رثاه عدد من أحبابه وطلابه بقصائد عذبة رائقة رقيقة حزينة، أورد بعضها هنا:
[ ١ / ٦٤ ]
فمن أولئك صهره وتلميذه الدكتور الفاضل الشاعر ابن الشاعر: أحمد البراء بن عمر بهاء الدين الأميري حفظه الله، وهي بعنوان: "حَنَانَيْكَ لا تَرْحلْ".
حنانيكَ، لا ترحلْ، فجُرحيَ لم يزلْ … سخيًّا، ونارُ الفَقدِ فيه تَضَرَّمُ
ولا تطعَنِ القَرحَ الذي نزَّ مِنْ دمي … ولا تُنطقِ الحُزنَ الذي هو أبْكمُ
ففقدي لأحبابي يَهيجُ مواجعي … ويُخرِسُ أشعاري التي تترنَّمُ
فإِن رُمتُ بيتًا يَنْدُبُ الحِبَّ خانني … بياني، وظلَّ الدمعُ في العين يَسْجُمُ (^١)
فأَنْظِمُ دمعي في دُجايَ قصائدًا … فيُشرقُ ليلٌ في فؤاديَ مُظْلمُ
وتشهَقُ أنّاتي، وتزفِرُ أضلُعي، … وتُقبلُ أحزاني عليَّ تُسَلِّمُ
فأفتحُ صدري، للفؤادِ أضمُّها … فتسكنُ في أرجائِه، وتُخيِّمُ
حنانيكَ، لا ترحلْ، فقد كنتَ آسيًا … فمَنْ لجراحي اليومَ يأسو ويرحَمُ؟
وكنتُ إذا ما الهمُّ آدَ تصبُّري … وأزرى بآمالي العِطاشِ تجهُّمُ
أزوركَ والأنواءُ تصفَعُ مُهجتي … وعَصْفُ الرّياحِ الهُوْجِ يعوي ويحطِمُ
فما هو إلَّا أنْ أراكَ مُرَحِّبًا … بوجهٍ كنورِ الصُّبح، والعينُ تبسِمُ
فأنسى صَبَابَاتي (^٢)، وترتاحُ مُهجتي … وتَسْكُنُ آلامي، وبالدّفءِ أنعَمُ
فما لَكَ تمضي اليومَ غَيْرَ مُودِّعٍ … تُفَطِّرُ أكبادًا لنا، وتُيتِّمُ
وتسكبُ فوقَ الجُرحِ في قلبِنا لظىً … يَؤُجُّ (^٣)، ويَسْري في العروق، ويُؤلِمُ؟!
رحلتَ وخلَّفْتَ المحبِّينَ: مُقْصَدٌ … بسَهْمِ النّوى، أووالِهٌ يترحَّمُ
رفيقةُ دربِ العُمرِ قد لفَّها الجَوى … وأذهلَها فَقدٌ وجيعٌ مُئَيِّمُ (^٤)
_________________
(١) سَجَمَ الدمعُ: سال.
(٢) الصَّبابة: رقةُ الشّوق وحرارته.
(٣) يَؤُجُّ: يلتهب ويستعر.
(٤) أَيَّمَ المرأةَ: صيَّرها أيِّمًا، وهي التي فَقَدَت زوجَها.
[ ١ / ٦٥ ]
تغشَّتْ بمثلِ اللَّيلِ -ثوبًا- سوادُهُ … أشدُّ سوادًا منه حُزن مُتَيِّمُ (^١)
أَمِنْ بعدِ عُمْرٍ بالمحبَّةِ عامرٍ … وَوُدِّ كوقْعِ الطَّلِّ، بلْ هُوَ أَنْعَمُ
تخلِّفُها في وحشةِ الدَّربِ وَحْدَها … تُداري ضَنىً في قلبِها، وتكتِّمُ
وربّاتُ طهر قد أحَطْنَ بوالدٍ … يودِّعْنَهُ، والقلبُ في الصَّدرِ يُكْلَمُ
ذوى منه وجهٌ كان بالنُّور مُشْرقًا … وعينٌ خبا فيها الضِّيا (^٢) والتبسُّمُ
تلفَّفْنَ بالصَّبرِ الجميلِ فلا ترى … سوى مَدْمعٍ يَهمي، وثغرٍ يُتمتِمُ (^٣)
نماهُنَّ للتقوى حَياءٌ، ووالدٌ … أعزُّ من النُّعمى، وأوفى، وأرحَمُ
وأبناءُ بِرٍّ كالبُدور تحلَّقوا … وأوجهُهُم فيها الضَّراعةُ تُرسَمُ
أحقًّا أبا الإخلاص والفضلِ والتّقى … تُغادِرُنا، والوعدُ في الغيبِ مُبْرَمُ؟
تركتَ لنا بَيْتًا من العِزِّ شامخًا … وذِكْرًا هو الكنزُ المَصونُ وأكرمُ
فأنَّى رَحَلْنا قيل: أبناءُ سيِّدٍ … وأنّى التفتنا قيل: نِعْمَ المعلِّمُ!
رحلتَ، ففي دارِ الخلافةِ (^٤) نادبٌ … وفي الهندِ محزونٌ، وفي مصرَ مُغْرَمُ (^٥)
وفي المغربِ الأقصى وجومٌ وحسْرةٌ … وفي القُدسِ والأُرْدُنِّ حُزن مُخيِّمُ
وفي الشَّام إخوانٌ همُ الصِّدقُ والوفا … يُضحُّونَ بالأغلى لو أنكَ تسلَمُ
فجيعتُهُم في فقدِكَ اليومَ غُصَّةٌ … تُحدِّرُها عين، ويَزْفِرُها فَمُ
وفي كلِّ صُقْعٍ زُرتَه وسقيتَهُ … علومُكَ نَبْتٌ طيبُ النَّفحِ يفْغَمُ (^٦)
_________________
(١) يُقال: تيَّمه الهوى: استعبَدَهُ، وذهبَ بعقله.
(٢) إشارة إلى أن الوالد ﵀ فَقد البصر بعينه اليُمنى قُبيل وفاته.
(٣) كُنَّ أخواتي يُحطْنَ بسرير الوالد ﵀، وهُنَّ يدعون ويتلون القرآن همسًا.
(٤) أُقيمت على الفقيد صلاة الغائب في أقطار عدّة، منها: استامبول، دار الخلافة العثمانية.
(٥) الغُرْم: ما ينوبُ الإِنسانَ من ضررٍ بغير جنايةٍ منه، والغرام: العذابُ الدائم الملازِم.
(٦) فَغَمَ الزهرُ: تفتَّح. وفغمتِ الرائحةُ المكانَ: ملأتْه.
[ ١ / ٦٦ ]
يُعزَّى بكَ المرءُ الذي لم يكن رأى … مُحَيّاك لكن طِيْبُ ذكرِكَ يَنْسِمُ (^١)
ففي الشّرقِ أحزان عليكَ ومأتمٌ … وفي الغربِ أحزانٌ عليكَ ومأْتمُ
وداعًا أبا الإِخلاصِ والذَّوقِ والحِجَا … أخا العلمِ يَهدي لفتي هيَ أقْوَمُ
هنيئًا لكَ المثوى النّديُّ بطَيْبةٍ … فيا حُسْنها بُشرى تَجِلُّ وَتَكْرُمُ!
ومن أولئك ابنه وبِكْره أخي المهندس محمد زاهد أبو غدة حفظه الله، وهي بعنوان: "رَحل الحبيبُ".
أحقًّا أنّه رحل الحبيبُ … وأن الشمسَ أدرَكها المغيبُ
وأنِّي صرتُ بين الناس فَرْدًا … وحيدًا لو تداهِمُني الخُطوبُ
أحقًّا إِنْ وردتُ أريدُ رِيًّا … ورأياَ سوف يُصدرِني اللُّغوبُ (^٢)
فلا "نعمُ" لها جرسٌ أثيرٌ … له نفسي إذا حنَّتْ تَذُوبُ (^٣)
وأينَ بهاؤُه في النفس يسري … وأين حديثُه شهدٌ وطيبُ
ولي دعواتُه بالخير تَتْرى … وإثرَ دعائه غيثٌ سَكُوبُ
يقول لي الفؤادُ: مُحَالُ يمضي … وكيف تزول شمسٌ لا تغيبُ؟
وكيف وما تزال لديهِ كتبٌ … يحقِّقها ورأيٌ لا يخيبُ
أبيْ قُمْ "فالعِنَايَة" (^٤) في انتظارٍ … لها من راحتيك كِسًا قشيبُ
أبيْ قُمْ فالمنابر باكيات … إذا ذكَرتكَ يعرُوها الوَجِيبُ (^٥)
_________________
(١) يُقال: نَسَمَتِ الرّيح: هبَّت.
(٢) صدر عن المكان: رجع وانصرف. واللُّغُوب: التعب والنَّصَب.
(٣) يشير إلى أن من عادة الوالد ﵀ أول ردِّه على الهاتف أن يقول: (نعم) لا (ألو) أو (هلو)، تكلُّمًا منه بالعربية!.
(٤) يريد كتاب "فتح باب العِنَايَة شرح كتاب النِّقَاية" للشيخ علي القاري، الذي خدم الوالد ﵀ ثُلثه تقريبًا ثم توفي، يسَّر الله للعبد إتمام خدمته وحسن إخراجه.
(٥) الوجيبُ: الاضطراب والاهتزاز.
[ ١ / ٦٧ ]
أبيْ قُمْ فالمشايخُ في انتظارٍ … قد اجتمعوا وطالِعُكَ النقيبُ (^١)
وأسأل طِبَّه: هل من علاجٍ؟ … فيبكي حين أسأله الطبيبُ (^٢)
أتى أمرُ الإِله فكُلُّ أمرٍ … سواه لا يُفيد ولا يُصيبُ
إذا اختار العليمُ فلا خِيارَ … وبالتسليم يرتاح اللبيبُ
وحولَك مؤمناتٌ ضارعاتٌ … بآي الذكر مَبْسَمُهُنْ رطيبُ
ينازِلن الفجيعةَ صابراتٍ … ولولا اللَّهُ لارتفع النحيبُ
فيا أمَّاه صبرًا ثم صبرًا … على الَّلأْواءِ واللَّهُ الحسيبُ
حملتِ العبأَ صبرًا واحتسابًا … ولم تهزُزْكِ ضرَّاءٌ قَطوبُ
وكنتِ له على الأيام عونًا … إذا ما يشتكي أنتِ الحَدوبُ
فيا رباه أجزلْ كلَّ خيرٍ … فأنتَ اللَّهُ أفضلُ من يُثيبُ
مضى شيخ الشيوخ تُقَىً وفضلًا … وملءُ إهابه علمٌ رحيبُ
فؤادٌ عامرٌ بالله ذِكرًا … وإلهامٌ له يعنو النجيبُ
ووجهٌ طافحٌ بالور بِشرًا … وتقوىً، تنجلي فيه القلوبُ
ودمعٌ كم ترقرق في الليالي … على الإِسلام تنهشه النُّيُوبُ
تتابعتِ النوائبُ والرزايا … يحار إزاءها الفَطِنُ اللبيبُ
جراحٌ أثخنت، والركبُ أعمى … ورأيك في النوازل لا يخيبُ
حملتَ همومَ أمتنا جميعًا … وهمٌ واحدٌ منها يُذيبُ
وكنتَ النور في دَيْجُور (^٣) جيلِ … تَحارُ به المسالك والدروبُ
كشفتَ له العَوارَ فذا يمينٌ … يجيعُكمو لتمتلئ الجيوبُ
_________________
(١) النقيبُ: كبير القوم وسيدهم.
(٢) يريد أخي طبيب القلبية أيمن نوَّر الله قلبه بالإِيمان والقرآن الذي كان ملازمًا لوالدي في مرض موته.
(٣) الدَّيجُور: الظلمة.
[ ١ / ٦٨ ]
وذاك يريدُ من (لينينَ) رشدًا … يزخرف قولَه وهو الكذوبُ
دعوتهمو إلى أمرٍ سواءٍ … به الدنيا -إذا اتَّبعوا- تطيبُ
بلادُ الشامِ تسأل مَنْ أتاها … أحقًّا ذلك النبأُ الرهيبُ
أغيَّبتِ البقيعُ إمامَ علم … له العلماء إنْ حاروا يؤوبوا
بكتكَ دمشقُ والشهباءُ ثكلى … وأهل الدين جمعهمو كئيبُ
فيا لكِ فرحةً دامت قليلًا … دهانا بعدها أمرٌ مهيبُ
قلوبٌ بالمحبة طافحاتٌ … أراها اليوم أحبطها الشُحُوبُ
وخاف المسلمون بكل أرضٍ … أَنبعُ العلم حلَّ به النُّضُوبُ؟
بكتك الهندُ حَبْرًا لا يجارى … وقَوَّامًا إذا هجعتْ جُنوبُ
وصلى الجمعُ في استانبولَ غيبًا … كم اجتمعوا وأنت بهم خطيبُ!
قضيتَ العمرَ في تحصيل علم … ولم يوهِنْكَ ضعفٌ أو مشيبُ
أتيتَ ربوعَه والقحطُ بادٍ … ويعلو فيه للبُوم النَّعِيبُ (^١)
غذوتَ له من العلماء رهطًا … تولَّوا زرعه فهو الخصيبُ
وكم من مِعضَلٍ ثابرتَ فيه … ولم تعيا فأنتَ له دؤوبُ
كشفتَ غموضَه وأبنتَ فيه … فوائدَ لم يلاحظها الأريبُ
أفي مرضٍ وقد دَنتِ المنايا … تُنقّي عن كتابِكَ ما يعيبُ (^٢)
إذا أَسَرَتكَ أوجاعٌ ثِقالٌ … فذهنُكَ في مسائِلِهِ يجوبُ
أيا أرضَ البقيعِ سُقيتِ غيثًا … به يخضرُّ تُربك والسُّهوبُ (^٣)
لقد أودعتُ فيكِ أبي وحِبِّي … ومَنْ ذكراه في قلبي لَهيبُ
وددتُ فداءَه نفسي ومالي … ولو أنِّي قضيتُ ولا يغيبُ
_________________
(١) النعيب: الصياح.
(٢) يريد تنقيحه في كتاب "الرسول المعلّم ﷺ "قبل دخوله المستشفى بيوم.
(٣) السُّهُوب: الأراضي الواسعة.
[ ١ / ٦٩ ]
سألهجُ ما حييتُ بما غَذَاني … من الدِّين القويم فلا أحوبُ
حَبَاني ذَوقُه لطفًا وفضلًا … وشجَّعني لينطلق الأديب
سأذكرُه الحَياةَ فإن مضينا … لغايتنا وموعدنا قريبُ
فإن الملتقى جناتُ عدنٍ … بفضل الله والله المجيبُ
لي السلوى بأنك في جوارٍ … شفاعتُه تزول بها الذنوبُ
نشرتَ حديثَه وذببتَ عنهُ … فنلتَ جوارَه وهو الحبيبُ
ومن أولئك محبه الفاضل الأستاذ ياسين مرزا أكرمه الله، وهي بعنوان: "في ذمة الله أبا زاهد".
يا قلبُ حانَ من الحبجبِ فراقُ … كَمْ طَابَ من ذاكَ الحبيبِ عناقُ
قمْ للحبيبِ مودّعًا ومشيّعًا … ودعِ الدموعَ مع الوداعِ تراقُ
واللّه لا ينسى المودّة صادقٌ … لا يعتري قلبَ الصدوقِ نفاقُ
في ذمّة اللّه العظيمِ ممجَدٌ … قدْ شعّ منه النورُ والإِشراقُ
قدْ كان للإِسلام بدرًا في الدّجى … لم يعتريه الخسفُ والإمحاقُ (^١)
لم يَحْنِ هَامًا لم يقدِّمْ ذِلَّةً … طَوْدٌ عظيمٌ إنّه العملاقُ
صاغَ العلومَ بحكمةٍ ومهارةٍ … فكساهُ إجلالًا بها الخلّاقُ
في مشرقِ الأرضِ الرحيب وغربها … راحتْ ترددُ علمَه الآفاقُ
كالسلسبيلِ مباركٌ يَهنى به … صادٍ يروّي قلبَهُ الرقراقُ
كالغيث يهطل في البلاد عميمُهُ … كانتْ تنادي باسمِه العشاقُ
(حلبٌ) تنهّل من مَعينِ صفائِه … بل و(الرياض) أصابَها التَرْيَاقُ
بحرٌ يروّي كلّ صُقْع في الدُّنى … بحرٌ يفيضُ وماؤه الدفَّاقُ
ما كنتُ أحسبني أعيشُ لكي أرى … بحرَ العلوم تحوطُه الأعناقُ
_________________
(١) خسوف القمر: ذهاب ضوئه. والإمحاق: نقصان جُرْم القمر وضوئه بعد اكتماله بدرًا.
[ ١ / ٧٠ ]
أحببتَ (طيبةَ) في الحياةِ وإنَّها … نِعْمَ المقرُّ هَنئتَ يا مشتاقُ
جارٌ لخير الخلق -أحمدَ- إنَّها … نِعَمٌ يقسّمها لنا الرّزاقُ
كم قد وقفتَ على (البقيع) مسلِّمًا … والدّمعُ قد جادت به الأحداقُ
والقلبُ يخفِقُ بالحنين لصحبةٍ … يا ليتهم -يوم الزِّحَام- رفاقُ
قدْ كان ما تدعوه فاهنأ إنّهم … فيهم ملاذٌ فيهمُ الإِشفاقُ
فاهنأ بروضِك في (البقيع) فإنّه … روضٌ يفوحُ وعطرُه العبّاقُ
إنّا على العهد القديم ويا له … للحقِّ للدين القويمِ وثاقُ
لا لن نبدّل منهجًا سرنا به … إنْ عمَّ إظلامٌ بهِ الإطباقُ
ومن أولئك محبه الفاضل الشاعر الشفاف المُجيد سليم عبد القادر زنجير رعاه لله، وهي بعنوان: "نجمٌ أَفَل".
غادرَ الأرضَ، من أحبَّ السماءَ … ورأى رحلةَ الحياةِ ابتلاءَ
ورأى العمرَ لمحةً، ليس إلَّا … فليكنْ كوكبًا بها وضّاءَ
هكذا مرَّ كالشِّهابِ بهيًّا … يسكُبُ النورَ هادئًا والصّفاءَ
خافقًا مشرقًا إذا ذُكِرَ اللَّهُ … ووجهًا يبكي تُقىً ورجاءَ
ثاقبَ الفكرِ، حاذقَ الفهمِ، بحرًا … من علومٍ، ولتسألوا العلماءَ
رَبَّ ذوقٍ، لله ما أعذبَ، ما أرقى، يشِفُّ عِطْرًا نقاءَ
إنه شيخُنا الكبيرُ، ألا فليبكِ … من شاءَ، أو يُخَلِّ البُكاءَ
من بكى، إنما بكى العلمَ … والإخباتَ، والطُّهرَ، والنُّهى، والحياءَ
من بكى، إنما على النفس يبكي … وعلى أمّةٍ تعاني الخَوَاءَ
وبكى راضيًا بصيرأ بأمرِ اللَّهِ … حُكمًا وحِكمَةً وقَضاءَ
من أبى ليس قسوةً، بل … لأنّ اللَّهَ أولى بالأصفياءِ لقاءَ
إنه شيخُنا الجليلُ، سواءٌ … عنده قولُ قائلٍ ما شاءَ
نال من مُهجةِ الزمانِ مكانًا … فانْسَ نجمَ الزمانِ والجوزاءَ
[ ١ / ٧١ ]
أتعبَ الحاسدين، وَهْو رحيمٌ … حين نال العُلا، وحاز الثَّناءَ
عاش لله، إنّ ذلك يكفي … ثم أعطى ما ينفعُ الأحياءَ
في ظلالِ الرسولِ أدرك … ما أدرك، علمًا، ورِفعةً، وإباءَ
زارعًا في الحياةِ نَبْتًا زكيًّا … ربما كان للحياة دواءَ
ومضى راحلًا إلى اللَّهِ حُبًّا … مثلما يشتهي المحبُّ النداءَ
فلتطِبْ نفسُه بجنةِ خُلدٍ … ضمّتِ المتقين والأنبياءَ
لا غُلُوًّا، بل حُسْنَ ظنٍّ بعبدٍ … مؤمنٍ، ربُّه يُحِبُّ العطاءَ
ومن أولئك تلميذه الفاضل الصالح الكريم الشيخ محمد مجاهد شعبان ﵀ (^١)، وهي بعنوان: "وداعًا شيخي الحبيب".
أهلي ومالي والفؤادُ فِدَاكَ … أنا طولىَ عُمْري ما مللتُ هَوَاكَ
يا بحرَ عليم زاخرٍ يا طودَ فكـ … ـــــرٍ راسِخٍ أنَّى يُطالُ عُلاكَ
مَنْ بعدَ ثغْرِك للعلوم يَبُثُّها … بلْ مَنْ لإِسنادِ الحديثِ سواكَ
تبكيكَ عينُ محبٍّ فيكَ ساهرةٌ … ضَلَّ الطريقَ وهَدْيَهُ لولاكَ
لو كان أمرُ الموتِ يُدْفَعُ بالفِدى … دَفَع الكَثيرَ وللعدا أَبقاكَ
أو كانَ يُرجِعُه البُكا لبكيتُه … بغزيرِ دمع يُغْرِقُ الأفلاكَ
الشوقُ يحملني إليْك بطيْبَيةٍ … فأشَمُّ في تُرْبِ البقيعِ شَذاكَ
اللَّهُ ضَمَّك في جوارِ محمدٍ … فاهنأ هنيئًا فالجِوارَ حَباكَ
اللَّهُ يوليكَ الشفاعةَ مِنَّةً … ويجيبُ فيكَ دُعاءَ من حَيَّاكَ
وفي ختام هذه الترجمة العاطرة الناهضة أسوق أبياتًا شفافة رقيقة للأديب الكبير الشاعر الأستاذ محمد سعيد دفتردار رحمه الله تعالى (١٣٢٢ - ١٣٩٢) بتصرف يسير، يرثي بها ابن خالته الشيخ العلامة الفقيه الأديب عمر بن إبراهيم
_________________
(١) انتقل إلى ضيافة الكريم وهو يدعو إليه في ١٩/ ٥/ ١٤٢١، ﵀ وأكرم نزله.
[ ١ / ٧٢ ]
البَرِّي رحمه الله تعالى (١٣٠٩ - ١٣٧٨)، وهي تمثّل أمنية من أمنيات العبد الفقير إليه تعالى:
بيني وبينك يا أبي … هالوا الترابَ الغَرْ قديّا
سأجوزُه يومًا إليكَ … موسَّدًا نعشًا سويّا
فإذا أتيتُكَ هل أرا … كَ كما عهدتُكَ بي حفيّا؟
أبكيكَ لو تُطفي دمو … عي ذلكَ اللهبَ الوَرِيّا
أسقي به هذا الثرى … حتى يعودَ به نَدِيّا
ما ضرَّني لو قد فَدَ … يْتُك يا أبيْ وبقيتَ حيّا
تروي حديث المصطفى … وتذيعُه عطرًا سنيّا
والفقه أين الفقهُ بعـ … ـــــدك ناضرًا غضًّا طريّا
فانعم بأطْيبِ مرقدٍ … واطْعَمْ به واشرب هنيّا (^١)
* * *
_________________
(١) مجلة المنهل، المجلد ٢٠، العدد ٤، ربيع الآخرة ١٣٧٩.
[ ١ / ٧٣ ]