قال ابن بسام، قال ابن حيان: أنه توفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة، بالجزيرة الخضراء في كنف الأمير محمد بن القاسم. ثم مات ولده الذي لم يكن له سواه بمألفه فاجتثت أصله وكان أوسع الناس علمًا بعلوم الجاهلية والإسلام. والآثار العلوية، والهندسة والطب، والفلسفة والآداب، وتعارف الأحوال، مضطرب التدبير.
[ ٧٧ ]
قال ابن حيان: كان عبد الرحمن بن محمد من ولد الناصر لدين الله، قد نصب خليفة بشرق الأندلس، فزحف بمن معه من الأندلسيين العامريين وغيرهم إلى عدوة البرابرة بقرطبة وأعمالهم، وأميرها يومئذ القاسم بن محمود. فخرجوا بحملتهم في سنة سبع وأربعمائة وعقدوا مع المرتضى غزوها، فعرجوا بطريقهم إلى غرناطة ليبدؤوا بحرب من بها من صنهاجة، لأجل غدرهم بسلطانهم المرتضى، فاستأصلوا شأفة البرابرة، وتمكن ملك المحمودية. وكانوا جاءوا في جملتهم بمنذر التجيني وخيران الصقلي وقطعه من الفرنج، فخلوا غرناطة في جماعة كثيرة. وأمير البرابرة يومئذ زاوي بن زيري بن مناد وكان محاربًا شجاعًا فارتاعت صنهاجه من عسكر المرتضى، وانزووا إلى زيري ليدبرهم. ونشبت الحرب بينهم أيامًا فانهزم الأندلسيون أقبح هزيمة، وتركوا معسكرهم بجميع ما فيه، وفقد المرتضى في ذلك المعترك، وأسر جماعة من أصحابه، توجه بهم زاوي إلى القاسم بقرطبة، واستغنى البرابرة بما غنموه. وكان أول من انهزم من ذلك العسكر منذر بن يحيى التجيني وخيران الصقلي، وجيء برأس المرتضى إلى خيران ومنذر وقد لحقا بالمريه، وسلم أخوه أبو بكر بن هشام ولحق بالعامريين وزهدوا فيه فاستقر عند ابن القاسم، ولم يزل مقيمًا عنده إلى أن كان من تقدمه للخلافة ما كان، ونفذ زاوي إلى القاسم بقرطبة كتابًا يشرح ما جرى مع نصيبه من الغنية. وفي جملته سرادق المرتضى فضرب القاسم على نهر قرطبة، واجتمع الناس لينظروه، وضاقت صدورهم لأجله، وكرت ريح المروانية وآيس الناس من دولتهم، ولما نظر زاوي كما جرى من الأندلسيين وخاف العاقبة حمل أصحابه على الخروج من الأندلس فخالفوه فلما يأس منهم، ركب البحر بأهله وماله ولحق بأفريقية. وقد كان ذلك من أعجب ما جرى وأغرب ما سمع وأقام بالقيروان وأقره المعز في دولته، ولم يقلد ولا واحد من أولاده شيئًا من أعماله، وكانوا في غنى عن الولاية، بما حملوه معهم.