تنقسم زيادات "اللسان" على "الميزان" إلى ثلاثة أقسام:
الأول: إضافات واستدراكات على التراجم المنقولة من "الميزان"، وقد جعل الحافظ علامة للفصل بين كلامه وكلام الذهبي، وهي أن يختم كلام الذهبي بقوله (انتهى) وما بعدها فهو من كلام الحافظ.
فإن اقتصر الحافظ على نقل كلام الذهبي ولم يزد عليه، فلا يقول في آخره: انتهى، لعدم الحاجة.
وفي بعض التراجم استعمل الحافظ لفظة (انتهى) لبيان انتهاء كلام غير الذهبي، والأمر في هذا هيّن، انظر مثلًا التراجم: ١٥٢٤، ٦٣٤٢، ٧٣٠٢، ٧٣٨٦، ٧٤٢٣، ٧٥٢٧، ٧٥٣٩، ٨٣٥٣ (^١).
الثاني: تراجم مزيدة من "ذيل الميزان" للحافظ العراقي، ورمْزُها (ذ)، وقد أضاف عليها الحافظ وزاد واستدرك، لكن ذلك منه يسير، ليس كحال إضافاته واستدراكاته على تراجم "الميزان".
كما أنه ترك بعض التراجم في "ذيل الميزان" فلم يوردها في "اللسان" وهي على شرطه: وأرقامها في "ذيل الميزان": ١٠٧، ١٣٢، ١٦٢، ٢٩٥، ٣١٢، ٣٧٥، ٤٣٦، ٤٥٢، ٤٥٣، ٤٥٨، ٤٦٢، ٤٦٣، ٤٦٩، ٤٧٠، ٤٧١، ٤٧٢، ٤٧٣، ٤٧٤، ٤٧٦، ٤٧٧، ٤٧٩، ٥٠٢، ٥٠٩، ٥١٩، ٥٢١. ٥٢٥، ٥٢٨، ٥٢٩، ٥٣٥، ٥٣٩، ٥٤٩، ٥٥٩، ٥٦٠، ٥٦١، ٥٧٥، ٥٨٣، ٥٨٤، ٦٥٦، ٧٠٠، ٧٢١، ٧٤٦، ٧٧٧، ٧٨٢، ٧٨٦، ٧٩٣.
_________________
(١) قال سلمان: حاولت التفريق بينهما بأن جعلت قبل (انتهى) التي هي آخر كلام الذهبي فاصلة (،)، وجعلت قبل (انتهى) التي هي ختام كلام غيره نقطة (.)، فاستفد منه.
[ ١ / ١٠٠ ]
الثالث: تراجم جديدة مستقلة مستدركة على "الميزان" و"ذيله" للعراقي، صاغها الحافظ بنَفْسِه وخطَّها بقلمه، ونَفَسُه فيها مختلف عن نفَس الحافظ الذهبي، وذلك جليٌ لمن أكثر القراءة لهما حتى ارتوى من مَعِيْنِهما، فإنه يميّز عندئذ عباراتهما وأساليبهما بعضها من بعض.
ورمْزُ هذه التراجم في قسم الأسماء (ز)، وأما في قسم الكنى والمبهمات فعلامتها خلوُّها من الرمز، كما تقدم في المبحث السابق.
وقد وضح الحافظ هذه الأنواع الثلاثة من الزيادات، بقوله في المقدمة (^١): "ثم إني زدتُ في الكتاب جملة كثيرة، فما زدته عليه من التراجم المستقلّة جعلتُ قُبالته أو فوقه (ز). ثم وقفت على مجلَّد لطيف لشيخنا حافظ الوقت أبي الفضل بن الحسين جعله ذيلًا على "الميزان"، فعلَّمت على ما ذكره شيخنا في هذا "الذيل" صورة (ذ) إشارة إلى أنه من "الذيل" لشيخنا. وما زدته في أثناء ترجمةٍ ختمتُ كلامه - أي الذهبي - بقولي: (انتهى) وما بعدها فهو كلامي". اهـ.
وقد ظهرت براعة الحافظ وسعة حفظه واطلاعه في القسمين الأول والثالث، أكثر من الثاني، فإنك إذا قرأت بعض تراجم "الميزان" ظننت لأول وهلة ألا زيادة عليها، ثم إذا قرأت زيادة الحافظ ابن حجر أو تعقُّبه تغيّرت نظرتك.
فالذهبي ﵀ فيما يبدو لي - لم يرد البسط والتوسع، وإنما أراد أن يكون كتابه "الميزان" وسطًا بين الاختصار والتطويل، ولذا وجد الحافظ ابن حجر طريقًا ممهدًا للتعقب والزيادة عليه ولا سيما فيما يتعلق بالجرح والتعديل اللذين عليهما مدار الكتابين.
فقد فات الحافظَ الذهبي في تراجم عديدة أقوالٌ مهمةٌ للنقاد في المترجم، استدركها عليه الحافظ ابن حجر رحمهما الله تعالى، وهذا أمرٌ جليٌّ لا يحتاج لبيان، فالكتاب فائض بأمثلة ذلك.
_________________
(١) ص ١٩٢ و١٩٣.
[ ١ / ١٠١ ]
ومع حرص الحافظ ابن حجر على استيعاب أقوال النقاد في المترجم إلَّا أنه فاته من ذلك شيء في مواطن سيأتي ذكرها في المبحث الثامن.
كما أن الحافظ الذهبي اختصر في كثير من الأحيان أقوال العلماء، اختصارًا مخلًا، أثار حفيظة الحافظ ابن حجر - وهو محق في ذلك - فتعقبه منتقدًا ومصححًا، انظر مثلًا التراجم: قبل ١٩٧٦، ٣٣٣٦، ٥٦٢٩، ٦١١٧ مكرر.
كما أنه وهِم أحيانًا في عزو الأقوال إلى غير أصحابها، أو نسب أقوالًا لنفسه هي لغيره، فتتبعه الحافظ ابن حجر في ذلك معيدًا النقد لأربابه والحق إلى نصابه، انظر مثلًا التراجم: ٢٦٥٨، ٤١٦٧، ٦٠٩٣، ٨١١١.
وقد تتبع الحافظُ ابنُ حجر الحافظَ الذهبيَّ في إشارته لبعض الأحاديث إشارة موجزة لا تفي بالمطلوب، فأخذ يذكر ما أشار إليه الذهبي ولم يذكره، أو ذكر جزءًا منه ولم يتمه، كما في التراجم: ٣٥٤٣، ٤١٣١، ٤٨٧٣، ٦٤٩٧، ٧٥٨٤. وغيرها.
هذا ما يتعلق بإضافات ابن حجر على تراجم "الميزان"، وأما ما أضافه من عنده فكان له منه تكلف تارة وتألق تارات أخر، فقد استدرك على الذهبي كثيرًا من تراجم الشيعة، التي لا تسمن ولا تغني من جوع، حيث إنه لا رواية لهم في كتب السنة، ثم كأنه تنبّه لذلك فتوقف، فهذا من التكلف، وكذا اعتباره قول ابن حبان في "ثقاته" في الراوي: "يخطئ" و"يغرب" سببًا كافيًا لِإيراده في "اللسان" كما سيأتي في المبحث السادس.
ومن إضافات ابن حجر ترجمته لبعض من أشار الذهبي أوهو نفسه إلى ضعفه في أثناء التراجم، إلَّا أنه فاته جماعة من هؤلاء، كما ذكرت في المبحث القادم.
[ ١ / ١٠٢ ]
وهذه الأنواع الثلاثة من الإضافات استمدها المؤلف من شيخه العراقي في كتابه "ذيل الميزان".
ومن إضافاته ﵀ توسعه في بابي الكنى والمبهمات، فقد أضاف إلى باب الكنى تراجم كثيرة تربو على المئين، ثم أعقب ﵀ باب الكنى بباب المبهمات متوسعًا ومتفننًا فيه، مقسِّمًا إياه إلى ثلاثة فصول تقدم ذكرها في المبحث الأول، مبينًا إجحاف الذهبي به إجحافًا أشد من إجحافه بباب الكنى.
قال ﵀ في أول باب المبهمات (^١): "قد أجحف المصنف بهذا الباب أكثر مما أجحف بالكنى، مع الاحتياج إلى استيعابهما، فقال لمّا فرغ من الكنى: ذِكْرُ من عرف بأبيه، فذكر عددًا قليلًا، فالزائد منه على ما في "التهذيب" ثلاثة عشر نفسًا.
ثم قال (يريد الذهبي): فصلٌ، فذكر قليلًا ممن ذُكر بلفظ النسب أو بالإضافة، والذي زاد منه على "التهذيب" اثنان، وهما: البزار صاحب "المسنَد" والكلبي، وممن أضيف إلى غيره واحد، وهو غلام خليل.
وقد استوعبت ما اشتمل عليه "اللسان" إلَّا ما شذَّ عني سهوًا". اهـ.
وهذا من تألقه وبراعته ﵀، فإن للكنى والمبهمات أهمية لا يعرفها إلًا المحققون المنقبون، على أنه كانت له أوهام في باب الكنى، كما ذكرته في المبحث الثامن.
وقد تألق الحافظ ﵀ وأبدع في كثير من التراجم التي صاغها بنفْسه متحررًا من متابعة "الميزان" فقد رجع فيها إلى مراجع لم يرجع إليها الذهبي، واستخلص بمنقاش الجِهْبِذ المطَّلع المتقن المتفنن من بطون كتب الصحابة، والتراجم، والمناقب، والأنساب، والمشتبِه، والعلل، والسؤالات، والتواريخ، والوفيات، والمعاجم، والمشايخ، والأثبات، والسنن، والأحكام، والشروح،
_________________
(١) ١٩٥:٩.
[ ١ / ١٠٣ ]
والمستخرجات، والمسانيد، والأجزاء، والأمالي، والفوائد، والرحلات، والأطراف، والموضوعات بنوعيها، والمصطلح، تراجم وأخبارًا ونتفًا تتعلق بالمجروحين في مظانها وغير مظانها.
بل توسع في ذلك حتى وصل إلى كتب اللغة، والأدب، والشعر، والرقائق، والأخلاق، والعقائد، والتفاسير، على نحو مدهِشٍ مبدَع، فلله دره كم أعجز من بعده!
وقد ذكرت شيئًا من أهم مصادره في المبحث القادم.
وأحب التنبيه إلى أنه جرت عادة الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في "فتح الباري" و"هدي الساري" و"تهذيب التهذيب" و"لسان الميزان" وغيرها من كتبه أن يتصرف في بعض الألفاظ، اختصارًا، أو تبديل لفظ بلفظ، أو إيراد العبارة بالمعنى منسوبة لقائلها، رعاية منه للمقام في سبك العبارة وصوغها وإدراجها متسقة مع ما قبلها أو ما بعدها، أو لكونه ينقل في كثير من الأحيان من حفظه، فلا يلتزم بحرفية ما ينقله تمامًا، وإنما يلتزم أن لا يخرج عنه جزمًا، وإن غيّر عبارة صاحب القول، فهذا مما ينبغي لحاظه عند عزو الحافظ ابن حجر ما ينقله إلى قائله أو ناقله.