اختطَّ الحافظ ابن حجر لذكر التراجم وإيرادها خطة تنبني على ثلاثة ملاحظ:
الملحظ الأول: ذكر جميع تراجم "الميزان" سوى من ترجم له المزيّ في "تهذيب الكمال".
قال الحافظ السخاوي في "الجواهر والدرر" في أثناء سرده لمصنفات الحافظ ابن حجر في الرجال: "لسان الميزان". في مجلدين أو ثلاثة، يشتمل على تراجم من ليس في "تهذيب الكمال" من "الميزان" مع زيادات كثيرة جدًّا في أحوالهم مِنْ جرح وتعديل، وبيان وَهَم، وعلى خلق كثير لم يذكرهم في "الميزان" أصلًا. بُيِّض". انتهى (^٣).
الملحظ الثاني: حذف من ترجم له المزي في "تهذيب الكمال" سواء أكانت له رواية في الكتب الستة أو ذُكر تمييزًا.
_________________
(١) اللسان، الترجمة ٣٠٩٣ و٣٠٩٤.
(٢) ٩: ٢٤٥.
(٣) ٦٨٣:٢. وقوله (بُيِّض) تمييزًا له عما لم يبيِّض من مؤلفات ابن حجر.
[ ١ / ٨٨ ]
فأما من له رواية فظاهر من قول المؤلف في "المقدمة" (^١): "وكتبت منه ما ليس في تهذيب الكمال".
وأما المذكورون في "التهذيب" على سبيل التمييز، أو الذين فات المزيَّ ذكرهم من رجال الستة، فهل هؤلاء من شرط المؤلف فيذكرَهم، أو يحذفَهم؟
الجواب: أن المذكورين تمييزًا ليسوا من شرط المؤلف في "اللسان" وقد صرَّح المؤلف بهذا في ترجمة إسحاق بن عبد الله (١٠٤٣) فقال: إسحاق بن نجيح المَلَطي، لم يخرج له أحد من الأئمة الستة، ولكن ذكره المزي في "التهذيب" (^٢) للتمييز، فلم أذكره هنا لكونه ليس من شرطي في هذا "اللسان". اهـ.
وألمح المؤلف إلى هذا المعنى أيضًا في ترجمة إسحاق بن ناصح (١٠٧٥).
ومما يؤكد أن المميَّزِين في "تهذيب الكمال" ليسوا من شرط "اللسان" أن المؤلف حذف التراجم الآتية، وقد ذكرهم المزي تمييزًا، وهم:
١ - إبراهيم بن مهدي الأُبُلِّي (^٣).
٢ - إسحاق بن الصَّبَّاح الكِندي (^٤).
٣ - أيوب بن هانئ الحنفي (^٥).
٤ - بُكير بن شهاب الدَّامَغَاني (^٦).
_________________
(١) ص ١٩١.
(٢) ٢: ٤٨٤.
(٣) تهذيب الكمال ٢: ٢١٦.
(٤) تهذيب الكمال ٢: ٤٣٦.
(٥) تهذيب الكمال ٣: ٥٠٢.
(٦) تهذيب الكمال ٤: ٢٣٩.
[ ١ / ٨٩ ]
٥ - حرب بن ميمون الأصغر (^١).
٦ - الحسن بن عَمْرو بن سيف العَبْدي (^٢).
٧ - محمد بن معاوية الهِلَالي (^٣).
ونحوهم ممن تُكلّم فيهم من المميَّزين في "تهذيب الكمال".
أما الذين فات المزيَّ ذكرهم من رجال الستة، فهم على الشرط، ولهذا أورد المؤلف تراجمهم هنا، ومنهم: أيوب بن خُوْط (١٣٤٨)، رُؤْبة بن العجَّاج (٣١٦٣)، عبد العزيز بن معاوية (٤٨٣٧)، عقبة بن شداد (٥٢٤٨)، محمد بن عبد الله بن خالد (٧٠٠٠)، المِسْوَر بن عبد الملك (٧٧٤٥)، يحيى بن فُلَيح (٨٥١٢).
الملحظ الثالث: عدَمُ التعرض لتراجم الصحابة، لأنهم عُدول، والضعفُ إنما يجيء من قبل الرواة إليهم. وهذا الملحظ التزم به المؤلف تبعًا للذهبي (^٤).
هذه الملاحظ الثلاثة هي الخطة التي بَنَى عليها المؤلف تراجم الكتاب، ومشى عليها في غالب التراجم، إلَّا أنه أخلّ بها أحيانًا، وبيانُ ذلك على النحو الآتي:
أولًا: أغفل المؤلف بعض التراجم من "الميزان"، وهي على شرطه، ومنها التراجم الآتية بأرقامها في "الميزان":
١٩٦٥، ١٩٦٦، ٤٣١١، ٤٨٦٣، ٥٣٩٦، ٨١٣٨، ٧١٨٤، ٨٩٨٤.
_________________
(١) تهذيب الكمال ٥: ٥٣٢.
(٢) تهذيب الكمال ٦: ٢٨٧.
(٣) تهذيب الكمال ٢٦: ٤٧٨.
(٤) ينظر "الميزان" ١: ٢.
[ ١ / ٩٠ ]
فيُحتَمَل أن هذه التراجم ثبتت في بعض النسخ دون الأخرى، ويَرِدُ نحوُ الاحتمال في التراجم التي يَستدركها المؤلف على "الميزان" مع ثبوتها فيه، التراجم:
- الحسين بن عبد الرحمن (٢٥٥٣).
- خالد بن صَبِيح الخُراساني (٢٨٧٩).
- سعيد بن الصبَّاح (٣٤٣٨).
- شهاب (٣٨٣٦).
- الضحاك بن شُرَحْبِيل (٣٩٥٥).
- عامر بن محمد البصري (٤٠٥٥).
- عبد الله بن أحمد الفارسي (٤١٥١).
- عبد اللّه بن خالد أبو شاكر (٤٢١٧).
- عبد الله بن عبد الله الأموي (٤٢٩٠).
- عبد الله بن عَيَّاش الهَمْدَاني (٤٣٥١).
- عتيبة (٥٠٩٤).
- عثمان بن زائدة (٥١١٧).
- عيسى بن أبان بن صَدَقة (٥٩١٤).
- محمد بن يزيد الكوفي (٧٥٧١).
هذه التراجم ذكرها الذهبي في "الميزان" (^١) وعبارته فيها تختلف عما في استدراكات المؤلف، مما يدل على أن هذه التراجم لم تكن في نسخة المؤلف الميزان" وإلَّا لأورد عبارة الذهبي كما هو منهجه.
_________________
(١) وأرقام تراجمهم في "الميزان": ٢٠١٧، ٢٤١٣، ٣٢١٧، ٣٧٥٥، ٣٩٣٢، ٤٠٩٢، ٤١٩٧، ٤٢٨٥، ٤٤٠٥، ٤٤٩٤، ٥٤٨١، ٥٥٠٧، ٦٥٥٣، ٨٣٢٧.
[ ١ / ٩١ ]
وكذلك ما يستدركه شيخه الحافظ العراقي في "ذيل الميزان" وهو في "الميزان"، مثل ترجمة: مبارك بن أبي حمزة (٦٢٨٥). فله ترجمة في "الميزان" (٧٥٤٠)، واستدركه الحافظ العراقي في "ذيله" (٦٤١).
ومما يؤكد هذا الاحتمال أيضًا، التراجم التي ذكرها الحافظ على أنها في "الميزان"، وليست في طبعة البجاوي، مثل التراجم:
- آدم بن الحكم (٩٤٤).
- إسحاق بن محمد السُّوسي (١٠٦٤).
- الحسين بن الفضل البجلي (٢٥٩٣).
- عبد الرحمن بن مَعْبَد (٤٧٠٤).
- عبد الوارث بن الحسن بن عمرو القرشي (٤٩٧١).
- عيسى بن صَبِيح (٥٩٣٢).
كل ما سبق يرجّح أن ما يقع من ذلك ونحوه مرجعه غالبًا إلى اختلاف نسخ "الميزان" لا إلى وهَم الحافظ ﵀، ومما لا شك فيه أن لدى الحافظ عدة نسخ من "الميزان" منها نسخة الواني كما ذكر في ترجمة أحمد بن عبد الله بن خالد الجُويباري (٥٦٦)، وغيرها كما في ترجمة عبد الرحمن بن مَعْبد (٤٧٠٤).
ثانيًا: ترجم المؤلف لبعض من ذكرهم المزي في "تهذيب الكمال" ممن له رواية في الكتب الستة، أو ذُكِر تمييزًا.
فممن له رواية:
- إسحاق بن عيسى (مد) (^١).
_________________
(١) تهذيب الكمال ٢: ٤٦٤، اللسان رقم ١٠٥١.
[ ١ / ٩٢ ]
- إياس بن الحارث (دس) (^١).
- جَبَلة بن عطية (س) (^٢).
- جعفر بن مصعب (قد) (^٣).
- حبيب بن مرزوق (ت س) (^٤).
- الحُرُّ بن مالك (ق) (^٥).
- الحسن بن إسحاق الهَرَوي (خ س) (^٦)
- الحسن بن أبي الحسناء (ر) (^٧).
- عثمان بن زائدة (م) (^٨).
وممن ذُكِر تمييزًا:
- إسحاق بن الربيع (١٠٢٤) (^٩).
- الحسن بن محمد بن شعبة (٢٣٨٩) (^١٠).
- الحسن بن الحسن بن يسار (٢٤٩٢) (^١١).
_________________
(١) تهذيب ٣: ٤٠٠، اللسان رقم ١٣٣٣
(٢) تهذيب ٤:٥٠٠، اللسان رقم ١٧٦٥
(٣) تهذيب ٥:١١٠، اللسان رقم ١٩٢٠
(٤) تهذيب ٥:٣٩٥، اللسان رقم ٢١٢٨
(٥) تهذيب ٥:٥١٥، اللسان رقم ٢١٩٠
(٦) تهذيب ٦:٥٥، اللسان رقم ٢٢٤٢
(٧) تهذيب ٦: ١٢٧، اللسان رقم ٢٢٥٥
(٨) تهذيب ١٩: ٣٦٧، اللسان رقم ٥١١٧
(٩) تهذيب الكمال ٢: ٤٢٥.
(١٠) تهذيب الكمال ٦: ٣٠٨.
(١١) تهذيب الكمال ٦: ٣٦٥.
[ ١ / ٩٣ ]
- العباس بن الحسين (٤١٠٣) (^١).
وغيرُهم.
نعم مَنْ ذكرهم المؤلف من رجال "تهذيب الكمال" لسبب اقتضى ذكرهم كالتنبيه على وهَم، أو تصويب غلط، أو كون الراوي له عدة أسماء مدلَّسة، ونحوِ هذه الدواعي، فذِكرُهم لا يخلّ بالخطة التي انتهجها.
ثالثًا: تعقب المؤلفُ الذهبيَّ في تراجم الصحابة الذين أوردهم الذهبي مخالفًا شرطَه في عدم التعرض للصحابة أمثال:
- الأغرِّ الغِفاري (١٣٠٩).
- بِشْرِ بن عِصمة (١٤٨٨).
- بِشر بن معاوِية (١٥٠٨).
- حارثة بن عَدِي (٢٠٧٦).
- الحَكَمِ بن عُمير (٢٦٩٥).
- خِذام بن وَدِيعة (٢٩٢٨).
- سلَّام بن قيس (بعد ٣٥٣٣).
- عبدِ الله بن جَرَاد (٤١٨٣).
- عبد الرحمن بن قارِب بن الأسود (٤٦٦٦).
- عطية بن بُسْر (٥٢٣٦).
- مِدْلاج بن عمرو (٧٦٤٢).
- مسعود بن الربيع (٧٦٩١).
وغيرِهم.
_________________
(١) تهذيب الكمال ١٤: ٢٠٨.
[ ١ / ٩٤ ]
ولكن المؤلف نفسَه ذَهَل أحيانًا، فخالف الخطة أيضًا، وذكر بعض الصحابة في مواضع معدودة، مثل: جُنَيْدة الفِهري (١٩٨٥)، كِنَانة بن أوس (٦٢٣٨)، مروان الأسلمي (٧٦٦٣)، ناجية بن الأعجم (٨٠١٨).
وغفل أحيانًا، فلم يُنبّه على صحابة وهِم الذهبي بذكرهم في "الميزان"، مثل: مُحرِز بن جارية (٦٣١٨)، إلَّا أن ذلك نادر منه.
وهناك ملاحظ أخرى تؤخذ من خلال بعض التراجم، توضّح بعضَ ملامح منهج المؤلف في إيراد التراجم، ونوعيةَ ودرجةَ الجرح الذي يعتبره المؤلف جديرًا لإيراد ترجمة صاحبه في هذا الكتاب، وسيتضح مما سأذكره من الأمثلة أن هناك أنواعًا من الجروح لا يَلتفِتُ إليها المؤلف، ولولا أن الذهبي سبقه إلى اعتبارها لَمَا عرَّج عليها بالكفية.
فمن الجروح غير المعتبرة عند المؤلف:
١ - جرحُ من لا رواية له، ورُمي ببدعة كبدعة التشيع، أو الخروج على الإمام، أو الاعتزال ونحوها.
قال المؤلف في ترجمة مِرْدَاس بن أُديَّة الخارجي (٧٦٤٦): "ولا أعرف لمرداس رواية، ويلزم مِنْ ذِكْرِه ذكرُ من كان على رأيه، ولا يمكن إحصاؤهم، وكذا القولُ في المعتزلة والشيعة، فما كان ينبغي أن يُذكر منهم إلَّا من له رواية، ولكني تبعت (الأصل) وباللّه التوفيق".
وقال في ترجمة عبد الله بن عبد الأعلى الشيباني (٤٢٩٢): "إنما ذكرته لأن الذهبي قد ذكر خلقًا من نحوه ممن لا رواية له كعبد الرحمن بن مُلْجَم".
وانظر الترجمة (٧١٠٤).
٢ - جَرْحُ مَن أخذ الأجرة على التحديث. قال في ترجمة ابن الأعرابي (٨٥٧): "قال ابن القطان: لم يَعِبْه إلَّا أخذُ البِرْطِيل على السماع. قلتُ: قد
[ ١ / ٩٥ ]
ذكر الذهبي علي بن عبد العزيز وعابه بهذا، فذكرت ابن الأعرابي تبعًا في ذلك".
٣ - جرحُ الأئمةِ الزهّاد أهلِ الصَّلاح، ممن اشتهرت مناقبهم، وأُخِذت عليهم بعضُ الأمور أو أُثِرت عنهم بعض الشطحات، وهي مغمورة في بحْر فضائلهم.
قال في ترجمة السَّرِيِّ السَّقَطِي (٣٣٦٨): "ومناقبه كثيرة، وإنما ذكرته تبعًا للمصنف -أي الذهبي- في ذكر أمثاله كالحارث المُحاسِبي، وذي النون المصري".
٤ - الجرحُ بالدخول في عمل السلطان. قال في ترجمة إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد (٩٩٩): "وهو ثقة، وإنما نَقَم عليه العجليُّ أنه كان أمينًا على أموال الأيتام، فكان ماذا؟ وما ذكرته إلَّا خشية أن يُسْتدرك، ثم وجدته في كتاب "الضعفاء" لأبي العَرَب … ".
٥ - جرحُ من في رواياته مناكير ولم تكثُر، وهو في نفسه صدوق. قال في ترجمة محمد بن أحمد الحَكِيْمي (٦٣٩٥): "ذكرته لأن الذهبي ذكر عثمان بن أحمد الدقاق الثقة الصدوق، بسبب كونه يروي المناكير".
٦ - جرحُ المتأخرين الذين جاؤوا بعد الثلاث مئة، فلا يتعرض إلَّا لمن وضح أمره، تبعًا للذهبي. قال في ترجمة محمد بن أحمد السَّاوِي (٦٤٤٩): "والشيخ شرط أن لا يذكر من المتأخرين إلَّا من وضح أمره، ثم أخذ يذكر مثل هذا وأمثاله من الثقات، هذا مع إخلاله بخَلْقٍ من أنظارهم، وقد تتبعت كثيرًا ممن يلزمه إخراجهم فألحقتهم، ولا أدَّعي الاستيعاب". وانظر أيضًا ترجمة ابن حزم (٥٣٢١).
ومن المَلاحِظِ الماخوذة من أثناء التراجم أن من كان قليل الحديث ليس
[ ١ / ٩٦ ]
من شرط الكتاب. قال المؤلف في ترجمة عامر بن مَطَر الشيباني (٤٠٥٧): "قال ابن سعد: قليل الحديث. نقلته من خط الشريف الحسيني. قلت: وهذا ليس من شرط الكتاب".
كما أن من لم يوجد فيه توثيق وروى عنه جماعة ليس من شرط الكتاب أيضًا. قال المؤلف في ترجمة زُرارة بن أبي الحلال العتكي (٣١٩٨): "وما أدري لمَ ذكره؟ فإنه ليس من شرط هذا الكتاب، ولو كان يذكر من لم يجد فيه توثيقًا، ولو روى عنه جماعة: لفاته خلائق".