المعروف بابن اللبانة والسب أن أمه كانت تبيع اللبن فنشأ وتأدب وسافر وتغرب وحسن شعره، وسار ذكره، ووفد على الملوك وآخر من وفد عليه منهم المعتمد على الله فأقبل عليه وأصغى إليه. ولما نكب المعتمد وزال ملكه، وتشتت أمره واعتق، وفد هذا ابن اللبانة عليه ومدحه وأثنى عليه في أيام الجرح كما كان يثني عليه في أيام الفرح ونسب فيه إلى الوفاء وله في المعتمد كتب مؤلفة وأشعار منونة.
فصل: قال علي بن بسام: كانت وقعة بطرنة في سنة ست وخمسين وأربعمائة. وذلك أن الفرنج خذلهم الله، انتدبت منهم قطعة كثيفة ممن كان قد اضطغن حقدًا لأهلها ونزلت على بلنسية في السنة المذكورة، أهلها جاهلون بالحرب، معتزون بأمر الطعن والضرب، مقبلون على اللذات من الأكل والشرب. وأظهر الفرنج الندم على منازلتها، والضعف عن مقاومة من فيها، وخدعوهم بذلك فانخدعوا، وأطعموهم فطمعوا. وكمنوا لهم في عدة أماكن جماعة من الفرسان وخرج أهل البلد بثياب زينتهم، وخرج معهم أميرهم عبد العزيز ابن أبي عامر. واستدرجهم العدو لعنه الله ثم عطفوا عليهم فاستأسروهم بالقتل والأسر، وما نجا منهم إلا من حصنه أجله وخلص الأمير نفسه. ومما حفظ عنه أنه أنشد لما أعياه الأمر: خليلي ليس الرأي في صدر واحد أسيرًا على اليوم ماتريان.
قال ابن بسام: حدثني من لا أرتاب له أن الشاعر قال في أهل بلنسيه لما خرجوا على العدو في ثياب البذلى والترفه:
لبسوا الحديد إلى الوغى ولبستم حلل الحرير عليكم ألوانا
ما كان أٌبحهم فأحسنكم بها لو لم يكن ببطرنة ما كان
وقال هكذا جرى لأهل طليطلة فإن العدو خذله الله استظهر عليهم وقتل جماهيرهم وكان من جملة ما عنهم الفرنج من أهلها خرجوا إليهم في ثياب الترفه ألف عقارة خارجًا عما سواها.
[ ٨٤ ]