قال علي ابن بسام، قال أبو حيان: هو محمد بن عبد الرحمن بن عبيد الله الناصري بويع يوم قتل عبد الرحمن الناصر المستظهر، يوم السبت لثلاث خلون من ذي القعدة سنة أربع عشرة وأربعمائة. ولقب بالمستكفي بالله باختيار منه له، وكان كثير التخلف بادي العجز لا أهلية فيه لما ارتقى إليه، وإنما الله أرسله محنة وبلية وسخطة ونعمة. وكان من الفقر المدقع بحيث أنه يسأل الفلاحين بقرطبة في الصدقة عليه بزكاة غلاتهم، ويخاطبهم في ذلك بلسانه، ويلقاهم فيه بوجهه. وقال وأجمع أهل التحصيل على أنه ما ولي الإمارة قط أدنى منه ولا أنقص.
ولما اعتقل بنو عمه وأهل بيته في الدولة المحمودية فما رأوه أهلًا للاعتقال احتقارًا له، فأفضى به الأمر إلى الإمارة، وهو ثالث خليفة قام في هذه السنة، الأول القاسم بن حمود، الثاني عبد الرحمن المستظهر، والثالث هذا محمد المستكفي. وانحل في أيامه النظام وأباح الناس بالمحظور وتسمى كل من الأخساء بما أراد من أسماء الأجلاء، وانحطت المراتب واشتدت المصائب، وقبض على جماعة من بني عمه ووجوه أهله، وقتل ابن عمه عبد العزيز العراقي خنقًا، ونعاه إلى الناس ولم يخف عنهم فعله. وفي أيامه كمل خراب قصور جده الناصر. وطمست أعلام قرطبة وقصر الزهراء، واقتلع نحاس الأبواب ورصاص المداري، وغير ذلك من الآلات، فطوى بخرابها بساط الدنيا إذا كانت جنة الأرض. فلما كانت سنة ست عشرة وتحول يحيى بن حمود على قرطبة وضعف أمر المستكفي، اتفق الخلق على خلعه، ودخلوا عليه وقالوا قد علم الله اجتهدنا في تثبيت أمرك واعتياصه علينا واضطررنا إلى مقاومة عدونا وها نحن خارجون إليه ووما ندري ما لعله يحدث عليك بعدنا، فإن تكن لك الكرة فلا تيأس فإن مع اليوم غدًا. فأجمل الرد عليهم واستشعر الذل، وعزم على الهروب. فخرج على وجهه، وقد لبس ثياب النساء بين امرأتين لم يميز منهما لغاية التخنث عليه، وخرج من قرطبة فمات بإقليش فكانت دولته سبعة عشر شهرًا.