فصل كان أبو القاسم علي المغربي الوزير من أذكياء الناس. استظهر القرآن الكريم وعدة كتب مجردة في اللغة ونحو خمسة عشر ألف بيت من مختار للشعر القديم ونظم الشعر وتصرف في فنون النثر. وبلغ من الحظ إلى ما قصر عنه نظراؤه، ومهر في الحساب واختصر كتاب إصلاح المنطق، وكل ذلك قبل استكماله أربع عشرة سنة. ولما أوقع الحاكم صاحب مصر بأبيه وأهل بيته ونذر دمه، خرج من مصر هاربًا، حتى إذا وصل مكة (شرفها الله) تعالى، حمل أبا الفتوح على القيام بها، وقرب عليه ما كان يستبعده وجسره على أخذ ما كان بها من محاريب الذهب والفضة فضربها دنانير ودراهم وفرقها فيمن تبعه من الفرسان.
ثم سار يدعو إليه حتى بلغ الرملة وصعد منبرها فتلا من غير تحميد ولا صلاة قول الله تعالى ذكره (إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعًا) وأومأ بيده إلى مصر يعني الحاكم يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحي نساءهم. أنه كان من المفسدين. (ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض) ثم عاد إلى أبي الفتوح (وهذه) لذلك. فلما رآه عاجزًا فارقه، وخرج إلى العراق ودخل الكوفة على سلطانهم ثم خافه وزير قرواس فتقرب إليه بالمال، وأشار عليه بالرحيل، فسار إلى ميافارقين وأميرها نصر الدولة أحمد بن مروان الكردي فتقلد وزارته بعد طول مقام وخلع المرقعة والصوف ولبس المسك الشفوف وقال:
تبدّل من مرقعة ونسك بأنواع الممسك والشفوف
وعنّ له غزال ليس يحوي هواه ولا رضاه يلبس صوف
فعاد أشد ما كان انهماكًا كذلك الدهر مختلف الظروف
ثم (روسل) في وزارة الموصل فسار إليها وتقلدها، وبالغ في الإجحاف والاعتساف وآذى أعيان الناس. ثم روسل في وزارة بغداد وأميرها يومئذ أبو علي بن سلطان الدولة أبي شجاع بن بهاء الدولة ابن عضد الدولة ابن ركن الدولة ابن علي، فأمر ونهى وولى وعزل ونقض وأبرم، وبلغ إلى أعلا منزلة من سعة النعمة ونفاذ الكلمة. ثم إن أبي علي أوقع ببعض من كان يتهمه من الأتراك، وكان الوزير بن المغربي قد نهاه عن ذلك، وأشار إليه بغيره فما قبل منه واضطربت الأمور اضطرابًا اضطرهما جميعًا إلى الهرب والاستجارة بالعرب. وقد قيل إن إخراجه الملك معه إنما كان لغرض في أن لا ينفرد بهجنة التسحب ثم روسل أبو علي في العود إلى باب سلطانه، فعاد وأقام الوزير أبو القاسم بالموصل، وقد كثر أتباعه فأقام بها يسيرًا واستشعر تقصيرًا به من صاحبها فاستأذنه في الرجوع إلى ميافارقين فدخلها وتلقاه نصر الدولة بالإعظام واقطعه من الأموال والضياع ما أراد. ثم روسل في وزارة بغداد فاستأذن نصر الدولة فخلا به وبين مراده وأعانه على المسير فلما كاد يستقل وكان خوف نصر الدولة عاقبة أمره، وأشير عليه بما كفاية أمره منه، فسقاه شربة كان فيها هلاكه. وكان الوزير لما أحس بالموت أوصى أن يحمل إلى الكوفة، فيدفن في حجرة أعدها هناك بإزاء قبر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁. فسير تابوته في أحسن حالة وأجمل أبهة إلى أن دفن في الموضع الذي أراداه.
[ ٩١ ]
فصل كان الفقيه الحافظ عبد الوهاب بن نصر المالكي البغدادي من أعيان الفقهاء، وجلة العلماء. ولما استقل ركابه من بغداد، خرج جماعة من أكابرها وأصحاب العلوم بها يودعونه فقال: والله يا أهل بغداد لو وجدت بين ظهرانيكم رغيفين في كل يوم ما عدلت ببلدكم بلوغ أمنية والخبز عندهم يومئذ ثلاثمائة رطل بدينار، وأنشد:
سلام على بغداد في كل منزل وحولها مني السلام المضاعف
لعمرك فارقتها فيها قاليًا لها وإني بشطي جانبيها لعارف
ولكنها ضاقت على برحها ولم تكن الأرزاق فيها بساعف
فكانت كخل كنت أهوى وصاله وتأبى به أخلاقه وتخالف