جرى المحرران في كتابهما على قاعدة ما أعلم مَنْ قال بها قبلهما، وهي: أن شيوخ أبي حاتم الرازي الذين أطلق عليهم لفظة: "صدوق" ثقات، ولست أريد أن أخل معهما في أصول هذه القاعدة ومدى اتساعها للتطبيق العملي، لكن يكفيني لأدلل على فسادها ما يأتي "والحليم تكفيه الإشارة":
أ- إن أبا حاتم الرازي نفسه قد تكلم في بعض شيوخه الذين روى عنهم ومن أولئك الشيوخ:
(أ) أحمد بن هاشم بن أبي العباس الرملي، روى عنه أبو حاتم (تهذيب الكمال ١/ ٨٩ ط ٩٨)، وقال عنه: "صدوق يكتب حديثه ولا يحتج به". (الجرح والتعديل ٢/ ٨٠).
(ب) عبد اللَّه بن الجراح بن سعيد التميمي، روى عنه أبو حاتم (تهذيب الكمال ٤/ ١٠٠ ط ٩٨)، وقال عنه: "كان كثير الخطأ ومحله الصدق". (الجرح والتعديل ٥/ ٢٨).
(ج) عبد الرحمن بن بكر بن الربيع الجمحي، روى عنه أبو حاتم (تهذيب الكمال ٤/ ٣٧٦ ط ٩٨) وقال عنه: "محله الصدق". (الجرح والتعديل ٥/ ٢١٧).
(د) عبد الرحمن بن واقد العطار البصري، روى عنه أبو حاتم (تهذيب الكمال ٤/ ٤٨٧ ط ٩٨)، وقال عنه: "شيخ". (الجرح والتعديل ٥/ ٢٩٦).
وغير هذا الكثير، فاكتفيت باجتزاء هذه الأمثلة لتدل على غيرها.
[ ٧٩ ]
٢ - تَكَلمَ غيرُ أبي حاتم الرازي من النقاد الذين تعتبر أقوالهم في بعض شيوخ أبي حاتم، مثل:
(أ) حفص بن عمر بن عبد العزيز الدوري المقرئ، روى عنه أبو حاتم الرازي (الجرح والتعديل ٣/ ١٨٤). قال فيه الدارقطني: ضعيف (تهذيب التهذيب ٢/ ٤٠٨)، وقال الإمام الذهبي: ليس هو في الحديث بذاك (الميزان ١/ ٥٦٦). وقال الذهبي أيضًا مقررًا ضعفه: "وقول الدارقطني: ضعيف، يريد في ضبط الآثار، أما في القراءات، فثبت إمام" (سير أعلام النبلاء ١١/ ٥٤٣).
(ب) خالد بن خداش بن عجلان الأزدي، روى عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٣/ ٣٢٧). قال يحيى بن معين وأبو حاتم وصالح جزرة: صدوق. وقال يعقوب بن شيبة: كان ثقة صدوقًا، وقال ابن المديني: ضعيف. وقال الساجي: فيه ضعف. وقال ابن معين -مرة-: قد كتبت عنه، ينفرد عن حماد بن زيد بأحاديث. وقال أبو داود: روى عن حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر حديث الغار، ورأيت سليمان بن حرب ينكره عليه. وقال أبو حاتم: سألت سليمان بن حرب عنه فقال: صدوق لا بأس به. (تهذيب التهذيب ٣/ ٨٥ - ٨٦).
(ج) سليمان بن عبيد اللَّه الأنصاري الرقي، روى عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٤/ ١٢٧). قال ابن معين فيه: ليس بشيء. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة (ضعفائه: ٣٧٦): منكر الحديث. وذكره العقيلي في الضعفاء، وقال: لا يتابع على حديثه. (تهذيب التهذيب ٤/ ٢٠٩ - ٢١٠).
(د) سنيد -واسمه الحسين- بن داود المصيصي، روى عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٤/ ٣٢٦). أقول: اشتهر سنيد بتلقينه شيخه حجاج بن
[ ٨٠ ]
محمد. فقال عبد اللَّه بن أحمد: لم يحمده أبي فيما رآه يصنع بحجاج وذمه على ذلك. وقال أبو داود: لم يكن بذاك. وقال أبو حاتم: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة. وقال ابن حبان: ربما خالف. (تهذيب الكمال ٣/ ٣١٩ ط ٩٨). ونقل الدكتور بشار هناك عن إكمال مغلطاي: أن مسلمة الأندلسي والساجي ذكراه في جملة الضعفاء.
(هـ) محمد بن مصفّى بن بهلول القرشي الحمصي، روى عنه أبو حاتم (الجرح والتعديل ٨/ ١٠٤). قال أبو حاتم فيه: صدوق. وقال النسائي: صالح. وفي مرة: صدوق. وقال صالح جزرة: كان مخلطًا، وأرجو أن يكون صادقًا، وقد حدث بأحاديث مناكير وقال ابن حبان: ربما أخطأ. وقال أبو زرعة الدمشقي: كان ممن يدلس تدليس التسوية. (تهذيب الكمال ٦/ ٥١٩ ط ٩٨).
وغير ذلك من الأمثلة.
٣ - إن المحررين قد تناقضا في تطبيقهم لهذه القاعدة، فلم يسيرا فيها سيرًا متزنًا في ثنايا كتابهما، فقد وثقا طبقًا لهذه القاعدة ثمانية وأربعين راويًا: وإليك أرقام تراجمهم في تحريرهما:
١٧، ٧٦، ٢٠٠، ٢٥٠، ٤٣٠، ٤٩١، ٧٤٥، ١٧٨٧، ١٩٢٥، ٢٧٢١، ٢٧٣٠، ٣٢٠٣، ٣٢٨٠، ٣٤٩٣، ٣٥١١، ٣٧٦٦، ٣٨١٢، ٣٨٩٠، ٣٩٣٩، ٤٠٧٤، ٤٠٧٥، ٤٠٩٠، ٤١٤٦، ٤٢٥٢، ٤٢٧٠، ٤٦٨٨، ٤٧٠١، ٤٧١٣، ٤٧٣٨، ٤٧٤١، ٤٧٦٥، ٥١٧٢، ٥٣٩٠، ٥٣٩٦، ٥٦٩٤، ٥٦٩٥، ٥٧١٩، ٥٧٤٩، ٥٨٠٤، ٦٣٨٦، ٦٥٢٨، ٦٩٤٧، ٦٩٨٦، ٧٢٢١، ٧٢٩١، ٧٥٦٨، ٧٦٠٠، ٧٨٨٧.
في حين أنزلا اثني عشر راويًا عن مرتبة الثقة إلى صدوق، وضعيف، وضعيف يعتبر به، نقضًا لهذه القاعدة، مع أنهم من شيوخ أبي حاتم، وإليك أرقام تراجمهم في تحريرهما:
[ ٨١ ]
١٠٩، ١٢٢، ١٤١٦، ١٦٢٣، ٢٥٩١، ٢٦٤٦، ٢٦٦٤، ٣٢٤٨، ٤٠٣٧، ٥٣٤٠، ٦٣٠٤، ٧٠١٠.
وقد نص المحرران في مقدمتهما أن أبا حاتم يطلق على بعض شيوخه لفظة: "صدوق" تواضعًا، وهذا أمر عجيب غريب لا ندري كيف خطه قلم المحررين؟ فكيف يجرأ أبو حاتم من إنزال الراوي من رتبة إلى رتبة على هذا وكيف ينزله أبو حاتم هكذا تواضعًا؟ وهل أن الحكم على الراوي من حق الراوي أم من حق أبي حاتم؟ ثم إن أبا حاتم أطلق لفظة: "ثقة" في كثير من شيوخه فلماذا تواضع في بعض ولم يتواضع في بعض؟! ثم لو كان ما ذكراه حقًّا فكيف يجعل ابنه عبد الرحمن من قيل فيه: "صدوق" في رتبة الاعتبار (الجرح والتعديل ٢/ ٣٧) فتنبه!!
وكذلك زعم المحرران أن النسائي يطلق على ثقات شيوخه: "لا بأس به" وهي قاعدة عجيبة غريبة كذلك لم يسبقا إليها ولم يقل بها أحد قبلهما؛ فالأمة مجمعة على خلاف قولهما، بل كيف يحق للنسائي أن ينزل رتبة راوٍ بسبب كونه شيخه؟! بل كيف يقارن المحرران بين لفظتين مختلفتين في إحداهما إثبات وفي الآخرة نفي ليس إثباتًا؟!
* * *
[ ٨٢ ]