قد برزت لدى الحافظ ابن حجر في كتابه "تقريب التهذيب" الشخصية النقدية الشمولية، فكان لا يفرط في قول ناقد أي ناقد كان، ولا يترك حالة وُصِفَ بها الراوي دون تشخيص، وأن حصلت من الراوي مرة واحدة وشخصها ناقد واحد، كالخطأ والوهم والتدليس والإغراب والتفرد والغلط وغيرها، مشيرًا إلى وجود تلك الحالة في حديث الراوي، ومنبهًا إلى ضرورة تفتيش حديثه، وإقران الحافظ تلك الألفاظ بأحكامه تنفع الباحث أيما نفع، إذ تنبهه إلى تلك الأوهام أو الأخطاء الحاصلة في حديث الراوي من أجل أن يتقيها وينتفع بذلك عند المخالفة والمعارضة، إذ إنه لو ترك الحكم على إطلاقه، لاغتر به كثير من أهل الصنعة فكيف بعوام الناس؟؟
إلا أنه راعى في تعبيره عن ذلك كثرة الوقوع وقلتها، فتارة يستعمل الفعل المضارع الذي يدل على الاستمرارية، وهو يعني كثرة وقوع ذلك من الراوي كأن يقول: يهم، أو يغرب، أو يخطئ،. . . إلخ، وتارة يستعمل لفظة "كثير" وهي أبلغ من استعمال الفعل المضارع في إثبات الكثرة، كأن يقول: كثير الخطأ، أو كثير الوهم، أو غيرها، ويستعمل لفظة "ربما" دلالة على قلة وقوع ذلك من الراوي.
وبهذا يتضح أن نهج الحافظ نهج سديد صائب، أملته عليه ضرورة العمل وهي الاختصار، فلم يكن المقام في كتابه هذا يتسع لبيان مواطن الوهم والخطأ وغيرها، فكان يكتفي بالإشارة إلى ذلك عملًا بالقاعدة القائلة: "ما لا يدرك كله لا يترك جُلّه".
والحقيقة أن المحررين وضعا نفسيهما في موقف لا يحسدان عليه، فكثيرًا ما
[ ٥٥ ]
تعقبا الحافظ: بأن زيادة لفظة كذا، لا داعي لها إذ لم يقلها إلا فلان، وهذا إمعان منهما في مشاحة الحافظ في اصطلاحه ومنهجه، إذ نص ﵀ على برنامج عمله في الكتاب بقوله: "إنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة، وأخلص إشارة" (^١).
على أن المحررين اضطربا في ذلك أيما اضطراب، فتارة يوثقانه، وأخرى يضعفانه أو. . أو. . .، ومن خلال الإحصائية الآتية -مضافًا إليها ما تعقبت به المحررين في كتابي مما كان على هذه الشاكلة- يظهر لك مدى عدم دقة المحررين في إصدار أحكامهما:
١ - من قال عنه الحافظ: "صدوق يخطئ". وقالا عنه: "ضعيف يعتبر به"، ومجموعها (١٢) ترجمة، وإليك أرقامها:
٤٥١، ٥٢٩، ٩٦١، ١٠٣٣، ١١٢٦، ١١٥٠، ١١٥٢، ١١٦٤، ٥٣٤، ١١٨٠، ١٢١٤، ٢٠٦٧، ٢٢٢٥.
٢ - من قال فيه الحافظ ابن حجر: "صدوق يخطئ" أو "صدوق ربما أخطأ" وما قارب ذلك. وقالا عنه: "صدوق حسن الحديث" أو "صدوق"، ومجموع هذا (٦١) ترجمة، وإليك أرقامها:
٢٤٣، ٣٧٦، ٤٧٦، ٤٩٢، ٦٥٨، ١١٩٤، ١٢٢٩، ١٦٢٢، ١٦٢٣، ١٦٨٢، ١٧١٧، ١٧٤٣، ١٨٠٤، ٢٠٣٣، ٢٥٤٧، ٢٥٨٨، ٣٠٣٦، ٣١٠٣، ٣١٩٤، ٢٧٥٥، ٢٧٨٨، ٢٧٩٥، ٢٨٠١، ٢٨٢٥، ٣٢٤٨، ٣٢٨٢، ٣٣٧١، ٣٤٧٦، ٣٥٠٥، ٣٧٢٣، ٣٧٧١، ٣٨٢٠، ٤٢٢٥، ٤٤٠٨، ٤٤١٩، ٤٧٥٤، ٤٧٦٢، ٤٧٩٢، ٥١٠٧، ٥١٩٧، ٤٩١٤، ٥٨٤٧، ٥٨٨٧، ٥٩٦١، ٥٩٨٠، ٥٣٤٠، ٥٦٠٤، ٥٦١١، ٥٦١٤، ٥٦٥٣، ٥٧٠١، ٦١٦٧، ٦٢٩٣، ٦٦١٥، ٦٧٩٧، ٦٩٤٢، ٧٤١٩، ٧٤٤٧، ٧٥٩٣، ٧٨٩٤، ٧٩٠٠.
_________________
(١) تقريب التهذيب (١/ ٢٤).
[ ٥٦ ]
٣ - من قال الحافظ ابن حجر عنه: "صدوق يهم" أو "صدوق له أوهام" وقالا عنه: "صدوق" أو "حسن الحديث" أو "صدوق حسن الحديث"، ومجموعها (٤٦) ترجمة، وإليك أرقامها:
٨٢٨، ٩٠٨، ١١٦٦، ٣١٧، ٤٦٣، ١٨١٥، ٢٢٧٢، ٢١٨٥، ٢٣١٢، ٢٣١٥، ٢٩٣١، ٢٩٧٢، ٣٠٠٣، ٢٧٠٥، ٢٨٣٤، ٣٧٤٧، ٤٥٠٠، ٤٥١٥، ٤٦١٢، ٤٧٧٦، ٤٩١١، ٤٨٨٦، ٤٩٢٥، ٥١٠١، ٥١٠٤، ٥١١٧، ٥١٢٣، ٥٢٤٢، ٦٠٤٩، ٦٠٨٧، ٦١٨٨، ٦٢١٣، ٦٣٠٤، ٦٤٩٣، ٦٥٧١، ٦٥٩٩، ٦٦٩٦، ٦٧٧١، ٦٧٧٣، ٦٨٣٤، ٦٩٣٠، ٦٩٧٩، ٧١٦٥، ٧٤١٦، ٧٤٣٢، ٧٨٢٢.
٤ - من قال فيه الحافظ ابن حجر: "صدوق كثير الخطأ" أو "صدوق له أغلاط" وما شابهها. وقالا عنه: "ضعيف" أو "ضعيف يعتبر به" ومجموع ذلك (١٣) ترجمة، وإليك أرقامها:
٧٣٩، ٩٣٦، ٩٧٤، ١٠٨١، ١٣٣١، ٢٥٠٥، ٣٦٤٥، ٤١٩٥، ٤٨٤٧، ٥٤٢٧، ٥٤٤٣، ٦٦٩٩، ٧٩٢٠.
٥ - من قال فيه الحافظ: "ثقة له أفراد" أو "ثقة يغرب" واستنكراها ومجموع ذلك (١٠) ترجمة، وإليك أرقامها:
١٤٣، ١٨٣، ٤٦٨، ٦٧٧، ٦٨٤، ٧١٥، ١٤٣٧، ٤٧٢١، ٥٢٨٦، ٦٠٧٢.
٦ - من قال فيه الحافظ: "صدوق يهم" أو "ثقة ربما وهم" أو "صدوق ربما وهم". وقالا: "صدوق حسن الحديث" أو "صدوق" أو "ثقة" أو "ضعيف يعتبر به" أو "ضعيف" أو "ثقة ربما وهم" ومجموع ذلك (٣١) ترجمة، وإليك أرقامها:
٢٨٩، ١٤٤٦، ١٤٥٨، ١٥١٨، ١٧٦٧، ٢٣٥٩، ٢٦٥١، ٣١٣٢، ٣٣٥٨، ٤٠٩٦، ٤٥٠٠، ٤٧٦٣، ٤٨٨٠، ٥٨٨٤، ٥١٦٨، ٥٢٤٧، ٥٢٥٨، ٥٢٨٤،
[ ٥٧ ]
٥٣١١، ٥٤١٧، ٦٢٢٠، ٦٣٠٩، ٦٥٩٠، ٦٦٢١، ٦٧٠٩، ٦٧٣٦، ٦٧٤٢، ٦٧٩١، ٧١٤٩، ٧٣٠٠، ٧٨١٥.
* * *
[ ٥٨ ]