تقدمة المعتني بالكتاب
قال الإِمام علي بن المديني: التَفَقّهُ في معاني الحديثِ نِصْفُ العلم، ومعرفةُ الرجالِ نِصْفُ العلم
﷽
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد فإن خدمة كتب الحديث الشريف وعلومه من أفضل الأعمال وأشرفها، وقد قام العلماء السابقون بتدوينها واستيفاء شتى الجوانب فيها حتى اشتهرت الكلمة الصادرة عن بعضهم: "عِلْمُ الحديث عِلْمٌ نَضِجَ واحترق"، إيذانًا باستكمال مباحثها واستيفاء فنونها.
وكان من أجَلّ ما اهتموا به علمُ رجال الحديث، فدوَّنوا فيه واستقصَوا استقصاء عَجبًا، حتى يكاد يقال: لم يَفُتهم من الرواة راوٍ ثقةً كان أو ضعيفًا إلَّا ذكروه، بما وَصَل إليه علمُهم، فأحسنوا وأجادوا، وتَعِبوا وأفادوا، فجاء مَنْ بعدَهم فرأى كلَّ من يَمُرُّ به من الرواة مذكورًا مترجَمًا بما يَكشِفُ عن حاله جرحًا أو تعديلًا. فجزاهم الله خيرًا.
ويلاحظ القارئ لهذا الكتاب بتتبع وإمعان نظر وفكر، أن علماء الجرح والتعديل من المحدثين رحمهم الله تعالى، استقصَوا واستوعبوا في ذكر كل من
[ ١ / ٧٤ ]
غُمِز أو لُمز بمغمز ولو غير صحيح، فذكروا ذلك في ترجمته، وأدخلوها -على الاحتمال الضعيف- في صف المُتكَلَّم فيهم بحق ويقين، وذلك بُغْيَة الاستقصاء في كشف حال النَّقَلة للسنة النبوية، والعلوم الإِسلامية، ليكون الأخلاف على بصيرة من حال رجال الأسلاف، أداءً للأمانة وصونًا للشريعة المطهرة، وحرصًا على الكلمة أن ينالها الزلل أو يبلغها الخلل، فكانوا بذلك أمناء لدينهم جِدَّ أمناء، ومخلصين للعلم أيَّ مخلصين، وهذه مزية وخَصِيصة لم تكن لغيرهم من الأمم، فمن هذا وأمثاله كانوا خير أمة أخرجت للناس.
وقد شهد بذلك أحد المستشرقين الكبار وهو العالم الألماني المعروف بـ "اسبرنجر" في مقدمته بالإنجليزية على كتاب "الإِصابة" المطبوع في كلكتا سنة ١٨٥٣ م- ١٨٦٤ م، قال: "لم يعرف التاريخ في ماضيه ولا حاضره أمة أتت في علم الرجال بمثل ما أتى به المسلمون خدمة لحديث نبيهم ﷺ في هذا العلم العظيم الشأن الذي تناول سيرة وأحوال خمس مئة ألف إنسان" (^١).
وقد تتابعت جهودهم في التأليف في الرجال بدءًا من منتصف القرن الثاني للهجرة تقريبًا إلى القرن التاسع، وقد حَظِي القرن الثامن والتاسع بأئمة مهرة في الحفظ والمعرفة والإِتقان ونقد الرجال كالحافظ المزي، وتلميذه الحافظ الذهبي، والحافظ العراقي وتلميذه الحافظ ابن حجر وغيرهم رحمة الله عليهم، فألَّفوا في الرجال كتبًا عظامًا ضخامًا مُحَرَّرة، جعلتْ مَنْ بعدَهم عالة على كتبهم في هذا العلم الخطير.
_________________
(١) أورد ذلك فضيلة الشيخ العلامة الداعية المفضال أبو الحسن علي الحسني الندوي حفظه الله في مقدمته على كتاب مولانا الشيخ محمد زكريا الكاندهلوي رحمه الله تعالى "الأبواب والتراجم للبخاري".
[ ١ / ٧٥ ]
وكان من أبرز ما ألَّفه الحافظ ابن حجر في رجال الحديث كتابُه الحافل العجاب: "لسان الميزان"، الذي دَوَّن فيه ما استفاده من كتب الأئمة الحفاظ سابقيه: كالذهبي والعراقي وسواهما فأصبح كتابُه هذا مرجعًا في بابه، إمامًا في محرابه، وحُقَّ له أن يحظى بهذه الرتبة العالية والمقام الرفيع.
وأذكر هنا أن الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى، ألَّف كتابه "اللسان" قبل تأليفه كتابه "تهذيب التهذيب"، فقد فرغ من "اللسان" سنة ٨٠٥، وفرغ من "تهذيب التهذيب" سنة ٨٠٨، فلذلك كانت الإِحالة عنده في "اللسان" إلى "تهذيب الكمال" في أكثر الأحيان، وهذا مما تنبغي الإِشارة إليه والانتباه له.
وأذكر هنا أيضًا أن الحافظ رحمه الله تعالى لم يذكر في كتابه "اللسان" أنه أراد استقصاء تراجم الرواة الضعفاء، وإنما اهتم باستيفاء تراجم "الميزان"، وأضاف إليها ما جاء في أصول "الميزان" ومتعلقاته، فيخطئ من ظنَّ أن "اللسان" قد استوفى جميع تراجم الرواة الضعفاء.
وقد تفنَّن المحدِّثون الكبار من معاصري الحافظ ابن حجر والتالين لعصره، بخدمة كتابه استدراكًا عليه واختصارًا له …
ولمَّا وجد شيوخ الحديث وكبار علماء المدرسة النِّظَامِيَّة في مدينة حيدرآباد الدَّكَّن بالهند: الحاجةَ الماسةَ إلى نشره وطبعه وتيسير وصول نسخه إلى أيدي العلماء والمُحَدِّثين والدارسين، نهضوا بهذا العبء الثقيل على قدر طاقتهم وإمكاناتهم المادية المحدودة، وتيسُّر وسائِل عصرهم، واعتمدوا على ما مَكَّنَتهم منه ظروفهم الضيقة بالحصول عليه من أصلٍ مخطوط، فطبعوا هذا الكتاب في مدة ثلاث سنين من سنة ١٣٢٩ حتى سنة ١٣٣١، وكان لهم الفضل العظيم في طبع هذا الكتاب الفريد قبل نحو تسعين سنة.
[ ١ / ٧٦ ]
وعُدَّ الحصول على نسخة منه بعد طبعه فوزًا عظيمًا وظَفَرًا جسيمًا فرحمة الله عليهم ورضوانه العظيم.
وقد وقع في هذه الطبعة الهندية أخطاء كثيرة، وتحريفات عجيبة، وأسقاط مدهشة، ومرجعُ ذلك إلى سَقَم المخطوطة التي اتخذوها أصلًا ومعتمدًا، فإن المعهود في المطبوعات الهندية -سواء على الحجر أم بالحروف الحديدية- الصحَّةُ والسلامة من تلك المآخذ.
وقد أوضحتُ ذلك بإسهاب في مقدمتي لكتاب "مبادئ علم الحديث وأصوله" إذ تحدثت عن فضل علماء الهند في نشر كتب السنة وعلومها.
وكان حق هذا الكتاب "لسان الميزان" أن يحظى بالعناية التامة والخدمة اللائقة به منذ سنوات غير قليلة، بعد أن تيسَّرت سبل الطباعة، وتواصلت المعرفة بالكتب النفيسة المخطوطة ونُسَخِها في المكتبات شرقًا وغربًا، فيُعتمدَ في نشره على نسخة أو نسخ معتبرة صحيحة ويُعادَ طبعُه وتحقيقه، وتقويمُ نصوصه، فيَخرُجَ قويمًا سليمًا خاليًا من الأخطاء والمعايب التي وقعت في طبعته الهندية، ويُعطى من العناية ما يفي بمقامه وأهميته، ليكون (لسان الميزان) حقًّا.
وقد اهتممت به من أكثَرَ من عشر سنوات، وتوجهت إلى نشره والعناية بصدوره مخدومًا بَقدر طاقتي الضعيفة، فجمعت بعض النسخ المخطوطة، وانتخبت أصح النسخ التي وقفت عليها فاتخذتها أصلًا، وسواها من النسخ روادف وروافد لها. وقدمته إلى المطبعة من أكثر من سنتين، حتى يسَّر الله تعالى إتمامَ خدمته وطبعه في هذا العام ١٤١٧ والحمد للّه. وفي خلال عملي به صدرَتْ له طبعات لم تصل إلى المستوى اللائق بهذا الكتاب. تحدثت عنها في أواخر هذه التقدمة.
[ ١ / ٧٧ ]
وفي الختام أسأل الله تعالى التوفيق والسداد، والقبول منه والإمداد، وصلَّى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلَّم تسليمًا كثيرًا.
الرياض ١٧ من رمضان ١٤١٧ (^١)
وكتبه
عبد الفتاح أبو غدة
_________________
(١) قال سلمان: كان وفاة سيدي العلَّامة الوالد طيَّب الله ثراه بعد عشرين يومًا من كتابته هذه التقدمة! فهذه كتابة من يعاني الآلام، ويتحرَّق على كتابة كلمة أو سطر زيادة في خدمة الكتاب!
[ ١ / ٧٨ ]