أخبرنا أبو هريرة عبدُ الرحمن بنُ الحافظِ الكبير الشهير الإِمام أبي عبد الله محمد بن أحمد بن عثمان الذهبيّ الدمشقي، فيما أجازه لنا غَيرَ مرة، وابنُهُ أبو عبد الله محمدُ بن أبي هريرة، وابنُ عمَّتِه أبو محمد عبد القادر بن محمد بن علي، فيما شافَهَاني به غيرَ مرة بدمشق في آخَرِين عن المؤلِّف قال:
الحمدُ لله الحَكَم العَدْل، العليّ الكبير، اللطيفِ الخبير، الماجِد البصير، الذي خَلَق كل شيء فأحسَنَ التقدير، ودبَّر الخلائقَ فأكمَل التدبير، وقَضَى بحكمته على العباد بالسعادة والشقاوة: فريقٌ في الجنة، وفريقٌ في السعير.
وأَرسَل رسلَه الكرام، بأصدق الكلام وأبينِ التحرير، وختمهم بالسيد أبي القاسم البشير النذير، السراج المنير، فأرسله رحمة للعالمين من نار السعير، وحَفِظ شريعته من التبديل والتغيير، وصيَّر أمتَه خيرَ أمة أُخرِجَتْ للناس، فيا حبذا التصيير.
وجَعَل فيهم أئمة ونُقّادًا يدققون في النَّقير والقِطْمير، ويتبصّرون في حِفظِ آثار نبيهم أتم التبصير، ويتعوّذون بالله من الهوى والتقصير، ويتكلّمون في مراتب الرجال، وتقريرِ أحوالهم، من الصدق والكذب، والقوة والضعف، أحسنَ تقرير.
وأشهدُ أن لا إله إلَّا الله، شهادة أَدَّخِرُها لسؤال منكرَ ونَكِير، وأُردفها
[ ١ / ١٩٤ ]
بشهادة أن محمدًا عبده ورسولُه، خيرُ نبي وأصدقُ نذير، صلَّى الله عليه وعلى آلِهِ وصحبِه أولي العزم والتشمير.
أما بعد: هدانا الله وسدَّدنا، ووفقنا لطاعته، فهذا كتابٌ جليل مبسوط في إيضاح نَقَلة العلم النبوي، وحَمَلة الآثار، ألَّفتُه بعد كتابي المنعوت بـ"المُغني" (^١)، وطوَّلت العبارة، وفيه أسماءُ عِدَّة من الرواة، زائدًا على من في "المغني" زدتُ معظمَهم من الكتاب "الحافل" المذيَّل على "الكامل" لابن عدي (^٢).
وقد ألَّف الحفاظ مصنفاتٍ جُملةً (^٣) في الجَرْح والتعديل، ما بين اختصار
_________________
(١) وكان الحافظ الذهبي قد أنهى "المغني" سنة ٧٢٠، كما في آخره ٢: ٨١٨.
(٢) مؤلف "الحافل" هو العلامة الحافظ الناقد الطبيب أبو العباس أحمد بن محمد بن مفرِّج الأُمَوي مولاهم، الأندلسي الإِشبيلي، الظاهري، النَّباتي الزَّهرِي العَشَّاب، المعروف بابن الرُّوميَّة، ولد سنة ٥٦١ وسمع من أبي عبد الله بن زَرْقُون وأبي ذَرّ الخُشَني ومِنْ أصحاب الفُراوي وأبي الوقت وغيرهما، ورحل إلى العراق ومصر وغيرهما. وكان بصيرًا بالحديث ورجاله، وفاق أهل عصره في معرفة النباتات والحشائش، وكان ظاهريًا متعصبًا لابن حزم بعد أن كان مالكيًا. روى عنه ابن نقطة وأبو بكر المؤمناني وأبو إسحاق البَلِّفِيقي وغيرهم. ومن مصنفاته في الحديث: "المُعْلِم بزوائد البخاري على مُسْلم"، و"توهين طُرق حديث الأربعين"، و"مختصر الكامل" لابن عدي، و"الحافلُ" المذكورُ هنا، وهو سفر ضخم، و"كتاب التذكرة" في معرفة مَشْيخته، و"مختصر غرائب مالك" للدارقطني. ومن مصنفاته في الأعشاب: "رسالة في تركيب الأدوية"، و"الرحلة النَّباتية"، و"تفسير أسماء الأدوية المفردة من كتاب ديسقوريدس"، وغيرها. توفي في ربيع الأول سنة ٦٣٧ رحمه الله تعالى. له ترجمة في: "تكملة الإِكمال" ٩٧:٣ و"تكملة المنذري" ٣: ٥٣٠ و"تكملة ابن الأبار" ١: ١٢١ و"سير أعلام النبلاء" ٥٨:٢٣ و"تذكرة الحفاظ" ٤: ١٤٢٥ و"تاريخ الإِسلام" ٢٩٨ سنة ٦٣٧ و"المُقَفَّى" ١: ٦١٤ و"الأعلام" ١: ٢١٨.
(٣) جاء في جميع الأصول: (جُملةً). وفي ط: "جَمَّة" وهو كذلك في ثلاث نسخ راجعتُها من "الميزان" وهو المعتمد.
[ ١ / ١٩٥ ]
وتطويل، فأوَّلُ من جُمعَ كلامهُ في ذلك الإِمامُ الذي قال فيه أحمد بن حنبل: ما رأيتُ بعيني مثلَ يحيى بن سعيد القَطَّان، وتكلَّم في ذلك بعده تلامذتُه: كيحيى بن معين، وعلي بن المديني، وأحمد بن حنبل، وعَمْرِو بن علي الفَلَّاس، وأبي خَيْثَمة.
وتلامذتُهم، مثلُ: أبي زُرْعَة، وأبي حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبي إسحاق الجُوزْجاني السَّعدي، وخَلْق.
ومَنْ بعدَهم مثلُ: النَّسَائيِّ، وابنِ خُزَيمة، والترمذي، والدُّولابي، والعُقَيلي، وله مصنَّفٌ مفيد في معرفة الضعفاء، ولأبي حاتم بن حِبان كتابٌ كبير عندي في ذلك.
ولأبي أحمد بن عدي كتابُ "الكامل" هو أكمل الكتب، وأجلُّها في ذلك. وكتابُ أبي الفتح الأزدي، وكتابُ أبي محمد بن أبي حاتم في "الجَرْح والتعديل"، و"الضعفاء" للدارقُطني، و"الضعفاء" للحاكم، وغيرُ ذلك.
وقد ذيَّل ابنُ طاهر المقدسي على "الكامل" لابن عدي، بكتاب لم أره، وصنَّف أبو الفرج بن الجوزي كتابًا كبيرًا في ذلك، كنتُ اختصرتُه أولًا، ثم ذيَّلتُ عليه ذيلًا بعدَ ذَيْل.
والساعةَ، فقد استخرتُ الله ﷿ في عملِ هذا المصنَّف، ورتبتُه على حروف المعجم، حتى في الآباء، ليقرُب تناولُه، ورمزتُ على اسم الرجل مَنْ أَخرَج له في كتابه من الأئمة الستة، فذكرها، ثم قال:
وفيه من تُكلِّم فيه مع ثقتِهِ وجلالتِهِ بأدنى لِين، وبأقلِّ تجريح، فلولا أن ابنَ عدي أو غيرَه من مؤلِّفي كتب الجرح ذكروا ذلك الشخص، لَمَا ذكرته لثقته، ولم أر من الرأي أن أحذِف اسمَ أحدٍ ممن له ذكرٌ بتليينٍ مَّا في كتب الأئمة المذكورين، خوفًا من أن يُتعقَّب عليَّ، لا أني ذكرتُه لضَعْفٍ فيه عندي.
[ ١ / ١٩٦ ]
إلَّا ما كان في كتاب البخاري وابن عدي وغيرِهما، من الصحابة، فإني أُسقِطُهم لجلالة الصحابة، ولا أذكرُهم في هذا المصنف، فإن الضَّعف إنما جاء من جهة الرُّواة إليهم.
وكذا لا أذكرُ في كتابي من الأئمة المتبوعين في الفروع أحدًا، لجلالتهم في الإِسلام، وعظمتِهم في النفوس، مثلَ: أبي حنيفة (^١)، والشافعي، والبخاري (^٢)، فإن ذكرتُ أحدًا منهم، فأذكره على الإِنصاف، وما يَضُرّه ذلك عند الله، ولا عند الناس، إذْ إنما يَضُر الإِنسانَ الكذبُ، والإِصرارُ على الخطأ، والتجرِّي على تدليس الباطل، فإنه خِيانة وجِناية، والمرءُ المسلم يُطبَع على كل شيء، إلَّا الخيانة والكذب.
فقد احتوى كتابي هذا:
١ - على ذكر الكذابين الوَضَّاعين المتعمِّدين، قاتلهم الله.
٢ - وعلى الكاذبين في أنهم سَمِعُوا، ولم يكونوا سَمِعوا.
٣ - ثُم على المتَّهمين بالوضع أو بالتزوير.
٤ - ثم على الكذابين في لهجتهم، لا في الحديث النبوي.
٥ - ثم على المتروكين الهَلْكَى الذين كَثُرَ خطؤهم، وتُرِكَ حديثُهم، ولم يُعتمَد على روايتهم.
٦ - ثم على الحفاظ الذين في دِينهم رِقَّة، وفي حديثهم وَهْن.
_________________
(١) وقد فنَّدت في تعليقي على "الرفع والتكميل" الطبعة الثالثة ص ١٢١ - ١٢٧ ما جاء في بعض نسخ "الميزان" المخطوطة والمطبوعة، من ترجمة لأبي حنيفة ﵀، وبيَّنتُ أنها مدسوسة.
(٢) زيادة من م ط.
[ ١ / ١٩٧ ]
٧ - ثم على المحدِّثين الضعفاء من قِبَل حفظهم، فلهم غَلَط وأوهام، ولم يُترَك حديثُهم، بل يُقبَل ما روَوْه في الشواهد، والاعتبارُ بهم لا في الأصول والحلال والحرام.
٨ - ثم على المحدّثين الصادقين، أو الشيوخ المستورين الذين فيهم لين ولم يبلغوا رتبةَ الأثبات المتقنين (^١)، وما أوردت منهم إلَّا مَنْ وجدتُه في كتاب في أسماء الضعفاء.
٩ - ثم على خلق كثير من المجهولين، ممن يَنُصُّ أبو حاتم الرازي على أنه مجهول، أو يقول غيرُه: لا يُعرَف، أو: فيه جهالة، أو غيرَ ذلك من العبارات التي تدل على عدم شهرة الشيخ بالصدق، إذ المجهول غيرُ محتج به.
١٠ - ثم على الثقات الأثبات الذين فيهم بِدعة، والثقاتِ الذين تَكَلَّم فيهم مَنْ لا يُلتفت إلى كلامه ولا إلى تضعيفه، لكونه تعنَّتَ وخالف الجمهورَ من أولي النقد والتحرير، فإنَّا لا ندّعي العصمةَ من السهو والخطأ في الاجتهاد في غير الأنبياء ﵈.
ثم إن البدعة صُغْرى وكبرى، رَوَى عاصمٌ الأحول، عن ابن سيرين قال: لم يكونوا يَسألون عن الإِسناد حتى وقعَتْ الفتنة (^٢)، فلما وقعت: نظروا من كان من أهل السنَّة أخذوا حديثَه، ومن كان من أهل البِدَع تركوا حديثَه. وروى هشام، عن الحسن قال: لا تُفاتِحُوا أهل الأهواء (^٣)، ولا تسمعوا منهم.
_________________
(١) العبارة في الأصول هكذا: "أو الشيوخ المستورين الذين لم يبلغوا رتبة الأثبات المتقنين" والمثبت من "الميزان" لأنه أوضح.
(٢) يعني الفتنة في مقتل سيدنا عثمان ﵁.
(٣) في "النهاية" ٣: ٤٠٧: "فاتحه: حاكَمَه، ومنه حديث لا تُفاتحوا أهلَ القَدَر أي لا تُحاكموهم، وقيل: لا تبدؤوهم بالمجادلة والمناظرة".
[ ١ / ١٩٨ ]
فالتليين بالبدعة بابٌ صَلِفٌ (^١)، فيه اختلافٌ بين العلماء، ليس هذا موضع تقريره.
ولم أتعرض لذكر مَنْ قيل فيه: محلُّه الصدق، ولا من قيل فيه: هو صالحُ الحديث، أو: يُكتَبُ حديثُه، أو: هو شيخٌ، فإنَّ هذا وشبهَه يدل على عدم الضعف المطلق.
فأعلى العبارات في الرواة المقبولين:
١ - ثَبْتٌ حجة، وثَبْتٌ حافظ، وثقةٌ مُتْقِن (^٢)، وثقة ثقة.
٢ - ثم ثقة.
٣ - ثم صدوقٌ، ولا بأس به، وليس به بأس.
٤ - ثم محلُّه الصدق (^٣)، وجيِّدُ الحديث، وصالحُ الحديث، وشيخٌ وَسَطٌ، وشيخٌ، وحسَنُ الحديث، وصدوق إن شاء الله، وصُوَيلِح، ونحوُ ذلك.
وأردى عباراتِ الجرح:
١ - دجَّال، كذَّاب، أو وَضَّاع، يَضَعُ الحديث.
٢ - ثم متَّهم بالكذب، ومتَّفَقٌ على تركِه.
_________________
(١) في (الأصول): "بابٌ صَلِف، وشُكِل الصادُ بالفتح واللامُ بالكسر، وكذا جاء (صَلِفٌ) في ثلاث نُسَخ من "الميزان". يقال: صَلِفَ الشيءُ صَلَفًا فهو صَلِفٌ: قلَّ خيرُه. وفي المطبوعة من "الميزان" و"اللسان": (سَلَف).
(٢) لم أقف على أوصاف (المتقِن) تعيينًا وتحديدًا في كلام المحدِّثين، ويمكنُ أن أقول: هو القويُّ الحفظ والمعرفة، الدقيقُ الضبط والتوثق، النادرُ الوَهَم والتصحيف.
(٣) في ص أ ك د: "ومحلُّه" بالواو. وفي ط وعدة نسخ من م: "ثم محلُّه" وهو الصواب، فإن هذه الألفاظ دون التي قبلها في المرتبة.
[ ١ / ١٩٩ ]
٣ - ثم متروك، وليس بثقة، وسكتوا عنه، وذاهبُ الحديث، وفيه نَظَر، هالك، وساقط.
٤ - ثم واهٍ بمَرَّة، وليس بشيء، وضعيف جدًّا، وضعَّفوه، ضعيف، واهٍ، منكَرُ الحديث، ونحوُ ذلك.
٥ - ثم يُضعَّفُ، وفيه ضعف، قد ضُعِّف، ليس بالقوي، غيرُ حجة، ليس بحجة، ليس بذاك، تَعرِفُ وتُنِكرُ، فيه مقال، تُكلِّم فيه، لَيِّنٌ، سيِّئُ الحفظ، لا يُحتج به، اختُلِفَ فيه، صدوقٌ لكنه مبتدع.
ونحوُ ذلك من العبارات التي تدل بوضعها على اطّراحِ الراوي بالأصالة، أو على ضَعفِه، أو على التوقفِ فيه، أو على جوازِ أن يُحتج به مَعَ لِينٍ فيه.
وكذلك من قد تُكلِّم فيه من المتأخرين، لا أُوردُ منهم إلَّا من قد تبيَّن ضعفُه واتَّضَح أمرُه من الرواة، إذ العُمدة في زماننا ليس على الرواة، بل على المحدِّثين والمفيدين، والذين عُرفَتْ عدالتهم وصدقهم في ضبط أسماء السامعين.
ثم من المعلوم أنه لا بد من صَوْن الراوي وسَتْرِه، والحدُّ الفاصلُ بين المتقدم والمتأخر، هو رأسُ سنة ثلاث مئة، ولو فتحتُ على نفسي تليينَ هذا الباب، ما سَلِمَ معي إلَّا القليل، إذ الأكثر لا يَدْرون ما يروون، ولا يعرفون هذا الشأن، وإنما سُمِّعوا في الصِّغَر، واحتِيجَ إلى علو سندهم في الكِبَر، والعُمدةُ على من أفادهم، وعلى من أَثبَت طِباقَ السَّماع لهم، كما هو مبسوط في علوم الحديث، والله الموفق، ولا حول ولا قوة إلَّا بالله. (هذا آخر الخطبة).
وقد وجدتُ له في أثناء الكتاب، ما يَصلح أن يكون في الخطبة، كقولِهِ في ترجمة أبان العطَّار (^١): إذا كتبتُ (صح) أولَ الاسم، فهي إشارة إلى أن العمل على توثيق ذلك الرجل.
_________________
(١) "الميزان" ١: ١٦.
[ ١ / ٢٠٠ ]
وقولِهِ فيها: ومن عيوب كتابه - يعني ابنَ الجوزي - أنه يَسرد الجرح ويَسكت عن التعديل.
وقال في ترجمة أبان بن حاتم الأُمْلُوكي (^١): اعلم أنَّ كل من أقول فيه: مجهول، ولا أُسندُه إلى قائل، فإن ذلك هو قولُ أبي حاتم فيه، وسيأتي من ذلك شيء كثيرٌ جدًّا فاعلَمْه، فإن عزَيْتُهُ إلى قائله، كابن المديني، وابن معين، فذلك بَيِّنٌ ظاهر (^٢).
وإن قلتُ: فيه جهالةٌ، أو نُكْرةٌ، أو يُجْهَل، أو لا يُعرف، وأمثالَ ذلك، ولم أعْزُه إلى قائل، فهو من قِبَلي، كما إذا قلتُ: صدوق، وثقة، وصالح، وليِّنٌ، ونحوَ ذلك ولم أُضِفه إلى قائل، فهو من قولي واجتهادي.
وقولِهِ في ترجمة أبان بن تَغْلِب (^٣): فإن قيل: كيف ساغ توثيقُ مبتدع وحَدُّ الثقة العدالةُ والإِتقان، فكيف يكون عدلًا، وهو صاحبُ بدعة؟ وجوابُهُ أن البدعة على ضربين:
فبدعةٌ صغرى: كغلو التَّشْيِيع، وكالتَّشْيِيع بلا غُلُوّ ولا تَحرُّق، فهذا كثير في التابعين وأتباعهم مع الدين والورع والصدق (^٤)، فلو رُدَّ حديثُ هؤلاء لذهب جملة من الآثار النبوية، وهذه مَفْسَدة بيِّنة.
_________________
(١) "الميزان" ١: ٦.
(٢) قد خالف الذهبي شرطه ذلك أحيانًا، كما وضحته في تعليقي على "الرفع والتكميل"، فانظره إن شئت.
(٣) "الميزان" ١: ٥.
(٤) قلت: بل كان مِنْ بعض الصحابة، قال الحافظ ابن عبد البر في "الاستيعاب" في ترجمة الصحابي أبي الطُّفَيْل عامر بن واثلة الليثي ٧٩٩:٣: "وكان محبًا لعلي ﵁، وكان من أصحابه في مشاهده، وكان ثقة مأمونًا يعترف بفضل الشيخين ﵄، إلَّا أنه كان يقدِّم عليًا ﵁، توفي سنة مئة من الهجرة". وقال في ١٦٩٧:٤: "وكان متشيعًا في علي ﵁، ويفضِّله ويثني على الشيخين أبي بكر وعمر ﵄، ويترحم على عثمان ﵁".
[ ١ / ٢٠١ ]
ثم بدعةٌ كبرى: كالرفض الكامل، والغلو فيه، والحطِّ على أبي بكر وعمر ﵄، والدُّعاءِ إلى ذلك، فهؤلاء لا يُقبَل حديثُهم، ولا كرامةَ.
وأيضًا فلا أستحضِرُ الآن في هذا الضَّرْبِ رجلًا صادقًا ولا مأمونًا، بل الكذبُ شِعارُهم، والتقيَّةُ والنفاقُ دِثارُهم، فكيف يُقبَلُ مَنْ هذا حالُه؟ حاشا وكلا.
فالشيعي والغالي في زمان السلف وعُرْفِهم، هو من تَكلَّم في عثمان، والزبير، وطلحة، وطائفةٍ ممن حارب عليًا ﵁، وتعرَّض لسبِّهم. والغالي في زماننا وعُرفِنا، هو الذي كفَّر هؤلاء السادة، وتبرَّأ من الشيخين أيضًا، فهذا ضال مُعَثَّر (^١).
وقال في ترجمة إبراهيم بن الحَكَم بن ظُهَير (^٢): اختلَفَ الناسُ في رواية الرافضة على ثلاثة أقوال (^٣): أحدُها: المنعُ مطلقًا. والثاني: الترخُّصُ مطلقًا، إلَّا في من يَكْذِبُ ويَضَع. والثالثُ: التفصيل، فتُقبَلُ روايةُ الرافضي الصدوق العارفِ بما يُحدِّث، وتُرَدُّ رواية الرافضي الداعية، ولو كان صدوقًا.
قال أشهب: سُئل مالك عن الرافضة فقال: لا تكلِّمهم، ولا تَرْوِ عنهم، فإنهم يَكذبون.
وقال حرملة: سمعتُ الشافعي يقول: لم أر أشهدَ بالزُّورِ من الرافضة.
وقال مؤمَّلُ بن إِهاب: سمعتُ يزيدَ بن هارون يقول: يُكتَبُ عن كل صاحب بدعة إذا لم يكن داعية، إلَّا الرافضة، فإنهم يَكذبون.
_________________
(١) جاء في ص: "مُفْتَرٍ". بدون شكل، وما أثبته هو من "الميزان" ١: ٦ وهو الملائم للسياق هنا. والمُعَثَّر هو: المتردِّي في الهلاك.
(٢) "الميزان" ١: ٢٧.
(٣) في ط: "في الاحتجاج برواية الرافضة"، وفي د: "في رواية الغلاة والرافضة".
[ ١ / ٢٠٢ ]
وقال محمد بن سعيد بن الأصبهاني: سمعتُ شَرِيكًا يقول: احمِل العلمَ عن كل من لقيتَ إلَّا الرافضة، فإنهم يَضَعُون الحديث، ويتخذونه دِينًا.
هذا آخِرُ كلامه.
قلت: فالمنع من قبول رواية المبتدعة الذين لم يُكفَّروا ببدعتهم، كالرافضة والخوارج، ونحوِهم، ذهب إليه مالك وأصحابُه، والقاضي أبو بكر الباقِلَّاني وأتباعُه.
والقبولُ مطلقًا، إلَّا فيمن يُكفرُ ببدعته، وإلَّا فيمن يَستحل الكذبَ، ذهب إليه أبو حنيفة، وأبو يوسف، وطائفة. ورُوي عن الشافعي أيضًا.
وأما التفصيل: فهو الذي عليه أكثرُ أهلِ الحديث، بل نَقَل فيه ابنُ حِبَّان إجماعَهم، ووَجْهُ ذلك: أن المبتدع إذا كان داعية، كان عنده باعث على رواية ما يَشُدّ به بدعتَه.
وقد حكى القاضي عبد اللّه بن عيسى بن لَهِيعة، عن شيخ من الخوارج أنه سمعه يقول بعد ما تاب: "إن هذه الأحاديث دِين، فانظروا عمن تأخذون دينكم، فإنَّا كنا إذا هَوِينا أمرًا صَيَّرناه حديثًا" (^١). حَدَّث بها عبد الرحمن بن مَهْدي الإِمام، عن ابن لَهِيعة، فهي من قديم حديثه الصحيح.
أنبأنَا بذلك إبراهيم بن داود شِفاهًا، أخبرنا إبراهيم بن علي، أخبرنا أبو الفرج بن الصَّيْقَل، أخبرنا أحمدُ بن محمد كتابة، أخبرنا الحسن بن أحمد، أخبرنا أبو نُعَيم، حدثنا أحمد بن إسحاق، حدثنا أبو يحيى الرازي، حدثنا عبد الرحمن بن عمر، حدثنا ابنُ مهدي بها.
قلتُ: وهذه واللّه قاصمة الظهر للمحتجين بالمراسيل، إذْ بدعةُ الخوارج كانت في صدر الإِسلام والصحابةُ متوافِرون، ثم في عصر التابعين، فمن
_________________
(١) "الموضوعات" ١: ٣٨.
[ ١ / ٢٠٣ ]
بعدَهم، وهؤلاء كانوا إذا استحسنوا أمرًا جعلوه حديثًا، وأشاعوه، فربما سمعه الرجل السُّنِّي، فحدَّث به، ولم يَذكر من حَدَّثَهُ به تحسينًا للظن به، فيَحمِلُه عنه غيرُه، ويجيء الذي يَحتج بالمقاطيع فيَحتج به، ويكونُ أصلهُ ما ذكرتُ، فلا حول ولا قوة إلَّا باللّه.
وينبغي أن يقيد قولُنا بقَبول رواية المبتدع إذا كان صدوقًا ولم يكن داعيةً: بشرطِ أن لا يكون الحديثُ الذي يُحدِّث به مما يَعْضُد بدعتَه ويَشُدّها، فإنا لا نأمن حينئذ عليه غلبةَ الهوى، واللّه الموفق.
فقد نَصَّ على هذا القيدِ في هذه المسألة الحافظُ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الجُوزجاني شيخُ النسائي، فقال في مقدمة كتابه في "الجرح والتعديل" (^١):
"ومنهم زائغ عن الحق، صدوقُ اللهجة، قد جَرَى في الناس حديثُه، لكنه مخذولٌ في بدعته، مأمون في روايته، فهؤلاء ليس فيهم حِيلة، إلَّا أن يؤخذ من حديثهم ما يُعرَف، إلَّا ما يُقوّي به بدعتَه فيُتَّهمُ بذلك" (^٢).
وقال حماد بن سَلَمة: حدثني شيخ لهم - يعني الرافضة - قال: كنا إذا اجتمعنا فاستحسَنّا شيئًا: جعلناه حديثًا (^٣).
وقال مُسَبِّحُ بن الجَهْم الأسلمي التابعي (^٤): كان رجل منا في الأهواء
_________________
(١) أي "أحوال الرجال" له، ص ٣٢.
(٢) هكذا في الأصول، وهو استثناء بعدَ استثناء، وعبارةُ الجوزجاني في كتابه: (إذا لم يُقَوِّ به بدعته، فيُتَّهمُ عندَ ذلك). وهذا من تصرُّف الحافظ ابن حجر المعروف لأنه يكتب من حفظه.
(٣) "الموضوعات" ١: ٣٩.
(٤) سَمّاه ابن عدي في مقدمة "الكامل" ١: ١٤٤: (منذر بن الجهم) وله ترجمة في "التاريخ الكبير" ٧: ٣٥٨ و"الجرح والتعديل" ٨: ٢٤٣.
[ ١ / ٢٠٤ ]
مدة، ثم صار إلى الجماعة، وقال لنا: أَنشُدُكم الله أن تَسمعوا من أحد من أصحاب الأهواء (^١)، فإنَّا واللّه كنا نروي لكم الباطل، ونحتسبُ الخير في إضلالكم.
وقال زهير بن معاوية: حدثنا مُحْرِز أبو رجاء، وكانَ يرى القَدَر فتاب منه، فقال: لا تَرْوُوا عن أحد من أهل القَدَر شيئًا، فواللّه لقد كنا نضَعُ الأحاديث، نُدْخِل بها الناسَ في القَدَر نحتسِبُ بها، فالحُكْمُ للّه!.