المطلب الأول: الطبقات عند الحافظ ابن حجر.
المطلب الثاني: العلامات والرقوم.
* * *
تمهيد
اهتم العلماء منذ وقت مبكر بتأليف الكتب التي تتكلم عن الرواة، وتحكم عليهم، وتبين مراتبهم من التوثيق والتضعيف وغير ذلك، وفائدة هذا: التوصل إلى معرفة صحة الحديث من سُقْمِه؛ لذا زخرت المكتبة الإسلامية بالجم الغفير من الكتب منذ نهاية عصر التدوين حتى يوم الناس هذا، وكانت من الكثرة بحيث أصبحت عملية عدها مستعصية على العادِّ ويكاد يكون أمرًا غير ممكن، إلا أن هناك بعضًا من المصنفات نالت حظوة لدى الباحثين، وقيمة عليا عند المحققين منها: تاريخ يحيى بن معين (برواياته المختلفة) وكتب السؤالات التي وجهت للإمام أحمد، وتواريخ البخاري، ومصنفات ابن أبي حاتم وثقات ابن حبان وابن شاهين، ومؤلفات الدارقطني وغيرها الكثير الكثير.
ولما كان كلام أئمة الجرح والتعديل متناثرًا في كتبهم، تلفه طويات صفحاتها كان أمر جمع أقوال النقاد في كل راوٍ على حدة حلمًا ساور الكثير من المصنفين، إلى أن جاء الحافظ الكبير عبد الغني بن عبد الواحد الجماعيلي المقدسي الحنبلي (٥٤٤ - ٦٠٠ هـ) فصنف سفره العظيم: "الكمال في أسماء الرجال" فكان بحق كتابًا نافعًا ماتعًا، ويكفيك للدلالة على علو كعب هذا الكتاب إقدام المزي على تهذيبه.
[ ٢٧ ]
وقد تناول الحافظ عبد الغني في كتابه هذا رجال الكتب الستة من خلال بيان أسمائهم، وما قيل فيها من اختلاف وبيان شيوخهم وتلامذتهم، وما قيل في كلٍّ منهم من جرح وتعديل، وما عرف من وفيات أكثرهم. ومع حرصه الشديد على الشمول والاستقصاء، فقد فاته بعض الرواة الذين لم يقف عليهم، فشاب -وما شان- كتابه شيء من النقص، كان بحاجة إلى إكمال.
فقيض اللَّه تعالى لهذا العمل العظيم رجله بحق الإمام الحافظ أبا الحجاج المزي (٦٥٤ - ٧٤٢ هـ)، فعمل على تهذيب كتاب الكمال طلبًا لاختصاره، وأضاف تراجم كثير من الرواة الذين فات الحافظ عبد الغني ذكرهم طلبًا للاستيفاء، وحذف منه وأضاف له، وسمَّاه: "تهذيب الكمال في أسماء الرجال"، فكان بحق كمالًا للكمال، ومكملًا لفوائد اقتضاها الحال.
ومن الناس من يظن أن عمل الحافظ المزي إنما هو اختصار للكمال، وهو خطأ لطالما سمعته من كثير من المشايخ، والذي يظهر أن التهذيب هنا بمعنى: التصحيح والاستدراك.
ولقد تجمع من جهد هذين الحافظين عمل فذ كان الذروة في بابه، إلا أن الكتاب طال جدًّا، وصعبت على الناس مراجعته، مع بعد الزمان وتقاصر الهمم، الأمر الذي حدا بكثير من العلماء إلى اختصاره طلبًا للتيسير ودفعًا للمشقة المتوقعة، فكان أحد هؤلاء الحافظ ابن حجر، إذ اختصره في كتابه "تهذيب التهذيب" فكان كتابًا عظيمًا نافعًا.
ويتلخص تهذيب الحافظ ابن حجر فيما يأتي:
١ - لم يحذف من رجال "تهذيب الكمال" أحدًا، وإنما زاد فيهم من هو على شرطه.
٢ - أعاد التراجم التي حذفها المزي من أصل "الكمال" وكان الحافظ عبد الغني قد ذكرها بناءً على أن بعض الستة أخرج لهم، وكان المزي قد حذفهم بسبب عدم وقوفه على روايتهم في شيء من الكتب الستة.
[ ٢٨ ]
٣ - حذف من الترجمة الأحاديث التي خرجها المزي من مروياته العالية الموافقات والأبدال، وغير ذلك من أنواع العلو.
٤ - لم يستوعب شيوخ وتلاميذ المترجم له، بل اقتصر على المشهورين منهم وحذف الباقين.
٥ - لم يلتزم نهج المزي في ترتيب شيوخ صاحب الترجمة والرواة عنه على حروف المعجم، بل قدم المشهورين على غيرهم.
٦ - حذف من الترجمة أغلب الأخبار التي لا تدل على توثيق ولا تجريح.
٧ - حذف كثيرًا من الاختلافات المذكورة في وفاة المترجم له.
٨ - ميز ما أضافه إلى الترجمة بـ "قلت" (^١) ثم يسوق قوله.
ومن فوائد هذا الكتاب العظيم أنه جمع ما استدرك على المزي، فوضعه في محاله، وقد ذكر الحافظ استفادته من زوائد الذهبي في "تذهيب تهذيب الكمال"، ثم قال: "وقد انتفعت في هذا الكتاب المختصر بالكتاب الذي جمعه الإمام العلامة علاء الدين مغلطاي على تهذيب الكمال، مع عدم تقليدي له في شيء مما ينقله، وإنما استعنت به في العاجل، وكشفت الأصول التي عزا النقل إليها في الآجل، فما وافق أثبته، وما باين أهملته، فلو لم يكن في هذا الكتاب المختصر إلا الجمع بين هذين الكتابين الكبيرين في حجم لطيف لكان معنًى مقصودًا، هذا مع الزيادات التي لم تقع لهما، والعلم مواهب، واللَّه الموفق" (^٢).
ولما كان الكتاب يمتاز بهذه الزيادات النافعة الماتعة، أصبح على نفاسته مَدْرَسَ الناس ومرجعهم، ينهلون منه العلم والمعرفة في تفحص أحوال الرجال التي
_________________
(١) مقدمة التحرير: (١/ ١٠ - ١٢)، وقد أشار الحافظ نفسه في مقدمة تهذيبه (١/ ٢ - ٥ و٨) إلى هذه الأمور.
(٢) تهذيب التهذيب: (١/ ٨ - ٩).
[ ٢٩ ]
إليها المرجع في معرفة صحيح الحديث من ضعيفه، ثم أراد الحافظ ابن حجر أن يقرب فوائد هذا الكتاب إلى الناس، فاختصر "تهذيب التهذيب" في كتابه "تقريب التهذيب"، راعى فيه الفائدة والاختصار بحيث تكون الترجمة تشمل اسم الرجل واسم أبيه وجده، ونسبه ونسبته وكنيته ولقبه، مع ضبط المشكل بالحروف، ثم الحكم على كل راوٍ من المترجمين لهم بحكم وجيز، ثم التعريف بعصر كل راوٍ؛ حيث قسَّمهم على طبقات، جعلها اثنتي عشرة طبقة، ثم ذكر الرموز لكل راوٍ والتي تنبئ عن مكان وجود أحاديث المترجم له في الكتب (^١).
وقد بين الحافظ نفسه سبب اختصاره للتهذيب بالتقريب، فقال: "فإني لما فرغت من تهذيب "تهذيب الكمال في أسماء الرجال" الذي جمعت فيه مقصود التهذيب لحافظ عصره أبي الحجاج المزي، من تمييز أحوال الرواة المذكورين فيه، وضَمَمْتُ إليه مقصود إكماله، للعلامة علاء الدين مغلطاي، مقتصرًا منه على ما اعتبرته، وصحَّحته من مظانه من بيان أحوالهم أيضًا وزدت عليهما في كثير من التراجم ما يُتَعَجَّبُ من كثرته لديهما، ويستغرب خفاؤه عليهما، وقع الكتاب المذكور من طلبة الفن موقعًا حسنًا عند المميز البصير، إلا أنه طال إلى أن جاوز ثلث الأصل. . . والثلث كثير، فالتمس مني بعض الأخوان أن أجرد له الأسماء خاصة، فلم أوثر ذلك لقلة جدواه على طالبي هذا الفن، ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته، وأسعفه بطلبته على وجه يحصل مقصوده بالإفادة ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة، وهي: أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به، بألخص عبارة وأخلص إشارة بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبًا يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته ونسبه، وكنيته ولقبه، مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف، ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريف بعصر كل راوٍ منهم، بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه، إلا من لا يؤمن لبسه" (^٢).
_________________
(١) التحرير: (١/ ١٣ - ١٤).
(٢) التقريب: (١/ ٢٣ - ٢٤)، طبعة مصطفى.
[ ٣٠ ]
وهذا ملخص جيد عن المنهج الذي سار عليه الحافظ ابن حجر في كتابه "التقريب". ثم إن كتاب تقريب التهذيب هو خلاصة جهود الحافظ ابن حجر في علم الجرح والتعديل، وآخر اجتهاداته، وقد فرغ من تأليفه عام (٨٢٧ هـ) فظلَّ يحرر فيه، وينقح فيه، ويضيف إليه وينقص حتى عام (٨٥٠ هـ) أي قبيل وفاته بعامين، قال الشيخ الفاضل محمد عوامة: "إذا كان الحافظ ﵀ قد أنهى شرحه "فتح الباري" عام (٨٤٢ هـ)، فإنه ظلَّ يشتغل ويصقل كتابه "التقريب" ويعمل يده فيه إلى عام (٨٥٠ هـ)، كما هو واضح من تواريخ الإلحاقات، والإضافات على النسخة التي بين يدي، وقد أرخ عشرين إلحاقًا منها مؤرخة سنة (٨٤٨ هـ) وإحالة واحدة مؤرخة سنة (٨٥٠ هـ)، ثم قال: "فلا مجال لاحتمال زيادة إطلاع الحافظ على زيادة في الجرح والتعديل، أهمل خلاصتها فلم يلحقها في "التقريب" خلال هذه السنوات الطويلة من عام (٨٢٧ - ٨٥٠ هـ) وعلى احتمال اطلاعه على أشياء جديدة، فإنها أقوال لا تغيِّر من أحكامه" (^١).
* * *
_________________
(١) مقدمته للتقريب: ٣٦.
[ ٣١ ]