قال ابن بسام كان من العلماء وحكى عن نفسه قال: تعلقت بأستار الكعبة وسألت الله الشهادة في الحرب، وفكرت في هول القتل، فندمت وهممت أن أرجع، وأستقبل الله ذلك فاستحييت، ثم قتل ﵀ عند دخول البرابرة قرطبة سنة أربعمائة. قال أبو حزم أخبرني من رآه بين القتلى يومئذ في آخر رمق، وهو يقول: لا يكلم أحد في سبيل الله والله أعلم بمن يكلم في سبيله إلا جاء وجرحه يوم القيامة يبعث دمًا؛ اللون لون الدم والريح ريح المسك، كأنه يعيد على نفسخ الحديث الوارد في ذلك ثم قضى نحبه هناك.
فصل مقتل أحمد بن عباس قال ابن بسام كان أديبًا فاضلًا كاتبًا كافيًا إلا أنه ممن استولى عليه العجب، وملكه التيه، واستفزه الفرح، وغطى على عينيه الكبر وأفضى الأمر على هلاكه وهلاك سلطانه زهير مولى بني عامر. قال في كلام طويل وحديث عريض إنه لما ظفر به باديس أخر قتله واعتقله وأطلق من كان أسر معه. وبذل عن نفسه الرغائب فأعرض عنها باديس واشتد جزعه على نفسه. وكان شديد الترفه وعظمت مصيبته وثقل عليه الحديد. لم يزل الأمر يتردد إلى أن قويت نفس باديس على قتله بنفسه مع أخيه بلقين. فلما عاد يومًا من الركوب استدعاه فلما أحضر إليه في قيوده وألح في استعطافه فثار غضبه وزرقه بمزرقته وزرقه أخوه وقطع رأسه.
[ ٧٩ ]
ووجد في تركته أربعمائة ألف مجلد سوى المجددات.
قالوا وكانت له خمسمائة قينة واتهم مع ذلك بعهر الخلوة الذي استهوته وقلة الجماع ومن طرائفه وأخبار فرط نجله ما حاكاه الوزير أبو الوليد بن زيدون عن ابن الباجي كاتب الرسائل. قال دعاني ابن عباس يومًا مع خواص من أصحابه إلى داره فطرنا إلى مجلس ما رأينا قط مثله في جلالة فرشه ومنوره وآلاته، وفواكهه وأنقاله وقد غطى جميع ذلك بمناديل تشف عما تحتها فأخذ يلاعبنا الشطرنج وكانت غالية عليه مالكة لقلبه فاستغرق فيها ولم يزل يلعب بها نهاره كله وبعض ليلته لا يرفع رأسه ولا يدعو لنا بطعام ولا غيره إلى أن سألناه الانصراف وأذن لنا فيه وانصرفنا إلى بيوتنا ولم نتناول شيئًا مما كان قد أعده لنا.
فصل في ذكر التاغيدي يوسف اليهودي: قال ابن بسام كان هذا يوسف يهوديًا كافيًا حسن السيرة تولى لباديس ولأبيه من قبله لغرناطة جباية المال وتدبير أكثر الأعمال. ونجم ولده إسماعيل غلامًا وصبًا ومركبًا وطيًا وكان باديس مفتونًا بحب الغلمان فاصطفاه وتحظاه، وخلى بينه وبين الأموال وأنفذ أمره في الرجال وطغا وبغا تعرض إلى القدح في الملة والعبث بفقهاء القبيلة كالفقيه ابن حزم وغيره، وكانت اليهود تتشائم به وتخاف ما وقعت فيه بسببه ولما استقل، وكر منه ما قل كاتب ابن صمادح عدو باديس سلطانه بتسليمه المريه إليه وأمره ابن صمادح بالمال ودبر على صاحبه تدبيرًا عثر عليه المسلمون منه فعاجلوه وقتلوه وقتل من اليهود ما ينيف عن أربعة آلاف نفس وكان قد تسمى بالتاغيد ومعناه المدبر.