قال ابن حيان: فأما مقتل منذر فإنه مكان على يدي رجل مارد من بني عمه يقال له عبد الله بن حكم. وذلك أنه أضمر الفتك به دهرًا طويلًا، ودخل عليه يومًا في مجلسه غرة ذي الحجة سنة ثلاثين وأربعمائة وهو غافل عما يراد به. عليه غلاله، وليس عنده إلا نفر من خواص خدمه الصقالبة قد أكب على كتاب يقرؤه فضربه بسكين كان معه فقتله وهرب الغلمان. وأخرج رأس منذر لوقته من قصره فوق قفاه ينادي عليه: هذا جزاء من عصى أمير المؤمنين هشامًا. فنزلت سرقسطة حادثة عظيمة، وأشرف أهلها على فتنة عظيمة. وطمع فيه أكثر من كان يجاورهم فاضطربوا إلى تمليك البلد له. وكان سليمان ابن هود الجذامي مقيمًا بتطيلة بجمعه فسارع إلى سرقسطة رجاء دخولها فمنعه عبد الله منها. ثم جاء إسماعيل بن ذي النون خال منذر فاتصلت الفتنة، وامتنع عبد الله من مقصده ونال أهل سرقسطه جهد شديد. وأقدم عبد الله هذا على ما لم يقدم عليه أحد من قتل منذر في داره وبين كماته.
[ ٧٤ ]
ولما فرغ منه استدعى قاض البلد ومشايخه فدخلوا إليه ومنذر قتيل إلى جانبه فبسط عذره عندهم، وأمرهم بتسكين من ورائهم وتفرقوا عنه، واختلفوا عليه، وقاتلوه فخرج من باب سر في القصر. واستصحب من فاخر ما اشتمل عليه من ذخائر منذر ما أمكنه ولحق بحصن رنطة اليهودي أحد معاقل سرقسطة المنيعة. وقد كان أعده لنفسه فأقام به يرصد الفتنة. وكان حمل معه إلى هذا القصر أخوي منذر ووزيره وغيرهم من رجال منذر، مقيدين فحبسهم عنده وطالبهم بالأموال.
ونهب العوام قصر سرقسطة إلى أن قلعوا منه المرمر وطمسوا أثره لولا تعجيل سليمان بن هود ملك البلد.
قال علي ابن بسام: وذكرت بهذه الفتكة ما اتفق من مثلها بقلعة حماد وهي على طرفًا أفريقية الأدنى إلى الأندلس. وذلك أنه لما أفضى ملكهم إلى بلقين بن محمد أحد الجبابرة، وكان شديد البأس، حدث أنه عاد مرة من بعض غزواته فارتاح إلى ما يرتاح إليه الناس من الخلوة والدعه. فجلس لذلك في بعض مجالسه، وقام بإحضار ما يصلح من آلاته، وأمر القهرمانة بإحضار إحدى عقائله من بنات عمه، وكانت بارعة الجمال فائقة الكمال فوافته القهرمانة بها. وقد خطر له ذكر غزوة يشرع فيها فغاص في الفكر والتدبير والكأس في يده وابنة عمه واقفة على رأسه وهو لاه عنها إلى أن طلع الفجر ثم حانت منه التفاته فرآها فاعتذر إليها ووضع الكأس من يده. وختم عليها وركب فغزا غزوته فاس ثم رجع فجلس في ذلك المجلس لعينه وأخذ تلك الكأس المختومة، واستدعى ابنة عمه المذكورة فخلا بها وقضى لذته منها بعد مدة طويلة ولما ظن أن الأمر قد استوثق والدهر قد أصحت قيض له ابن عمه الناصر وكان أصغر خلق الله شأنا عنده وأهونهم عليه. وقد كان بعض نصحائه خوفه منه، وكان لا يركب إلا دارعًا على عادة له قبل ذلك، ومولعًا بالادلاج إذا رحل مؤثرًا للانفراد إذا ركب. فأقسم أن لا يدلج إلا حاسرًا ليقتلني الناصر قولًا واحدًا، وركب فلقيه الناصر كأنه يسلم عليه أو يسير بين يديه فما راجعه الكلام حتى خلله السيف ورفع رأسه على رمح وسير به أمامه. والناس وقال: أنتم تعلمون أن بلقين قتل أخي، وقد شفيت منه صدري وأخذت بثأري، وما حدثت نفسي بغير هذا ولا رأيت الدخول في شيء من أمركم. فردوا عليه جميلًا وظنوا أنه لم يجسر على ما فعله إلا وله أشياع وأتباع فكفوا عنه وعطف على خزائن بلقين فأنهبها للعربان فاستمال بذلك قلوبهم واستخلص به طاعتهم، ورحل تحت جنح الليل على قلعة فوطئ الحرم وتملك الحجر.