نشأ والدي في حِجْر والده الذي كان كثير تلاوة القرآن والمحافظة على قراءته في المصحف، والمحب للعلماء المتقصد لحضور مجالسهم ودروسهم، والاقتباس من علمهم وإرشادهم.
ثم لما دخل في السنة الثامنة من العمر أدخله جده ﵀ المدرسة العربية الإسلامية الخاصة، وكانت ذات تكاليف وأقساط مرتفعة، كما كانت ذات سمت عال، وإدارة حازمة، ومتانة في التعليم والأخلاق، فكان لا يدخلها إلَّا عِلْية القوم، ووجهاؤهم.
فدرَس فيها من الصف الأول حتى الرابع دراسة حسنة، وتعلّم فيها ما محا منه الأمية، وأكسبه صحة القراءة والكتابة مع ضعف الخط عنده.
وكان لحسن قراءته وسدادها الفِطْري يدعوه كبارُ أهل الحي ووجهاؤه إلى سهراتهم الأسبوعية الدورية ليقرأ لهم من كتاب "تاريخ فتوح الشام" المنسوب للواقدي وغيره من الكتب التي كان الناس يسمرون على قراءتها، فحظي بصحبة الكبار الوجهاء والنخبة العقلاء الفضلاء، وهو في سن العاشرة وما بعدها، يعد من صغار أولاد الحي.
فكان يجلس في مجلس سَمَر كبارهم لحسن قراءته وخِفَّة ظِلِّه (لصغر سنه)، ورفعة مقام جده ووالده في الحي.
وبعدما ترك المدرسة توجّه إلى تعلُّم الخط الحسن، فدخل مدرسة الشيخ محمد علي الخطيب بحلب، وكان شيخًا صاحب مدرسة خاصة تُعَلِّم القرآن والفقه وحُسن الخط فقط، فتحسَّن خطه بعض الشيء، لكنه لم يصبر على الاستمرار في تعلم تحسين الخط طويلًا، فترك المدرسة بعد أشهر.
فرأى جدُّه ووالدُه -وكان قد صَلُب عوده- أن يتعلم حِرْفَةً أو صَنْعَةً،
[ ١ / ١٥ ]
وقالا له: صنعة أو حرفة في اليد أمان من الفقر. ولم يكن في ذلك الوقت فقيرًا، ليسر أسرته ولله الحمد، لكن جده ووالده أرادا أن يكون بيده حرفة خشية تحول الأيام وتقلبها على الكرام، فتعلم حرفة الحِيَاكَة: النَّوْل اليدوي، ولم يكن هناك نول آلي، وأحسَن المعرفة بهذه الحرفة، وقد تعلمها أخواه عبد الكريم وعبد الغني من قَبله رحم الله الجميع، وكانت هذه الحرفة تُدِرُّ موردًا حسنًا يُفْرَح به، فتعلمها ﵀ وادَّخر بعض الليرات الذهبية العثمانية، فكانت له خاصة، ونفقته وعيشه متكفل به أبوه تمام التكفل رحم الله الجميع، وبقي في هذه الحرفة عاملًا ناجحًا لنحو سنتين أو ثلاث.
ثم بدا لجده ووالده أن يتعلم التجارة، فاختارا له أن يتعلم التجارة والبيع والشراء عند صديقَيْهما التاجر (عبد السلام قُدُّو) التاجر في سوق الطَّيْبية قرب باب الجامع الكبير الشمالي، فجلس عنده، وكان تاجرًا يبيع القمصان والملابس المصنوعة بالجملة والمُفَرَّق، وأمضى عنده نحو سنتين وزيادة عليها، وكان رجلًا دينًا مستقيمًا عفيفًا يشتري من عنده النساء والرجال، فاستملح وجود والدي عنده لصغر سِنِّه، فكان والدي ﵀ يراقب حال بعض المشترين أو المشتريات الذين يُخْشى أن تكون منهم أو منهن سرقة لما يستعرضنه للشراء.
ثم انتقل من عنده إلى تاجر آخر من أصدقاء جده ووالده وبعض أرحامه، وهو (الحاج حسن التّبَّان) رحم الله الجميع وأسكنهم فسيح الجنان، وكان تاجرًا بالجملة والمفرق في متجره في (سوق الجُوخ العَرِيض) من أسواق مدينة حلب المسقوفة.
فتعلم منه ما زاده معرفة بالتجارة وعرضها للمشتري من الرجال أو النساء، وبقي عنده ثلاث سنين، ثم رأى جده ووالده أن يستقل بالتجارة وقد قارب السادسة عشرة، فأدخلاه شريكًا في العمل دون المال مع التاجر (الحاج محمد دُنْيَا) الذي كان تاجرًا بسوق الزَّهْر المتفرع من شارع (بَانْقُوسَا)، فشاركه
[ ١ / ١٦ ]
نحو سنتين، وكان يتولى عنه البيع أكثر النهار، ويقوم بشراء ما نفِد من البضاعة من متاجر الجملة من تجار المدينة في (خان الكُمْرُك) وغيره.
ثم لما بلغ والدي التاسعة عشرة، أراد طلب العلم بالدخول في المدرسة الخُسْرُويَّة التي أنشأها الوزير العثماني الصدر خُسْرُو باشا ﵀، والتي سميت بعدما ضَعُف شأنها: الثانوية الشرعية.
فلم يرضَ جدي في بدء الأمر، فشَفّع والدي عنده بعض معارفه من الوجهاء، فقالوا لجدي: ينبغي أن تُشَجِّعه لشرف هذا الأمر فسمح له.
ثم إن والدي لما أراد الدخول في المدرسة الخسروية قبلوه أول الأمر ثم رفضوه لأن عمره ١٩ سنة، فشَفَّع صهرَه الحاج محمد سالم بيرقدار ﵀ لدى بعض أصدقائه، وكان مديرَ الأوقاف في حينه، فكلَّم المسؤولين في لجنة القَبول فقبلوه، وكان الوالد والشيخ عبد الوهاب جَذْبَة رحمهما الله يتنافسان على القَبول، فمن يقْبَل يبقى الآخر إلى السنة التالية، فقُبل والدي، وكان بينهما مودة، وكان الشيخ عبد الوهاب يُلَقِّب والدي بالأصمعي لما يراه من اشتغاله بعلم اللغة.
وكان هناك رجل فاضل في الحي اسمه محمود سَلْحَدَار يحرِص على إقراء القرآن في المنزل وختمه كل يوم، وتسمى (رَبْعَة) ويعطي من يفعل ذلك ليرة ذهبية، فكان والدي في أثناء دراسته في الخسروية يشارك في هذه القراءة.
وقد دَرس والدي ﵀ في الخسروية ست سنين من سنة ١٩٣٦ م إلى سنة ١٩٤٢ م، وكان متفوقًا على أقرانه في تلك السنوات الست.
ثم انتقل إلى الدراسة في الأزهر الشريف فدخل كلية الشريعة في الجامع الأزهر بمصر في عام ١٩٤٤ م، وتخرّج في عام ١٩٤٨ م حائزًا على شهادة العالمية من كلية الشريعة.
ثم درَس في "تخصص أصول التدريس" في كلية اللغة العربية بالجامع الأزهر
[ ١ / ١٧ ]
أيضًا لمدة سنتين وتخرَّج سنة ١٩٥٠ م، مع حصوله على إجازة في علم النفس.
ثم عاد بعد ذلك إلى موطنه.
وقد أمْلقَ والدي ﵀ بعد وفاة والده رحمهما الله تعالى حتى مرَّ به يوم وهو لا يملك إلَّا اللباس الذي عليه، كما أنه منع نفسه من الفاكهة في أثناء الطلب بمصر حتى يشتري بثمنها كتبًا عوضًا عنها.