[ ٨٠ ]
لما عظم شأنه وقوي سلطانه خرج عليه باديس بن جيوش واستولى على قصبة مالقة وكان أهل مالقة أشاروا على ابني المعتمد حين خلوا بينهما وبين البلد بإذكاء العيون وضبط المعاقل فقفلا وتعسكرا وكان قد وصل بها من السودان المغاربة من يتزيا بشعار باديس. فلما شعر ابنا عباد بالخيل وانبساط الأيدي في القتل والأسر. وجرت خطوب كان آخرها الهروب سباحة وسياحة وإلقاء بالأنفس من شرفات الأسوار. فلما كان يوم الحد العشرين من رجب. دخل المعتمد على البلد بعد قتال شديد ثم أخرج المعتمد منه. وأطلقه نساؤه وأهله، وجعلوا في مركب. واقتحم بهم البحر ورزقهم الله السلامة فوصلوا إلى أمير المؤمنين ناصر الدين ابن يعقوب ابن تاشفين، فبقوا هنالك في كنفه تحت ظله. ولم يزل حتى حضر أجله بعد مرض شديد أصابه فمات ﵀ في شوال سنة ثمان وثمانين وأربعمائة وكانت جنازته عظيمة والنادر فيها أنهم نادوا عليه بالصلاة على الغريب بعد الملك العظيم والمقام الكريم. وكان لما أحس بالوفاة قال:
قبر الغريب سقاك الرائح الغادي حقًا ظفرت بأشلاء ابن عباد
نعم هو الحق فاجأني به قدر من السماء فوافاني بميعاد
ولم أكن قبل ذاك النعش أعلمه أن الجبال تهادى فوق أعواد
فلا تزال صلاة الله نازلة على دفنيك لا تحصي بتعداد
ورثاه جماعة كثيرة من الشعراء وخصوصًا أبو بكر الداني المعروف بابن اللبانة. فإنه كان وفد عليه محافظة ووفاء ومدحه في تلك الحال وعزاه وابنه ورثاه وصنف في ذلك كتابًا سماه.. نظم السلوك في مواعظ الملوك. وقدح ابن بسام في الكتاب المذكور وأذرى عليه وذكر أنه لم يف بما أشار إليه.