﷽
الحمد لله الحيّ القيُّوم الذي تفرّد بالبقاء، والصلاة والسلام على سيّدنا ونبيّنا محمد أفضل الأنبياء، وعلى آله وصحبه الأخيار الأطهار الأمناء، وعلى من تبعهم بإيمان وإحسان إلى يوم اللقاء، أما بعد:-
فهذا كتاب "لسان الميزان " للحافظ الجِهْبِذ الشهير، والإمام الناقد النِّحرير، شيخ الإسلام أحمد بن عليّ بن محمد بن حجر العسقلانيّ المتوفى سنة ٨٥٢، ﵀ وقدّس روحه (^١): الذي كان إخراجه أملًا قديمًا في فؤاد سيّدي العلّامة الوالد رحمه الله تعالى، يلهجُ بذكره وتحقيقه، ويسعى لخدمته وتدقيقه، سعيًا دؤوبًا دائمًا، يستسهل في ذلك الصعاب، ويسترخص الغالي والعزيز (^٢)، ويسابق الزمن والأجل، جاهدًا وراغبًا في إخراجه على الشكل
_________________
(١) تقدمت طائفة من ثناء فحول العلماء عليه، لكن اعلم أن كلمتي الإمام البُلقيني والحافظ العراقي العاليتين الغاليتين صدرتا منهما والحافظ في شبابه (في حدود الثلاثين من عمره)! اللهم لا تحرمنا أجرهم! ولا تفتنا بعدهم! واغفر لنا ولهم! يا رحمن يا رحيم.
(٢) أذكر من ذلك قوله لي، وهو طريح الفراش في مستشفى العيون، بشأن إحضار نسخة ابن قمر التي هي مسوَّدة الحافظ ابن حجر للكتاب: لا تهتم بأمر التكلفة، فإنه ينبغي إحضارها مهما كلفت، وتعدُّد سؤاله- وهو على فراش الموت- عن وصول تجارب الكتاب، أملًا منه أن يقوم بالإشراف على تصحيحه، وأن ينظر فيه النظرة الأخيرة، كما هي عادته في كتبه ﵀ وغفر له.
[ ١ / ٧ ]
اللائق بالكتاب، والميَسَّر لطلّاب العلم والباحثين.
وأحمد الله ﷿ أنه لم يغادر هذه الدنيا الفانية الزائلة، إلَّا وقد متَّع ناظريه، وكحّل عينيه برؤية هذا السِّفْر الضخم العظيم مكتملًا ماثلًا للطبع.
وأحمده سبحانه أن مكَّنه وأكرمه -وهو في مرضه وآلامه- من أن ينظر فيه نظرةً أولى ويهيّئه للطبع، ففارق الحياة وهو قرير العين إذ أنجز هذا العمل الضخم، وحقّق ذلك الأمل القديم، خدمةً لحديث رسول الله ﷺ، ورجاءَ دعوة صالحة ممن ينتفع به، إلى أن يرث الله الأرض ومَنْ عليها (^١).
فاللهم أنزل على قبره الضياء والنور والفسحة والسرور، وأمطر جَدَثه بسحائب رحماتك ورضوانك وعفوك وغفرانك، وتقبّل منه عمله هذا وسائر أعماله، وعظِّمها له كما يليق بجلالك وعظمتك وكرمك! سبحانك لا نحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك!
وبعد وفاة والدي ﵀ وجدت نفسي أمام مجموعة من الكتب معلقة في المطبعة تنتظر الإخراج والنظر والتنقيح، فضلًا عما لم يدفع للطبع.
وكان واسطة العقد فيها هذا الكتابَ الضخم الفخم، المبسوط الموسوعي، مضافًا إليه رسالتي التي أحضِّرها لنيل درجة الماجستير في الحديث الشريف (^٢)، التي كنت تأخرت فيها قليلًا بسبب مرض الوالد ووفاته وانشغالي
_________________
(١) تأمل- رحمك الله- أنه كتب مقدمته قبل عشرين يومًا من وفاته! فهي كتابة من كان يعاني الآلام ويتحرَّق على كتابة كلمة أو سطر زيادة في خدمة هذا الكتاب!
(٢) وعنوانها: "الكامل في ضعفاء الرجال" للحافظ ابن عدي الجرحاني (٢٧٧ - ٣٦٥) من أول ترجمة عبد الله بن معاذ الصنعاني إلى آخر ترجمة عبد الرحمن بن سعد المُقْعَد- تحقيق ودراسة. =
[ ١ / ٨ ]
معه، فسألت الله العون والتوفيق، وشمّرت عن ساعد الجد والتحقيق، وصرت أقتنص أوقات فراغي في أثناء عملي بالرسالة، فأعمل فيه، قراءة وتنقيحًا وَتصحيحًا، حتى فرغت من رسالتي فتوجهت إليه بالكلية.
وكان من منهج الوالد ﵀ في إخراج الكتاب قراءتُه مرتين على الأقل، فلذا قمت بإعادة قراءته وتصحيح ما وقفت عليه من أخطاء مطبعية لم تكن لتفوت الوالد ﵀ لولا مرضه الشديد وضعف بصره في آخر أيامه.
ودأبت عليه نهارَ مساءَ متفرغًا له، قرابة سنتين، حتى انتهيت منه، والله يعلم كم تعبت وبذلت فيه من جهد ووقت، وكم سهرت عليه من ليالٍ، وواصلت فيه من أيام، مع كثرة الصوارف والعوالق، ودوام الإلحاح والطلب والاستحثاث من المحبين على سرعة إخراجه (^١).
لا يعرِف الشوقَ إلا من يُكَابِدُه … ولا الصبابةَ إلَّا من يقاسيها!
وقد قمت بمقابلة الكتاب مرة ثانية بمخطوطة الأصل، للاطمئنان على صحة النص، وحرصت أن أدقق في خدمته وتصحيحه على النقطة والفاصلة، رغبةً وأملًا في خروج الكتاب على نحوٍ تقرُّ به عين الوالد ﵀، وأسأل الله أن أكون قد وفّقت لإخراجه كما كان يأمل هو، وكما يرتضيه الحافظ ابن حجر قدّس الله روحه، وكما يستحقه هذا الكتاب العجاب، إخراجًا تطيب وتنشرح به صدور أهل الحديث، وتقرّ به أعين العلماء والطلبة، وما ذكرت ذلك إلَّا رغبة في دعوة بظهر الغيب -ولو مرة واحدة- من المنتفعين به، والله يجزي المتصدقين.
_________________
(١) = وقد تمت مناقشتها وإجازتها بدرجة ممتاز بفضل الله تعالى في ١/ ١٢/ ١٤٢٠ هـ- ٢٨/ ٤/ ١٩٩٩ م من كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض.
(٢) أذكر منهم: ريحانة الحجاز فقيد مكة المكرمة سيدي الشيخ العالم النقي الصفي الشريف الهاشمي المكي منصور بن عَوْن العَبْدَلي، المولود سنة ١٣٦٥ والمتوفى سنة ١٤١٩، والمدفون في البقيع الشريف قدّس الله روحه.
[ ١ / ٩ ]
وأشير إلى أن الوالد غمر الله قبره بالرحمة والمغفرة جعل جُلَّ همّه في خدمته لهذا الكتاب: ضبطَ النص وإخراجه سليمًا محررًا، دون التوسع في التعليق، من تتبع الأحاديث وتخريجها وبيان مراتبها، أو الترجمة للأعلام المذكورين في أثناء التراجم، أو تحرير حال الرواة المترجمين ودراستهم بشكل مفصَّل، أو استيعاب الأقوال فيهم، أو الاستدراك على الحافظ ما فاته ونحو ذلك.
وإن كان وقع له شيء من ذلك فهو قليل ونادر، والنادر لا حكم له، ولذلك أمرني ﵀ أن أكتب على الغلاف: (اعتنى به) لا (حققه)، وكان يقول: هذا الكتاب يمكن أن يخدم على ثلاثة أوجه (درجات)، وخِدْمَتُه له كانت على نهج الإيجاز لا البسط أو التوسط.
كما أشير إلى أنه ﵀ اعتنى بشكل المُشْكِل، وما تركه منه غير مشكول فهو مما لم يقف على ضبطه.
كما أودُّ أن أشير إلى أن هذا الكتاب المكنوز المليء بالفوائد والفرائد يحتاج لفهارس موسعة تخدمه وتُظهر درره المكنونة، وقد أراد الوالد رحمه الله تعالى القيام بتلك الفهارس، وأشار إلى ذلك في آخر تقدمته إلَّا أن المنية اخترمته دون أن يفعل شيئًا من ذلك، وقد قمت -بعون الله- بإعدادها وإخراجها، راجيًا من الله التوفيق والسداد، ومن المنتفعين بها صالح الدعاء.
ولقد كانت حياة سيدي العلامة الوالد ﵀ حَلْقة متقنة من العلم والعمل والدعوة والأدب والبحث والتحقيق والتأليف، وأسأل الله العلي القدير أن يوفقني ويسددني لإخراج ما بقي من كتبه المؤلفة أو المحققة مما أنجزه قبل وفاته، وعاجله الأجل قبل إخراجه.
[ ١ / ١٠ ]
وقد أثبتُّ بعد هذه المقدمة ترجمة موجزة للوالد طيّب الله ثراه، مرجئًا التوسُّع في ترجمته إلى كتاب مستقل أخرجه عنه إن شاء الله تعالى.
وفي الختام أسأل الله أن يتقبل خير قبول من مؤلف الكتاب الحافظ ابن حجر ومن والدي رحمهما الله تعالى ومن العبد الضعيف هذا الجهد، وأن يجزي خير جزاء من ساعد في إخراج هذا الكتاب وأعان عليه، وأخص بالذكر منهم أخي الكبير الأستاذ محمد زاهد، وأخي الكريم الطبيب أيمن أكرمهما الله بالرضا والقبول، وفتح عليهما أبواب العلم والخير، وصرف عنهما أبواب السوء والشر.
اللهم انفعني وارفعني بالقرآن العظيم، ووفقني لاتّباع نهجك القويم وسنة نبيك الكريم، واحشرني مع الأنبياء والعلماء والصالحين، وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا وقرة أعيننا محمد وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.
وكتبه
طالب العلم الفقير إليه تعالى
سلمان بن عبد الفتاح أبو غدة
الرياض ٥ ربيع الأول سنة ١٤٢٠ (^١)
_________________
(١) كنت أنهيت قراءة الكتاب وكتابة مقدمته في هذا التاريخ، ثم أنهيت الفهارس في غرة رجب ١٤٢١ كما هو مذكور في آخرها. ثم ضاعت التصحيحات الأخيرة المرسلة إلى المطبعة لأمر يريده الله! وشغلت عن إعادتها فتعطل الكتاب نحو ستة شهور، حتى منَّ الله بإعادة استخراجها وتنفيذها، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات ١٣٠/ جمادى الأولى/ ١٤٢٢.
[ ١ / ١١ ]