجمتين، فأي الكتابين أبعد عن المنهج؟!
وقس أنت الأمور واحكم، فلئن أخلا بالمنهجية في هذه الجزئية الصغيرة، فما بقي كان أعظم؟!
ثانيا: وضعا جملة من المباحث أسموها "قاعدة صحيحة" في الموقف من توثيق ابن حبان، وهي أمور في المنتهى من الغرابة، أوجز الرد عليها بما يأتي:
١ - إن مَنْ يُنَظِّر شيئًا ينبغي عليه أن يكون أول العاملين به، وهذا مما أخل به المحرران، فقد نصَّا في الفقرة الأخيرة من كلامهما على:
[ ١٢٤ ]
"أن ابن حبان ذكر في "الثقات" كل من لم يعرف بجرح، وإن كان لا يعرفه، وهذا لا يدل على توثيق أصلًا" والمحرران بهذا يرميان إلى التفريق بين ذكر ابن حبان للراوي فقط دون النص على توثيقه، وبين ذكره مع النص على توثيقه، وهذا أمر نتفق معهم على بعضه؛ لكن المحررين نسيا هذه القاعدة البتة أثناء عملهما في المجلد الأول من تحريرهما، ولم تخطر هذه القاعدة لهما على بالٍ إلا في ثلاثة تراجم (٤٢٠، ٩٦٤، ١٦٩٤) وستجد الكثير مما أشرت إليه في كتابنا هذا، وكذلك نسيا هذه القاعدة في كثير من المواضع للمجلدات الأخرى، عزبت عن التنبيه إليها هنا خشية الإطالة.
٢ - تكلم المحرران في الفقرة (٦) عن تضعيف ابن حبان فقالا: "أما تضعيفه فينبغي أن يعد مع الجهابذة المجودين، لما بينه في كتابه من الجرح المفسر".
أقول: إن كان ابن حبان في جرحه للرواة في مصاف الجهابذة المجودين، فهل يصح أن نهمل أو نغمر جرح من هو جهبذ مجود، كلما عنَّ ذلك لسبب أو لغير سبب؟! وإليك نماذج لتراجم تركا فيها قول ابن حبان، فقالا بغير قوله من غير ما التفات إلى ما ذكرا:
(أ) الترجمة (٢٧٢٣) لم يعتدا بجرح ابن حبان وغمزا قوله: "ربما خالف".
(ب) الترجمة (٣٢٨٢) وصفا جرحه بالتعنت، وقرعا بالحافظ لاعتداده بجرحه.
(ج) الترجمة (٣٣٣٦) غمزا فيها جرح ابن حبان.
(د) الترجمة (٣٧٤٥) ردا فيها جرح ابن حبان.
فكيف سيكون قولك إذا علمت أن ابن حبان لم ينفرد بجرحه؟ بل جرح المترجمَ له سيدُ النقاد الإمام البخاري بالصفة نفسها التي جرحه بها ابن حبان
[ ١٢٥ ]
والمحرران يلمحان إلى رد نقدهما فقالا: "أما قول ابن حبان في "الثقات": يخطئ ويهم، فنظنه أخذه من البخاري"، فكيف الأمر وقد ردا جهبذين مجودين؟!!!
(هـ) الترجمة (٤٢٧٥) أقذعا القول فيها لابن حبان، فقالا: "فهذا -يردان جرحه للراوي- من قعقعة ابن حبان".
(و) الترجمة (٥٨٤٦) غمزا ابن حبان، فقالا: "وذكره ابن حبان وحده في "الثقات"، وقال: يخطئ ويخالف، وهذا من عجائبه! ".
فحتى وإن سلمنا جدلًا بأن ابن حبان أخطأ في بعض هذا فلسنا ندعي عصمته، فقد كان لازمًا عليهما أن يتحدثا عنه بكل أدب واحترام.
٣ - اضطرب موقف المحررين من توثيق ابن حبان -حسب ما يستجد لهما من قرائن، وليت استقراء القرائن عندهما كان دقيقًا، فهما يعميان الأمر على القارئ، فإذا أرادا توثيق الراوي قالا: وثقه ابن حبان، وحقيقة الأمر أنه إنما ذكره فقط، وإذا تكلما في الراوي ضربا عن توثيقه صفحًا، وإليك مثُل ذلك:
(أ) الترجمة (٢٩٠٦) قالا: "ولم يوثقه سوى ابن حبان، وتوثيقه شبه لا شيء".
(ب) الترجمة (٣٣٤٣) قالا: "ولم يوثقه سوى العجلي وابن حبان وتوثيقه شبه لا شيء عند انفرادهما".
(ج) الترجمة (٣٣٤٩) جهلا الراوي وقالا: "حينما ذكره ابن حبان وحده في "الثقات" قال: يخطئ".
(د) الترجمة (٣٣٦٠) اعتدا فيها بذكر ابن حبان له في الثقات.
(هـ) (الترجمة (٣٦١٧) ضعفا الراوي ثم قالا: "وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: يخطئ ويخالف" وهذا اعتداد منهما بالجرح دون التوثيق.
٤ - بخصوص نص ابن حبان على توثيق الرواة، قالا: "إذا صرح ابن حبان
[ ١٢٦ ]
بأنه مستقيم الحديث أو لفظة أخرى تدل على التوثيق، فمعنى هذا أنه فتش حديثه ووجده صحيحًا مستقيمًا موافقًا لأحاديث الثقات، فمثل هذا يُوثق مثله مثل أي توثيق لواحد من الأئمة الكبار، لما لابن حبان من المنزلة الرفيعة في الجرح والتعديل".
أقول: من أسس قاعدة ثم هدمها بمعول مخالفته لها، حريٌّ بمن بعده عدم الأخذ بها، وأكتفي هنا بمثالين، جاءت إدانتهما فيه من قلميهما، فقد قال الحافظ ابن حجر في الترجمة (٣٦٦٠): "عبد اللَّه بن نافع الكوفي، أبو جعفر الهاشمي مولاهم: صدوق، من الثالثة. د عس".
فتعقباه بقولهما: "بل مجهول، تفرد بالرواية عنه الحكم بن عتيبة، وذكره ابن حبان في "الثقات" وقال: صدوق" فأين المنزلة الرفيعة؟ وأين أنزلا توثيق ابن حبان من توثيق الأئمة الكبار؟؟ وهل الأمر سوى محاولة تعقب الحافظ ابن حجر؟ نسأل اللَّه السلامة.
والمثال الثاني: قال الحافظ (١٢٢١) الحسن بن جعفر البخاري: "ثقة" وقد تعقباه بقولهما: "بل مقبول، روى عنه اثنان ولم يوثقه سوى ابن حبان".
أقول: وابن حبان قد صرح بتوثيقه (٨/ ١٧٣) فقال: "الحسن بن جعفر من أهل بخارا، ثقة" وتصريح ابن حبان في توثيقه للمترجم نقله الإمام المزي في "تهذيب الكمال" (٦/ ٧٣)، وابن حجر في "تهذيب التهذيب" (٢/ ٢٦٠).
ثالثًا: مسألة كثرة الرواة عن الشخص هل تعني توثيقًا؟ أو تحسن من حال الراوي؟ وهي مسألة أحب الدخول معهم بصددها في نقاش علمي، ولذا سيتمحور ردي في كل فقرة منه على محورين، الأول: إبطال ما قعداه، الثاني: إيراد أمثلة عملا فيها بخلاف ما قعداه؛ ولكنني وقبل الولوج في هذا أود أن أتناول قاعدة لهج بها المحرران كثيرًا في كتابهما، ألا وهي رواية الجمع، فقد كررا القول مرارًا: "روى عنه جمع" فهل رواية الجمع تنفع الراوي أم لا؟.
[ ١٢٧ ]
أقول: لا بد في كل راوٍ -لكي تقبل روايته- من معرفة حاله، وخبرة سيرته حتى يتسنى للناقد الحكم بقبول رواية ذلك الراوي أو ردها، إلا أن بعض الرواة لم يستطع العلماء أن يتعرفوا حالهم، وهم الذين يدعون (بالمجاهيل) وليسوا في طبقة واحدة، بل المشهور أنهم ثلاثة: مجهول العدالة ظاهرًا وباطنًا، ومجهول العدالة باطنًا وهو الذي يسمى (مجهول الحال)، ومجهول العين.
وقد نصت كتب المصطلح أن من روى عنه شخص واحد، ولم يعلم حاله فهو مجهول العين فإن روى عنه آخر صار مجهول الحال (^١)، فزيادة العدد هنا قد حسنت من حال الراوي، لكن ينبغي التنبه لثلاثة أمور:
الأول: إن هذه الزيادة لم تخرجه عن حيز الجهالة، بل غاية نفعها أن أزالت عنه شيئًا من جهالته، فنقلته من مرتبة جهالة إلى مرتبة جهالة أخرى أخف منها.
الثاني: إن هذه الزيادة حتى وإن عظمت فبلغت أكثر من اثنين غير مقتضيه لإثبات العدالة، وقد نص الخطيب البغدادي وغيره على ذلك، فقال: أقل ما ترتفع به الجهالة -يعني: جهالة العين- أن يروي عن الرجل اثنان فصاعدًا من المشهورين بالعلم كذلك؟. . . إلا أنه لا يثبت له حكم العدالة بروايتهما عنه" (^٢).
الثالث: إن العبرة أصلًا ليست بكثرة الرواة وقلتهم، بل بالمعرفة والسبر وللحافظ ابن القطان الفاسي كلام نفيس في كتابه "بيان الوهم والإيهام" (٤/ ١٣ عقيب ١٤٣٢) حول قبول رواية المستور فقال ﵀: "والحق في هذا أنه لا تقبل روايته، ولو روى عنه جماعة، ما لم تثبت عدالته، ومن يذكر في كتب الرجال برواية أكثر من واحد عنه
_________________
(١) انظر: معرفة أنواع علم الحديث: ونزهة النظر ص (١٣٥ بتحقيق علي حسن).
(٢) الكفاية: ص (١٥٠)، الطبعة التيجانية.
[ ١٢٨ ]
مهملًا من الجرح والتعديل، فهو غير معروف الحال عند ذاكره بذلك، وربما وقع التصريح بذلك في بعضهم".
وقال الإمام السيوطي في شرحه لألفية العراقي (ص ٢٤٤): "الرواية تعريف له -[يعني: للراوي] والعدالة بالخبرة، وبأنه قد لا يعلم عدالته ولا جرحه".
وقال أحد الباحثين: "ذكرت في المبحث السابق عن عدد من أئمة النقد أنهم قد يعدون الراوي مجهولًا إذا لم يرو عنه إلا راوٍ واحد، وقد يعدّونه ثقة، وقد يجهلون من روى عنه جماعة، وقد يوثقونه، أو يذكرون أنه معروف، وهذا يعني أن العبرة عندهم ليست في عدد الرواة عن الشيخ، وإنما العبرة بمعرفته واستقامة روايته" (^١).
والآن حان الوقت للدخول في مناقشة كلام المحررين:
١ - إن من ذكره ابن حبان في ثقاته، وكان له راوٍ واحد، فهو مجهول العين وهذه قاعدة تكاد تكون محل اتفاق المحدثين، إلا أن المحررين لم يلتزما ذلك رغم كونها عميقة الأصالة لدى المحدثين، وسأسوق أمثلة على ذلك:
(أ) الترجمة (١٨٨)، تفرد بالرواية عنه الأوزاعي، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢١)، وقال ابن حجر: مجهول، تعقباه بأنه ثقة!!
(ب) الترجمة (١٣٨٥)، تفرد بالرواية عنه الزهري، وذكره ابن حبان في الثقات (٤/ ١٥٩) وقال ابن حجر: صدوق الحديث، ولم يتعقباه!!
(ج) الترجمة (١٧٢٢) تفرد بالرواية عنه محمد إسحاق، وذكره ابن حبان في الثقات (٦/ ٢٧١) وقال ابن حجر: مقبول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
(د) الترجمة (٣٥٦٩) تفرد بالرواية عنه أبو سعيد جعثل بنص الذهبي في الميزان (٢/ ٤٨٣ و٤٩٩) وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٥١) قال عنه ابن حجر: صدوق، فتعقباه بأنه: ثقة!!
_________________
(١) رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل ص (١٩٤).
[ ١٢٩ ]
(هـ) الترجمة (٣٦٦٩)، تفرد بالرواية عنه عبد اللَّه بن أبي مليكة بنصهما وذكره ابن حبان في ثقاته (٥/ ٤٧)، وقال عنه ابن حجر: وثقه النسائي، فتعقباه بأنه: ثقة!!
(و) الترجمة (٥٠٩١) تفرد بالرواية عنه أبو إسحاق السبيعي بنصهما وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ١٨٠)، قال الحافظ عنه: مقبول فتعقباه بأنه: ثقة!!
(ز) الترجمة (٥٢١٤)، تفرد بالرواية عنه عمرو بن دينار، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٢٨١) قال الحافظ: ليس بمشهور، تعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
(ح) الترجمة (٥٨٧٨) تفرد بالرواية عنه سليمان بن حرب، وذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٤٢٢)، قال الحافظ: مقبول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
(ط) الترجمة (٧٢٠٠) تفرد بالرواية عنه الأوزاعي، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٤٥) قال الحافظ: ثقة، فتعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
(ي) الترجمة (٧٣٣٨) تفرد بالرواية عنه عبد اللَّه بن عون، ذكره ابن حبان في الثقات (٧/ ٥٧٣) قال الحافظ: مجهول، فتعقباه بأنه: ثقة!!
(ك) الترجمة (٨٣٤٩) تفرد بالرواية عنه أبو مجاهد سعد الطائي، ذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٧٢)، قال الحافظ: مقبول، فتعقباه بأنه: صدوق حسن الحديث!!
وبهذا القدر أكتفي خشية الإطالة وإملال القارئ؛ لكن المحررين ربما اعتذرا عن بعض ذلك بوجود من وثقه، وهذا العذر لا يسعفهم في شيء، فقد أكثرا من الذهاب إلى تجهيل من انفرد عنه بالرواية واحد، وإن وثقه الجمع أما الحافظ ابن حجر فربما عدّل من حاله هكذا لقرينة خاصة كصحة أحاديث الراوي أو غيرها.
[ ١٣٠ ]
٢ - من ذكره ابن حبان في الثقات وروى عنه اثنان، فهو مجهول الحال، أود الإشارة هنا إلى أن المحررين لم يعتدا هنا بذكر ابن حبان للراوي في الثقات وذلك، لأن رواية الاثنين عن الشيخ رافعة لجهالة العين مبقية على جهالة الحال، وهو أمر شاع بين المحدثين، فما قيمة ذكر ابن حبان عندهما هنا؟!
وقول المحررين قول شاذ غريب، لأننا لم نعهد عن أحد من العلماء المتقدمين إهمال ذكر ابن حبان للراوي في ثقاته بالكلية، وإنما كانوا يفصلون في ذلك فيفرقون بين شيوخه وبين من عرفهم وبين غيرهم كما سيأتي إيضاحه، فلا يحكمون لأول وهلة بل يوازنون ويقارنون.
٣ - من ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه ثلاثة، فهو مقبول في المتابعات والشواهد، أقول: هذا تنظير غير صحيح، فكيف يختلف لديهما الحكم من اثنين إلى ثالث، وقد سبق الكلام على أن رواية الجمع لا تؤثر في التوثيق وكيف يفرقان بين هذه الفقرة وبين التي قبلها في الحكم، والمحصلة النهائية لحكمهما واحد، إذ إن كلًّا منهما مقبول في المتابعات والشواهد.
وهذا التنظير يعدم بالكلية الفائدة من ذكر ابن حبان للرواة في الثقات بالمرة؛ إذ إن المخشي من توثيق ابن حبان توثيق المجاهيل، فإذا كان المترجم له من شيوخه أو شيوخ شيوخه، أو ممن عرفهم وجالسهم فما المانع من قبول توثيقه؟!
٤ - من ذكره ابن حبان في الثقات، وروى عنه أربعة فأكثر، فهو صدوق حسن الحديث.
أقول: ما بال زيادة راوٍ واحد نقلت الشيخ من فلك إلى فلك آخر، ومن رتبة إلى أخرى، وقد سبق قولي: إن العدد لا يؤثر في توثيق الراوي، وما يَرِدُ على الفقرة السابقة يَرِدُ هنا، فقد يكون الراوي من شيوخه أو شيوخ شيوخه أو من أهل بلده أو ممن عرفهم!!
[ ١٣١ ]
ويحسن بنا ونحن في هذا المقام أن نعرض لما قرره العلامة المعلمي اليماني ﵀ وشاع بين كثير من الناس، إذ قال في التنكيل (٢/ ٤٥٠ - ٤٥١) (مجلة الحكمة العدد السابع عشر ص ٣٩٣): "والتحقيق أن توثيقه على درجات:
الأولى: أن يصرح به، كأن يقول: "كان متقنًا" أو "مستقيم الحديث" أو نحو ذلك.
الثانية: أن يكون الرجل من شيوخه الذين جالسهم وخبرهم.
الثالثة: أن يكون الرجل من المعروفين بكثرة الحديث بحيث يعلم أن ابن حبان وقف له على أحاديث كثيرة.
الرابعة: أن يظهر من سياق كلامه أنه عرف ذلك الرجل معرفة جيدة.
الخامسة: ما دون ذلك.
فالأولى لا تقل عن توثيق غيره من الأئمة، بل لعلها أثبت من توثيق كثير منهم والثانية قريب منها، والثالثة مقبولة، والرابعة صالحة، والخامسة لا يؤمن فيها الخلل - واللَّه أعلم".
وقال العلامة الألباني معقبًا على كلام المعلمي: "هذا تفصيل دقيق يدل على معرفة المؤلف المعلمي ﵀ وتمكنه من علم الجرح والتعديل وهو مما لم أره لغيره فجزاه اللَّه خيرًا.
غير أنه قد ثبت لدي بالممارسة أن من كان منهم من الدرجة الخامسة فهو على الغالب مجهول لا يعرف، ويشهد بذلك صنيع الحفاظ كالذهبي والعسقلاني وغيرهما من المحققين، فإنهم نادرًا ما يعتمدون على توثيق ابن حبان وحده ممن كان في هذه الدرجة، بل والتي قبلها أحيانا".
والحق في ذلك أن ما قرره العلامتان المعلمي والألباني إطلاق يفتقر إلى تقييد، لتصحح هذه القاعدة، وقد أجاد بعض الباحثين في تفصيل ذلك، إذ قسم الرجال الذين ترجم لهم ابن حبان في ثقاته إلى قسمين:
[ ١٣٢ ]
القسم الأول: الذين انفرد بالترجمة لهم.
القسم الثاني: الذين اشترك مع غيره بالترجمة لهم، وهم على قسمين أيضًا:
الأول: الرواة الذين أطلق عليهم ألفاظ الجرح والتعديل، وهؤلاء الرواة لم يكونوا على درجة واحدة، بل كان فيهم الحافظ والصدوق والمجروح والضعيف والمجهول.
الثاني: الرواة الذين سكت عنهم، وفيهم الحافظ والصدوق والمستور والمجهول والضعيف ومنكر الحديث.
وختامًا نص الباحث نفسه فقال: "والفصل في الرواة الذين سكت عليهم ابن حبان هو عرضهم على كتب النقد الأخرى، فإن وجدنا فيها كلامًا أخذنا بما نراه صوابًا مما قاله أصحاب كتب النقد، وإن لم نجد فيها كلامًا شافيًا طبقنا قواعد النقاد عليهم، وقواعد ابن حبان نفسه.
وأغلب الرواة الذين يسكت عليهم ابن حبان، ويكون الواحد منهم قد روى عنه ثقة، وروى عن ثقة، يكونون مستورين، يقبلون في المتابعات والشواهد ولذلك فإنني قلت في رسالتي عن ابن حبان في الرواة الذين ترجمهم ساكتًا عليهم: بأنهم على ثلاث درجات:
١ - فمنهم الثقات وأهل الصدق.
٢ - ومنهم رواة مرتبة الاعتبار.
٣ - ومنهم الرواة الذين لا تنطبق عليهم شروط ابن حبان النقدية في المقبول، وهؤلاء ذكرهم للمعرفة - واللَّه أعلم" (^١).
_________________
(١) رواة الحديث الذين سكت عليهم أئمة الجرح والتعديل بين التوثيق والتجهيل (ص ٧٢)، وانظر لزامًا: دراسة الشيخ محمد عوامة في مقدمته للكاشف (١/ ٣٠ - ٣٣)، فهو بحث نافع مانع.
[ ١٣٣ ]
والذي أميل إليه: أن ما ذهب إليه المحرران من تقييد ذلك بعدد الرواة خطأ محض، نشأ عن تسرع في الأحكام، وعجلة كان ينبغي بمن مثلهما أن لا يقع فيها وأن ما ذهب إليه اليماني، وتابعه عليه الألباني، وما نظره الباحث جيد؛ غير أن الأولى أن يقال: إن ذلك لا يناط تحت قاعدة كلية مطردة، بل الأمر يختلف من راوٍ إلى راوٍ حسب المرجحات والقرائن المحيطة التي تحف الراوي، فعندها يحكم على ذلك، وعليه يحمل صنيع الإمامين الجهبذين الذهبي وابن حجر، إذ إنهما لم يعملا ذلك تحت قاعدة كلية، بل مرجع ذلك إلى القرائن المحيطة وحال الراوي وقرب عهده من بُعْدِه، وكونه من المعروفين أو غير المعروفين، وكونه من أهل بلد ابن حبان من غيرهم، ولو أدرك المحرران لما وصفا صنيع الحافظ باضطراب المنهج وخلو كتابه من المنهجية، نسأل اللَّه الستر والعافية.
خامس عشر: (ص ٣٤ - ٣٨):
تكلم المحرران في هذه الصفحات عن البدعة، وهل هي أمر مؤثر في جرح الراوي أم لا؟ وقد خرج المحرران بنتيجة، وهي: أن البدعة غير مؤثرة في عدالة الراوي، إذا كان محترزًا من الكذب سليمًا من خوارم المروءة، فقالا (ص ٣٤): "لقد تبين لنا من دراستنا لكتب الرجال، وتتبعنا لأحوال الرواة أن جملة من الرواة الثقات جُرحوا لأسباب لم يعتد بها النقاد الجهابذة الأول منها: الجرح بسبب المخالفة في العقائد".
فهما يقرران عدم اعتداد النقاد المتقدمين بالبدع كأساس لجرح الرواة، وجاء التصريح بهذا من قلميهما، فقالا (ص ٣٦): "أما المتقدمون، فوجدنا أكثرهم لا يعتد ببدعة الراوي إن كان صادقًا أمينًا، فقد أخرج الشيخان في "صحيحهما" عن كثير ممن رُمي بالبدعة، كالخوارج والشيعة، والقدرية ونحوهم، ومنهم من كان داعية لمذهبه".
ودللا على ذلك بأمثلة عدة، ولكنني أختار مثالهما الأخير، وأنقل كلامهما بنصه، حتى يكون أبلغ في إثبات التناقض، وعدم المسئولية في إصدار
[ ١٣٤ ]
الأحكام فقالا (ص ٣٨): "وكان حريز بن عثمان الرحبي ناصبيًّا محترقًا، وقال: عمرو بن علي كان ينتقص عليًّا وينال منه، وكان حافظًا لحديثه، وقال في موضع آخر: ثبت شديد التحامل على عليّ، ووثقه جمهور الأئمة، وأخرج له الشيخان في "صحيحهما"، وقال الذهبي في "الميزان": "وكان متقنًا ثبتًا، لكنه مبتدع"، وقال في "الكاشف": "ثقة وهو ناصبي"، وقال في "الديوان": "ثقة لكنه ناصبي مبغض".
لكن الدكتور بشار في تعليقه على تهذيب الكمال (٥/ ٥٧٤) نقض ذلك فقال معلقًا على قول الفلاس الثاني: "قال العبد المسكين أبو محمد بشار عواد: واللَّه لا أدري كيف يكون ثبتًا من كان شديد التحامل على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، نعوذ بك اللهم من المجازفة".
فأنت ترى أن الدكتور يعد قول الفلاس (مجازفة) راميًا من وراء ذلك إلى نسف قواعد المحدثين الأوائل في البدعة والموقف منها، ومتخذًا ذلك مدخلًا إلى تسليط لسانه وقلمه على رجال الصحيحين ممن رمي بنوع بدعة، والذين كان (حريز بن عثمان) واحدًا منهم، نسأل اللَّه الستر والعافية، ثم لا أدري كيف تساهل المحرران هذا التساهل الكبير في حكم المبتدع، مع أن الخلاف فيه متسع، وأنا أكتفي بنقل قول الحافظ ابن حجر من نخبة الفِكَر (ص ٥٢ - ٥٣) إذ قال: "ثم البدعة إما بمكفر، أو بمفسق، فالأول لا يقبل صاحبها الجمهور، والثاني: يقبل من لم يكن داعية على الأصح؛ إلا إن روى ما يقوي بدعته فيرد على المختار، وبه صرح الجوزجاني شيخ النسائي".
ومن جانبي فإني أعتقد أحقية ما ذهب إليه العلامة الجوزجاني في التفريق بين المبتدع الداعي إلى بدعته، أو الذي يروي ما يشيد بدعته، وبين مبتدع ليس حاله كذلك، يدفعنا إلى ذلك أنه في العصور الأولى كانت الخصومة السياسية تلعب دورًا بارزًا في تدعيم كل واحد لمذهبه السياسي، بما يرويه من أحاديث تعزز فكره السياسي ومنهجه.
[ ١٣٥ ]
سادس عشر: (ص ٣٩):
بصدد وقوع الخطأ والوهم في حديث (الثقة) وتعريضًا بالحافظ ابن حجر ﵀ قال المحرران: "ولذلك فإن إلصاق الوهم أو الخطأ أو الإغراب في الثقات أو الصادقين الذين يندر الخطأ عندهم فيه مجانية للنهج الأعدل".
أقول: الحق أنه ليس في هذا المنهج الذي دأب عليه الحافظ ابن حجر ﵀ أي مجانبة، فإطلاق الحكم منه قائم على استقراء تام لأحاديث أكثر الرواة فإن وجد خطأ أو وهمًا لواحد منهم -وإن كان خطأ واحدًا- أطلق عليه ذلك في الحكم، تنبيهًا واشارة إلى وجود خطأ في حديث ذلك الشيخ، ولما كان نهجه في هذا الكتاب مرتكزًا على سمة الاختصار، لم يسعه المقام لذكر أوهام الراوي، فنبه على ذلك، كي لا يكون حكم الحافظ ذريعة لغيره في تصحيح أحاديث ذلك الراوي، وان دل هذا النهج على شيء فإنما يدل على أن الحافظ ابن حجر -بلَّ اللَّه ثراه بوابل رحمته- كان يضع المسئولية نصب عينيه، وأن الخشية من اللَّه تعالى ملازمة له، وبه قد تمثلت القمة في الأمانة العلمية التي تجرد منها بعض ممن تكلموا في هذا الشأن ممن جاؤوا بعده، فإلى اللَّه المشتكى ولا حول ولا قوة إلا به.
سابع عشر: (ص ٤١):
عرَّج المحرران على توضيح بعض الاصطلاحات الخاصة بعدد من أئمة الجرح والتعديل، وبخصوص شرح بعض ألفاظ التعديل التي استخدمها الإمام يحيى بن معين، والتي كانت لها دلالة خاصة عنده، قالا: "وقوله في الراوي: لا بأس به، أو ليس به بأس، فهو ثقة عنده".
أقول: في هذا الذي ظنه المحرران توضيحًا، هو في حقيقة أمره إيهام للناس، إذ ليس الأمر على هذا الإطلاق الذي يقرره المحرران توطئة لما تعقبا به الحافظ ابن حجر، وقد أبدع الحافظ النحرير الإمام العراقي في إيضاح مراد ابن معين، فقال في شرح التبصرة والتذكرة: "قلت ولم يقل ابن معين إن قولي: ليس به بأس كقولي: ثقة، حتى يلزم منه التساوي بين اللفظين، إنما قال: إن من قال فيه
[ ١٣٦ ]
هذا فهو ثقة، وللثقة مراتب، فالتعبير عنه بقولهم: ثقة، أرفع من التعبير عنه بأنه: لا بأس به، وإن اشتركا في مطلق الثقة -واللَّه أعلم-" وانظر مقدمة الشيخ محمد عوامة للكاشف (١/ ٣٧ - ٣٨) ففيه بحوث مستفيضة.
ومن جانبي فإنني أعتقد أن الحافظين العراقي وابن حجر قد انسجما انسجامًا كبيرًا ورائعًا مع المنطق والحقائق الموضوعية في تحليلهما ذلك: لأن قولهم: ثقة هو إثبات صفة وجودية لازمة للشخصية على خلاف قولهم: لا بأس به أو ليس به بأس؛ لأن هذه الصفة نفي وليست إثبات، والقاعدة العلمية تقول: إن الإثبات أقوى من النفي؛ لأن النفي سلب والإثبات إيجاب.
ثامن عشر: (ص ٤٣):
وأيضًا وفي نفس الموضع، أوضحا أمرًا ادعيا كونه اصطلاحًا لأبي حاتم الرازي فقالا: "على أن هذه الاصطلاحات عند أبي حاتم لا تسير على نمط واحد، فقد عرفنا بالاستقراء أنه يطلق لفظة (صدوق) على شيوخه الثقات الذين ارتضاهم وروى عنهم، ويريد بها (الثقة)، وإنما استعمل هذه اللفظة، كما يبدو تواضعًا، ولم ينتبه الحافظ ابن حجر إلى هذه المسألة، ولا أحد ممن جاء بعده".
أقول: في هذا التعليق دسٌّ خفي، وقديمًا قيل: "رمتني بدائها وانسلت" والمحرران من هذه الشاكلة، فنحن نعلم يقينًا أن الأمة بإجماعها معصومة عن الخطأ، والأمة قد أجمعت على أن أئمة الجرح والتعديل مؤتمنون في جرحهم وتعديلهم للرواة، سواء أكانوا شيوخهم أم لا؟ وكلام المحررين هذا ينطوي على طعن في أمانة أبي حاتم -وحاشاه من ذلك- إذ ما المسوغ له أن ينزل رجلًا عدلًا ضابطًا من مرتبة (ثقة) إلى (صدوق)؟ وأي تواضع في ذلك والحق ليس حقه، بل هو استحقاق الراوي، وهل يوافق الدكتور بشار وهو الأستاذ عضو المجمع العلمي العراقي، وعضو المجمع العلمي الملكي الأردني و. . . و. . .، والشيخ شعيب وهو محدث الديار الشامية، على أن نصفهما بأنهما طلاب علم فقط، تواضعًا منا معهم؟!
[ ١٣٧ ]
تاسع عشر (ص ٤٤):
قال المحرران: "قابلنا الكتاب على النسخة التي كتبها المصنف بخطه، وعلى النسخة التي كتبها العلامة محمد أمين بن حسن الميرغني الحسيني الحنفي المكي من علماء القرن الثاني عشر الهجري، أحد تلامذة المحدث الكبير عبد اللَّه بن سالم البصري الشافعي، المتوفى سنة ١١٣٤ هـ، وهي التي تفضل بإهدائها إلينا العلامة الشيخ محمود ميرة - حفظه اللَّه تعالى".
أقول: قد أثبت في ثنايا كتاب "كشف الإيهام" بما لا يقبل الشك أن المحررين لم يريا نسخة "التقريب" التي بخط الحافظ ابن حجر بأعينهما، فضلًا عن المقابلة عليها،
"كلُّ يَدَّعي وَصلًا بليلى … وَليْلَى لا تُقرُّ لهم بِذاكا".
والأدهى من ذلك: ادعاؤهما وجود نسخة أخرى هي نسخة العلامة الميرغني وما ادعيا ذلك إلا لكون الشيخ محمد عوامة اعتمدها أيضًا في تحقيقه "للتقريب" وذلك كي لا يكلفا نفسيهما مشقة المقابلة، وإنما هو أخذ هوامش عوامة وتزويقها وإضافتها لهما، وإليك نص كلام الشيخ محمد عوامة، وهو يتكلم عن النسخة التي اعتمدها في التحقيق، فقال (ص ٦٧): "وقد يسَّر اللَّه تعالى لي -وأنا في أول عملي- نسخة من التقريب مصورة من برلين، وفيلمها محفوظ في قسم مخطوطات مكتبة الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة قدمها إليَّ الأخ الكريم العالم الفاضل الشيخ محمود ميرة - حفظه اللَّه تعالى وجزاه خيرًا.
ولا بد من تعريف موجز بهذه النسخة لما لها من أهمية، فكاتب النسخة هو العلامة الدقيق محمد أمين بن حسن ميرغني الحسيني الحنفي المكي، من علماء منتصف القرن الثاني عشر الهجري، وأحد تلامذة المحدث الكبير (أمير المؤمنين في الحديث) عبد اللَّه بن سالم البصري المكي الشافعي المتوفى سنة ١١٣٤ هـ".
فانظر إلى ذلك واحكم، وقارن بين نصهما ونص عوامة، فينجلي لك عظم الأمر.
[ ١٣٨ ]
عشرون: (٤٥):
"ثم قابلنا الكتاب على "تهذيب الكمال" بعد أن انتهى تحقيقه وتدقيقه والتعليق عليه، وتصحيح ما وقع في طبعته الأولى من أخطاء طبعية وغيرها بإعادة مقابلته على مجموعة النسخ الخطية الي تحصلت عندنا، ومنها سبعة وسبعون جزءًا بخط المولف المزي، ونسخة ابن المهندس و. . . ".
أقول: لا شك لدي في عدم انتباه المحررين لأي قول يتقولانه، فمن أين لهما مقابلة نص تحريرهما على نص تهذيب الكمال بعد تصحيحه؟ وقد أشارا في (ص ١٠ هامش ١) إلى أن مؤسسة الرسالة طبعته بمجلداته الخمسة والثلاثين فقالا: "وهي الآن بسبيل إعادة طبعه لتقليص عدد مجلداته، وذلك بتصغير حجم حرفه وغير ذلك من الأمور الفنية"، وفي (ص ٤٥ هامش ١) قالا "صدرت طبعة جديدة متقنة عن مؤسسة الرسالة، كما أعددنا ضميمة بالأخطاء لمن اقتنى الطبعة الأولى".
فانظر إلى كلام المحررين في نفس هذه المقدمة (ص ١٠ و٤٥)، وقارن بينهما ولا أدري أي ذهولٍ قاد هذين المحررين إلى هذا التناقض العجيب الغريب، ففي ص (٤٥) قالا: "صدرت"، وفي ص (١٠) أشارا إلى أن المؤسسة في سبيل إعادة طبعه؟!.
ثم إذا علمت أن التحرير طبع سنة (١٩٩٧ م) قبل طبع الطبعة الثانية من تهذيب الكمال سنة (١٩٩٨ م) بسنة واحدة، تأكدت لك مخاوفك من أنه مجرد كلام لا دقة له، وأنها مقابلة على لا شيء!.
واحد وعشرون: (ص ٤٥):
قال المحرران: "وألحقناه في المتن مسبوقًا بدائرة مطموسة بالسواد (•) ".
أقول: كذا قالا، وكأنها لا يتنبهان لما يكتبان، فإذا راجعت التحرير بمجلداته الأربعة لم تجد تعقبًا واحدًا سبق بدائرة مطموسة بالسواد، وإنما هي مطموسة بالحمرة!
[ ١٣٩ ]
اثنان وعشرون: (ص ٤٦):
قال المحرران: "لقد اجتهدنا في المختلف فيهم، فدرسنا ما أثر عن الأئمة في حقهم من جرح أو تعديل ووازنا بين تلك الأقوال، واطلعنا في بعض الأحيان على مروياتهم، إن كانت قليلة. . . ".
أقول: لقد استقر في نفوسنا أن المحررين لم يدرسا ترجمة راوٍ واحد، وإن لم يكن له من الحديث غير حديث واحد، بل كان عملهما منصبًّا على جميع أقوال النقاد في الراوي، ومن خلالها الحكم عليه، فماذا يظن المحرران نفسيهما؟ أهما أصوب اجتهادًا من الحافظ ابن حجر، أم أنهما عَلِما من أقوال النقاد ما لم يعلمه الحافظ؟
ولقد وجدت الحافظ قد درس مرويات أغلب الرواة -كما نبهت إليه في النقطة السادسة عشر- وعلى ضوء دراسته يثبت حكمه، بخلاف المحررين؛ إذ كانت نظرتهما قاصرة على الاعتماد على الأقوال فقط، وتبعًا لذلك خطئا الحافظ في عدد من التراجم كان الصواب فيها للحافظ، كما تجده في ثنايا هذا الكتاب.
ثالث وعشرون: (ص ٤٧) قالا:
"وقد صرفنا عناية خاصة لمن أخرج لهم الشيخان، وتكلم فيهم بعض من تكلم، فبينا إن كانا قد أخرجا لهم احتجاجًا أم متابعة أم استشهادًا، وهي مسألة غاية في الأهمية".
أقول: لم يسر المحرران في تطبيق هذه القاعدة على هدًى، وإنما تخبطا فيها خبط عشواء، ولقد منَّ اللَّه تعالى عليَّ بالكلام عن هذه المسألة في الفقرة الثالث عشرة، فراجعها فلعل اللَّه يكتب لك بها نفعًا.
رابع وعشرون: (ص ٤٧) قال المحرران:
"واتخذنا قاعدة في أن من وصفه أحد الأئمة بالإغراب ثبتنا ذلك، وإن لم يقل بها سوى ناقد واحد، فإن المؤلف قد اضطرب في ذلك ولا سيما في أقوال ابن حبان. . . ".
[ ١٤٠ ]
أقول: لم يحفل المحرران كثيرًا بهذا، بل العكس صوابه، حيث دأب الحافظ ابن حجر على تثبيت حالة الإغراب من الراوي، تبعًا لقول أحد النقاد، أو تحصيلًا لدراسته الاستقرائية لمرويات ذلك الراوي، في حين اندفع المحرران إلى تخطئته في ذلك، والصواب فيها مع الحافظ كما في ترجمة (موسى بن طارق اليماني) وغيرها.
ولم يكن صنيع الحافظ مقتصرًا على حالة الإغراب، وإنما شمل حالة الوهم والخطأ والتفرد وغيرها، وقد سبق لي الكلام عنها في الفقرة السادس عشرة فراجعها، فلعلك تجد فيها ما ينفعك.
* * *
[ ١٤١ ]