قال علي بن بسام: ممن طرأ على الأندلس أبو العلا صاعد بن أبو الحسن البغدادية اللغوي. ولما دخل قرطبة في أيام المنصور محمد بن أبي عامر، عزم المنصور على أن يقفي به آثار أبي علي البغدادي الوافد على بني أمية، فما وجد عنده نمما يرضيه. وأعرض عنه أهل العلم وقدحوا في عمله وعقله ودينه، ولم يأخذوا عنه شيئًا لقلة الثقة به. وكان ألف فيه كتاب (سماه الفصوص) ودحضوه، ورفضوه، ونبذوه في النهر. ومن الغريب ما جرى له إذ المنصور جلس يومًا وعنده أعيان دولته من أهل العلم.
كالذبيدي والعاصمي وابن العريف وغيرهم. فقال لهم المنصور هذا الرجل الوافد علينا يزعم أنمه متقدم في هذه الأحوال الني أنتم عيونها، وأحب أن يمتحن فوجه إليه. فلما مثل بين يديه والمجلس قد احتفل خجل فرفع المنصور مجلسه، وأقيل عليه، وسأله عن أبي سعيد السيرافي. فزعم أنه لقيه وقرأ عليه كتاب سيبويه. فبادر العاصمي بالسؤال عن مسألة في الكتاب فلم يحضره جوابها واعتذر بأن النحو ليس جل بضاعته.
فقال الزبيدي: فما تحسن أيها الشيخ؟ قال حفظ الغريب. قال فما وزن أولق؟ وضحك صاعد وقال: أمثلي يسأل عن هذا؟ إنما يسأل عنه صبيان الكتب. قال الزبيدي: قد سألناك ولا نشك أنك تجهله. فتغير لونه وقال: افعل وزنه. قال الزبيدي: صاحبكم ممخرق. فقال له صاعد: أخاك الشيخ صناعته البنية. قال له: أجل. قال صاعد وبضاعتي حفظ الأشعار. ورواية الأخبار، وفك العمى وعلم الموسيقى. قال فناظره ابن العريف فظهر عليه صاعد وجعل لا يجري في المجلس كلمة إلا وأنشد عليها شعرًا شاهدًا. وأتى بحكاية تجانسها فأعجب المنصور ثم أراه كتاب النوادر لابن علي فقال إن أراد المنصور أمليت على مقيدي خدمته وكتاب دولته كتابًا أرفع منه وأجل لا أورد فيه خبرًا مما أورده أبو علي. فأذن له المنصور في ذلك وجلس بجامع مدينة الزاهرة يملي كتابه المترجم بالفصوص. فلما أكمله تتبعه أدباء الوقت. فلم تمر فيه كلمة صحيحة عندهم ولا خبر ثبت لديهم، وسألوا المنصور في تجليد كراريس بيضاء تزال جدتها، فهم المقدم وترجم عليها النكت تأليف أبي الغوث الصنعاني. فترامى إليه صاعد حين رآه وجعل يقبله. وقال أي والله قرأته بالبلد الفلاني على الشيخ أبي فلان فأخذه المنصور من يده خوفًا أن يفتحه وقال له: إن كنت قرأته كما تزعم فعلى ما يحتوي؟ قال: وأبيك لقد بعد عهدي به ولا أحفظ الآن منه شيئًا. ولكنه يحتوي على لغة منثورة لا يشوبها شعر ولا خبر فقال له المنصور أبعد الله مثلك فما رأيت أكذب منك وأمر بإخراجه وأن يقذف بكتاب الفصوص في النهر فقال فيه بعض الشعراء:
قد غاص في النهر كتاب الفصوص وهكذا كل ثقيل يغوص
فأجابه صاعد عاد إلى معدنه إنما يوجد في قعر البحار الفصوص قال ابن بسام: وما أظن صاعدًا يجتري على مثل هذا، وإنما صاعدًا اشترط أن لا يأتي إلا بالغريب غير المشهور، وأعنتهم على نفسه بما كان يتنفق به من الكدب ومن أعجب ما جرى له أنه كان بين يدي المنصور حين أحضرت له وردة في غير وقتها لم يستتم فتح ورقها فقال فيها صاعد مرتجلًا:
أتتك أبا عامر وردة يذكرك المسك أنفاسها
كعذراء بصرها مبصر فغطت بأكمامها رأسها
فسر بذلك المنصور وكان ابن العريف حاضرًا فحسده، وجرى إلى مناقضته. وقال لابن أبي عامر هذان البيتان لغيره وقد أنشدهم بعض البغداديين بمصر لنفسه وهما عندي على ظهر كتاب بخطه قال المنصور أرينه فخرج ابن العريف وركب دابته حتى أتى مجلس ابن بدر وكان أحسن أهل زمانه بديهة فوصف له ما جرى فقال:
عشوت إلى قصر عباس وقد جدل النوم حراسها
فألقيتها وهي في خدرها وقد صرع السكر أناسها
فقالت أسائر على هجعة فقلت بلى فرمت كأسها
ومدت يدها إلى وردة عكس لك الطيب أنفاسها
كعذراء أبصرها مبصر فغطت بأكمامها رأسها
وقالت بحق الله لا تفضحن في ابنة عمك عباسها
فوليت عنها على غفلة وما خنت ناسي ولا ناسها
[ ٨٥ ]
فطار ابن العريف بها وعقلها على ظهر كتاب بخط مصري ومدار أشقر. فدخل بها على المنصور فلما قرأها اشتد غيظه على صاعد وقال: غدًا امتحنه. فإن فضحه الامتحان أخرجته من البلاد فلما أصبح أمره فعبأ له طبق أزهار ورياحين وياسمين وبركة ماء حصباؤها اللؤلؤ وكان في البركة حية تسبح، وأحضر صاعد فلما شاهد ذلك فقال له المنصور إن هؤلاء يذكرون أن كلما تأتي به دعوى لا صحة لها وهذا طبق ما ظننت أنه عمل لملك مثله فإن وصفته بجميع ما فيه علمت صحة ما تذكر قال صاعد يديهه:
أبا عامر هل غير جدواك واكف وهل غير من جاراك في الأرض خائف
يسوق إليك الدهر كل غريبة وأعجب ما يلقاه عندك واصف
وشائع نور صاغها هامر الندى على حافتيها عبقر ورفارف
ولما تناهى الحسن فيها تقابلت عليها بأنواع الملاهي الوصائف
كمثل الظبا المستكنه كالنساء يظللها بالياسمين لفائف
وأعجب منها أنهن نواظر إلى بركة ضمت إليها الطرائف
وحصباها اللالئ سابح في من الرفش مسموم اللقا بين
وكان بجانبه مركب بمجاديف ذهب، فقال له المنصور: أحسنت إلا أنك أغفلت ذكر المركب فقال:
وأعجب منها غادة في سفينة مكللة تصبو إليها المهايف
وإذا راعها موج من الماء تتقي بسكانها ما أنذرته العواصف
وأتى بعده بأبيات من هذا المعنى فأمر له المنصور بألف دينار ومائة ثوب ورتب له في كل شهر ثلاثين دينارًا وألحقه بالندماء قال: وكان شديد البديهة في ادعاء الباطل فقال له المنصور يومًا ما الخنبشار؟ فقال حشيشة يعقد بها اللبن ببادية الأعراب وفي ذلك يقول شاعرهم:
لقد عقدت محبتها في قلبي كما عقد الحليب الخنبشار
وقال له يومًا وقد قدم إليه طبق فيه تمر، ما التمركل في كلام العرب؟ فقال الرجل: تمركل الرجل تمركلًا إذا التف قمع كتابه وكان مع ذلك عالمًا. قال ابن بسام: وكان لابن أبي عامر فتى يسمى فاتنًا أوحد لا نظير له في علم كلام العرب، فناظر صاعدًا هذا فقطعه وظهر عليه وبكته فأعجب المنصور، وقال: وتوفي فاتن هذا في سنة اثنين وأربعمائة وبيعت في تركته كتب مضبوطة جليلة مصححة. وكان منقادًا لما يتنزل به من المثلة فلم يتخذ النساء كغيره. وكان في ذلك الزمان جملة في الفتيان المحابيب فيمن أخذ من الأب بأوفر نصيب قال: فرأيت تأليف الرجل منهم يعرف بحبيب، ترجمة بكتاب الاستظهار والمغالبة على من أنكر فضائل الصقالية وذكر فيه جزءًا من أشعارهم وأخبارهم ونوادرهم، قال ابن بسام: ومن عجين ما اتفق لصاعد أنه أهدى إبلًا إلى المنصور وكتب على يد موصله:
يا حرز كل مخوف وأمان كل مشرد ومعز كل مذلل
عبد جذبت بضيمه ورفعت من مقداره وأهدى إليك بابل
سميته غرسيه وبعثته في حبله ليصبح فيه تفاءلي
فقضى في سابق علم اله تعالى أن غرسية ملك الروم أسر في ذلك اليوم بعينه الذي بعث فيه بالإبل وسماه باسمه على التفاؤل.
فصل - قال علي بن بسام: كان عبد الملك بعد أبيه قد فوض الأمر إلى عيسى بن سعيد القطاع وزيره، واستقل بالأمر فحسده رجال الدولة العامرية، وحملوا طرفة فتى عبد الملك الجزيري على معاداته. فسمت همة طرفة لذلك الفضل: قوة وبسطة أدب له، فاصطفى من أعداء عيسى قومًا منهم عبد الملك الجزيري، فزين له التقدم عليه وأغراه به، وذكر له ما كان تهيأ لكافور مولى محمد بن طغج صاحب مصر من الملك باسم مولاه،، فاحكم طمعه فتحركت عزيمة طرفة ودبر الأمر على عيسى. وحسن لمولاه أن يعتمد على عبد الملك الجزيري في أمر الوزارة، فعارض عيسى في جميع الأشغال حتى كاد يحمله.
ثم اعتل المظفر عبد الملك فانفرد طرفة بخدمته، وكثر الأرجاف به فحمله ابن الجزيري على أن يضبط الأمر لنفسه باسم الطفل، بن مولاه على رسم كافور. ثم أمر المظفر عبد الملك فرأى أن يخرج عسكر إلى شرقي الأندلس فهش طرقه لذلك وسأل مولاه أن يخرج معه عيسى الوزير، وقد أسر الإيقاع فأجابه المظفر إلى ذلك. وأخذ في التجهيز والتحمل واستصحب وجوه القواد وكرايم الخيل لم يبق عند مولاه إلى ما لها قدر له.
[ ٨٦ ]
وخرج في أبهة الملوك. وأخذ الوزير عيسى في الخروج معه وأحس بالشرفى صحبته، وزام الانفراد بالمظفر في ذلك فلم يمكنه لضبط طرفة باب مولاه. فألقى عيسى بنفسه إلى مفرح صاحب مدينة الزاهرة (وثغر) المظفر واستغاث به. وأطلعه على ما اطلع عليه فأوصل له رقعه بذلك إلى المظفر، وبين فيها كلما عزم عليه طرفه. فاستيقظ المظفر لنفسه، وأعفى عيسى من الخروج مع طرفه، وألزم طرفة السير فاختل بذلك طرفه وأتى إليه مأمنه وسأل الإعفاء من الخروج فلم يجبه.
وخلا وجه المظفر لعيسى بعده، وذكر له أشياء حنق بها على طرفة وتعجل المظفر الخروج إلى غزوته أثر طرفة فخرج مع وزيره عيسى. وجعل ابن الجزيري يغالطه بالقدح في طرفه وفي قلبه من عيسى النيران المتقدة، وعيسى أعلم الناس بنفاقه وأحرصهم على سفك دمه. فلما سار عند المظفر إلى بعض الطريق دبر عيسى على ابن الجزيري أن ينصرف إلى حضرة، لتحصيل ما بقي من الخراج وتحرير أمر النفقات، ولم يدر بما دربه عليه وعلى طرفة صاحبه.
فلما وصل المظفر إلى سرقسطة وطرفة مرتقب قدوم مولاه على قربة منها، ودخل على أعظم هيئة وأحسن همة وسار إلى قصر مولاه مذالًا بمنزلته فعدله به عن مجلسه ولم تقع عين المظفر عليه. وقيد لوقته وأخرج إلى الخزانة الشرقية، فلم يكن بين دخوله سرقسطة أميرًا وخروجه منها أسيرًا إلا ساعة واحدة. ثم أنفذ المظفر إلى الحضرة بالحوطة على ابن الجزيري وإيداعه المطبق بالزاهرة. وكتب عيسى الوزير إلى مفرج العامري وإلى عبد الله بن مسلمة وكان من أعادي بن الجزيري بقتله والأراحة منه، فأدخلا عليه في محبسيه قومًا من السودان فخنقوه وأشيع موته وأخرج لا أثر فيه يدل على قتله.