قال أبو مروان هو علي بن حمود بن ميمون بن حمود بن علي بن عبد الله ابن عمرو بن إدريس بن عبد الله بن حسن بن علي بن أبي طالب رضوان الله عليهم. وذكر العيني أن نفرا من ولد إدريس بن عبد الله بن حسن أيام طلبه للرشيد وحبسه عند جعفر بن يحيى، فروا إلى المغرب فوقفوا ببلاد أفريقية. ثم انحازوا إلى طرف من بلاد العرب فنكحوا إليهم وتبربروا معهم، وعقبهم إلى اليوم هناك. قال ابن حيان وبويع علي بن حمود على باب السدة من قصر قرطبة يومك الاثنين لسبع بقين من المحرم سنة أربع وأربعمائة، ثاني اليوم الذي أدرك فيه ثأر هشام المؤيد ولم يتخلف أحد عن بيعته.
ويسمى بالناصر لدين الله، وهو اسم سبقه إليه بالمشرق أبو أحمد ابن المتوكل العباسي، وتبعه فيه عبد الرحمن بن محمد صاحب الأندلس. ولما صارت إليه الخلافة أظهر من القهر والغلبة والإرهاب ما ملأ به القلوب وكف به عادية برابرة العسكر وقادهم قود الإبل المخطومة، وأجرى عليهم الأحكام الشرعية التي كانوا ممتنعين منها، وجلس للنظر في مظالم الناس مرفوع الحجاب للصادر والوارد. ويقيم الحدود على الكبير كما يقيمها على الصغير! فأمنت السبل ورخت الأسعار وانبسطت الآمال وكثر النسل، لأنهم كانوا قد امتنعوا من التزويج لشدة ما كانوا فيه.
[ ٧١ ]
ولقي يومًا نفرًا من البربر ومعه حمل عنب فسأله من أين لك هذا؟ فقال أخذته كما يأخذ الناس. فأمر به فضربت عنقه، ووضع الرأس في وسط الحمل فطيف به البلد. وكان عيونًا لا يستحسن شيئًا بعينه إلا هلك. وكان يأمر من يستحسنه من نسائه بأن تخفي محاسنها حتى لا يصيبها بعينه! وأقام بقرطبة ثمانية أشهر على أحسن ما يكون مع الرعية. ووقف منهم على كراهتهم لدولته، ويغضهم لأيامه، وبلغه قيام المرتضى بسر في الأندلس، فصمم على إهلاك قرطبة وأهلها حتى لا يعود للمروانية فيها ذكر. وينتقل إلى ساحله ويجمع شمل برابرته فيضرب بهم جميع الأندلس. فانقلب عن جميع ما كان عليه وانصرف إلى جزيرة البربر وتغاض عنهم وبسط أيديهم فيما كانوا عليه من الظلم والحيف. فوقع أهل قرطبة وغيرهم في أشد مما كانوا فيه. وأقبل على أهل قرطبة بما با يطاق من التنكيل والمغارم وانتزاع السلاح منهم وهدم جورهم وقيض أيدي الحكام عن إنصافهم.
وعطف على أغنيائهم بما استأصلهم به، وقرب إليه من الأشرار جماعة للسعي عليهم والتنبيه عليهم، وصار أكثر أهل البلد شرطية ليوكلوا على الباقي. فقل ما تلقى من أهل البلد إلا ومعه موكل عليه. وأخذ على الناس الأقطار فاندفنوا فغي البيوت وسكنوا بطون الأرض حتى خلت الأسواق من الناس، وأظلمت الدنيا وما بقي لأحد تصرف إلا تحت الليل! وصودر خلق كثير وامتهن بعضهم بالضرب الشديد، حتى صانعوا عن أنفسهم بالمال الكثير وأمر بإطلاقهم. فلما أحضرت دوابهم ليركبوها قبضت جميعها وانطلق القوم ورجاله إلى بيوتهم فكانت أعظم آفة جرت عليهم.
فلما اشتد البلاء واستجيب فيه الدعاء، وسلط الله عليه من أضعف خلقه؛ صبيانًا أغمارًا من صقالبة بني مروان، كان قد استخلصهم لنفسه، واستقلهم عن تعرض لنكايته، فجسروا على مواثبته في قصره، لا عن مواطأة أحد إلا ما ألقاه الله في قلوبهم. وكانوا ثلاثة يسمى أحدهم بمنجح وكان حسن الوجه، والآخر لبيب، والآخر نجيب فقتلوه ليلًا مستهل ذي القعدة من سنة ثمان وأربعمائة. في الحمام ضربه منجح بكوز نحاس ثقيل فشجه وغشي عليه. ودخل صاحباه فضرباه بالخناجر حتى مات، وسدوا عليه باب الحمام وهربوا إلى بعض الأماكن فلما استبطأ نساؤه مقامه في الحمام دخلن عليه، فوجدنه قتيلًا ممزقًا. ثم ظهر أمره وفشا قتله ففرح الناس، وحمدوا الله تعالى على خلاصهم. فاجتمعت زناتة وأرسلوا إلى أخيه القاسم صاحب اشبيلية واستدعوه وخاف أن يكون ذلك حيلة عليه، فأنقذ من رآه وعاد إليه بخبره، وأخرج إليه جسد فصلى عليه، وأمر بإنقاذه على سبته! فدفن هناك وكانت مدة خلافته أحد وعشرين شهرًا وسبعة أيام فانقضى أمر علي بن حمود على هذا السبيل.