قال علي بن بسام هو أبو عامر محمد بن عبد الله بن عامر ابن أبي عامر محمد بن الوليد بن يزيد بن عبد الملك العامري. وعبد الله جده هو الداخل بالأندلس مع طارق بن موسى بن نصير. قال نقلت منت خط ابن حيان، أنه انتهت خلافة بن مروان إلى الحكم تاسع الأئمة فيها. قال: وكان من فضله قد استهواه حب الولد حتى خالف الحزم في توريثه الملك بعده في سن الصبا دون مشيخة الأخوة وفتيان العشيرة. ومن كان ينهض: الأمر ويستقل بالملك قال ابن بسام: وكان يقال لا يزل ملك بني أمية بالأندلس في إقبال ودوام ما توارثه الأبناء عن الآباء، فإذا انتقل إلى الأخوة وتوارثوه فيما بينهم أدبر وانصرم.
ولعل الحكم لحظ ذلك فلما مات الحكم أخفى جؤذر وفائق فتياه ذلك، وعزما على صرف البيعة إلى أخيه المغيرة. وكان فائق قد قال له أن هذا لا يتم لنا إلا بقتل جعفر المصفى. فقال له جؤذر: ونستفتح أمرنا بسفك دم شيخ مولانا. قال له والله ما أقول لكم ثم بعثا إلى المصحفي ونعيا له الحكم وعرفاه رأيهما في المغيرة. فقال لهما المصحفي: هل أنا إلا تابع لكما وأنتما صاحبا القصر ومدبرا الأمر؟ فشرعا في تدبير ما عوما عليه، وخرج المصحفي وجميع أجناده وقوداه ونعى إليهم الحكم، وعرفهم مقصود جوذر وفائق في المغيرة وقال إن بغينا على ابن مولانا كانت الدولة لنا وإن بدلنا استبدل بنا. فقالوا الرأي رأيك فبادر المصحفي بإنقاذ محمد بن أبي عامر مع طائفة من الجند إلى دار المغيرة لقتله، فوفاه ولا خبر عنده فنص إليه الحكم أخاه وعرفه وجلوس ابنه هشام في الخلافة. فقال أنا سامع مطيع فكتب إلى المصحفي بحاله بما هو عليه من الاستجابة.
وأجابه المصحفي بالقبض عليه وإلا وجه غيره ليقتله فقتله خنقًا. وكانت علة الحكم الفالج فلما مات الحكم ليلة الأحد ثاني صفر سنة ست وستين، وقتل المغيرة واستوثق الأمر لهشام بن الحكم، افتتح المصحفي أمره بالتواضع والسياسة واطراح الكبر ومساواة الوزراء في الفرس. وكان ذلك من أول ما استحسن منه وتوفر على الاستئثار بالأعمال والاحتياج للأموال وعارضه محمد ابن أبي عامر فتى ماجد أخذ منه بطرفي نقيض بالبخل جودًا وبالاستبداد أثره وتملك قلوب الرجال إلى أن تحركت همته للمشاركة في التدبير بحق الوزارة. وقوي على أمره بنظره في الوكالة، وخدمته للسيدة صبح أم هشام. كانت حاله في تأدية لطيف الخدمة فأخرجن له أمر هشام الخليفة إلى الوزير جعفر المصحفي بأن لا ينفرد عنه برأي.
[ ٨٧ ]
وكان مريدًا له غير متخيل منه سكوتًا إلى ثقته، فامتثل للأمر وأطلعه على سره وبالغ في بره وبالغ محمد بن أبي عامر في مخادعته وإعادة النصح له فوصل المصحفي يدي بيده واستراح إلى كفايته، وابن أبي عامر يمكر به ويضرب عليه، ويغري به الحسدة، ويناقضه في أكثر ما يعامل به الناس، ويقضي حوائجهم. ولم تزل هذه سبيله إلى أن انحل أمر المصحفي، وقوي نجمه، وتفرد محمد بن أبي عامر بالأمر، ومنع أصحاب الحكم وجلاهم وأهلهم وشردهم وشتتهم وصادرهم، وأقام من صنائعه من استغنى به عنهم وصادر الصقالبة وأهلكهم وأبادهم في أسرع مدة بحسب استنفاد أعمارهم.
فصل قال ابن حيان وجاست النصرانية بموت الحكم ووصلوا قرطبة.
قضى الله بموت الحكم وخرجوا على أهل الثغور فوصلوا إلى باب قرطبة ولم يجدوا عند جعفر المصحفي غناء ولا نصرة. وكان مما أتى عليه أن نفرًا من أهل قلعة رباح أمر بقطع سد نهرهم مما تخيله من أن في ذلك النجاة من العدو. ولم تتسع حيلته لأكثر منه وفور الجيوش وجموم الأموال. وكان ذلك من سقطات جعفر فانف محمد بن أبي عامر من هذه الريبة وأشار على جعفر بتجريد الجيش للجهاد. وخرفه سوء العاقبة في تركه. وأجمع الوزراء على ذلك إلا من شذ منهم. واختار ابن أبي عامر الرجال له وتجهز للغزاة واستصحب مائة ألف دينار، وبعد بالجيش ودخل على الثغر الجوفي ونازل حصن الحامة ودخل الربض وغنم وقفل، فوصل الحضرة بالسبي بعد اثنين وخمسين يومًا. فعظم في العيون وخلصت قلوب الأجناد له واستهلكوا في طاعته لما رأوه من كروه.
ومن أخبار كرمه ما حكاه محمد بن أفلح غلام الحكم. قال دفعت إلى ما لا أطيقه من نفقة في عرس ابنة لي ولم يبق عندي سوى لجام محلى تحلية يثقل وزنها ويخف عيارها. ولنا صاحب قصدته في دار الضرب والدهم بين يديه موضوعة. فأعلمته ما جئت له، فابتهج لما سمعه مني وأعطاني من تلك الدراهم وزن اللجام بحدائده وسيوره فملأ حجري وقمت غير مهدتي بما جرى لعظمه، وعملت العرس وفضلت لي فضلة كبيرة. وأحبه قلبي حتى لو حملني على خلع طاعة مولاي الحكم لفعلت.
فصل قال أبو حيان: كان بين المصحفي وغالب صاحب كمدينة سالم وشيخ الموالي وفارس الأندلس عداوة عظيمة، ومباينة شديدة، ومقاطعة مستحكمة. وأعجز المصحفي أمره وضعف عن مداراته وشكى ذلك إلى الوزراء فأشاروا علبيه بملاطفته واستصلاحه. وشعر بذلك ابن أبي عامر فأقبل على خدمته وتجرد لإتمام إرادته. ولم يزل على ذلك حتى خرج الأمر بأن ينهض غالب إلى قدمة جيش الثغر. وخرج ابن أبي عامر إلى غزوته الثانية، واجتمع به وتعاقدا على الإيقاع بالمصحفي. وقفل ابن أبي عامر غانمًا ظافرًا ببعد صيته، فخرج أمر الخليفة هشام يصرف المصحفي عن المدينة، وكانت يومئذ في يده. وخلع على ابن أبي عامر ولا خبر عند المصحفي. وملك ابن أبي عامر الباب بمولايته الشرطة وأخذ على المصحفي وجوه الخيل وخلاه ولبس بيده من الأفراد إلا أقله.
وكان ذلك بإعانة غالب له وأنه ضبط المدينة ضبطًا أنسى به أهل الحضرة من سلف من الولاة وأولي السياسة وانهمك ابن أبي عامر في صحبة غالب ففطن المصحفي لتدابير ابن أبي عامر عليه فكاتب غالبًا يستصلحه وخطب أسماء ابنته لابنه عثمان. فأجابه غالب لذلك وكادت المصاهرة تتم له وبلغ ابن أبي عامر الأمر فقام قيامته، وكاتب غالبًا يخوفه الختلة ويهيج حقوده وألقى عليه أهل البلاد وكاتبوه فصرفوه عن ذلك. ورجع غالب إلى ابن أبي عامر فأنكحه البنت المذكورة، وتم له العقد في محرم سنة سبع وستين.
وأدخل السلطان تلك البنت إلى قصره وجهزها إلى محمد بن أبي عامر من قبله فظهر أمره وعز سلطانه وكثرت رجاله وصار جعفر المصحفي إلى ما لا شيء. واستقدم غالبًا وقلده الحجاب شركة مع جعفر المصحفي ودخل ابن أبي عامر على ابنته ليلة النيروز وكان أعظم عرس في الأندلس.
[ ٨٨ ]
وأيقن المصحفي بالنكبة وكف عن: اعتراض ابن أبي عامر على شيء من التدبير وابن أبي عامر يساتره ولا يظاهره، وأعرض عنه الناس واتجهوا إلى ابن أبي عامر إلى أن صار يغدو إلى قصر قرطبة ويروح وهو وحده وليس في يده من الحجابة إلا اسمها. وعوقب المصحفي بإعانته على ولايته هشام ثم سخط السلطان على المصحفي وعلى أولاده وأهله لأسبابه وأصحابه وطولبوا بالأموال وأخذوا برفع الحساب لما تصرفوا فيه وتوصل ابن أبي عامر بذلك إلى اجتثاث أموالهم وفروعهم.
وكان هشام ابن أخي المصحفي قد توصل إلى أنه سرق من رؤوس النصارى التي كانت تحمل بين يدي ابن أبي عامر في الغزوة الثالثة، ليقدم بها على الحضرة وغاظه ذلك منه، فبادر بالقتل في المطبق. قبل عمه جعفر المصحفي. واستقصى ابن أبي عامر مال جعفر حتى باع داره بالرصافة. وكانت من أعظم قصور قرطبة واستمرت بالنكبة عليه سنتين مرة يحبس ومرة يعزل ومرة يقر بالحضرة ومرة ينفى عنها، ولا يراح من المطالبة بالمال، ويعذبه غالب. ولم ينزل على هذا الحكم إلى أن استصفى ولم يبق فيه ما يحتمل واعتقل في المطبق بالزهراء إلى أن هلك وأخرج إلى أهله ميتًا، وذكر أنه سمه وضع في ماء شربه.
قال علي بن بسام: أخبرني محمد بن إسماعيل كاتب ابن أبي عامر قال: سرت مع محمد بن مسلمة فقيه ابن أبي عامر إلى الزهراء، لنسلم جسد حعفر ابن عثمان إلى أهله. وسرنا إلى منزله وكان مغطى بخلق كساء لبعض البوابين ألقاه على سريره، وغسل على فردة باب الجناح من ناحية الدار. وأخرج ولم يحضر أحد جنازته سوى إمام مسجده المستدعى للصلاة عليه. ومن حضره من داره تعجب من تصرف الزمان بأهله.
فصل ووقعت وحشة فيما بين الخليفة هشام وابن أبي عامر كان سببها تضريب الحساد فيما بينهما، وعرف أنه ما دهى إلا من حاشية القصر ففرقهم ولم يدع فيه منهم إلا من وثق به، أو عجز عنه. قد ذكر له أن الخدم قد انبسطت أيديهم في الأموال المختزنة بالقصر، وما كانت السيدة صبح أخت رائق تفعله من إخراج الأموال عندما حدث من تغيرها على ابن أبي عامر. وأنها أخرجت في بعض الأيام مائة كوز مختومة على أعناق الخدم الصقالبة. فيها الذهب والفضة، وموهت ذلك كله بالمرى والشهد وغيره من الأصباغ المتخذة لقصر الخلافة. ركبت على رؤوس الكيزان أسماء ذلك ومرت على صاحب المدينة فما شك في أنه ليس فيها إلا ما هو مكتوب عليها. وكان مبلغ ما حملته فيها من الذهب ثمانين ألف دينار.
وأحضر ابن أبي عامر جماعة وأعلمهم أن الخليفة مشغول عن حفظ الأموال بانهماكه في العبادة، وأن في إضاعتها آفة على المسلمين. وأشار لنقلها إلى حيث يؤمن عليها فيها فحمل منها خمسة آلاف دينار من الدراهم القاسمية ورقًا وسبعمائة ألف دينار جعفرية من الذهب وكانت صبح قد دافعت عما بالقصر من الأموال ولم تمكن من إخراجها، فاجتمع ابن أبي عامر بالخليفة هشام واعترف له بالفضل في حفظ قواعد الدولة فخسرت السنة الأعداء والحسدة. وعلم الحضور ما في نفوس الناس لظهور هشام ورؤيتهم له، إذ كان منهم من لم يره قط. فأبرزه الناس وركب الركبة المشهورة واجتمع لذلك من الخلق ما لا يحصى عدده. وكانت عليه الطويلة والذؤابة مسدلة والقضيب في يده زي الخلافة وإلى جانبه المنصور يسايره، وقدامه الجاجب عبد الملك عيسى.
فصل وخرج المنصور للغزاة وقد مرض المرض الذي مات فيه في صفر سنة اثنين وتسعين وثلاثمائة وواصل شن الغارات وقويت عليه العلة واتخذ له سرير من خشب ووطئ عليه ما يرقد عليه. وكان هجر الأطباء في تلك العلة لاختلافهم فيها واقتصر على أوصاف كاتبه الجزيري عبد الملك وأيقن هناك بالموت. وكان يقول أن زمامي يشتمل على عشرين ألف مرتزق ما أصبح بهم أسوأ حالة مني. واشتغل ذهنه بقرطبة وهو بمدينة سالم فلما أيقن بالوفاة أوصى ابنه عبد الملك وجماعته، وتفرقت عنه وخلا بولده وكان يكرر وصيته وكلما أراد أن ينصرف يرده وعبد الملك يبكي. وهو ينكر عليه ذلك ويقول هذا من أول العجز، وأمره أن يستخلف أخاه عبد الرحمن على العسكر إلى أن يرد قرطبة.
[ ٨٩ ]
وخرج عبد الملك إلى قرطبة ومعه القاضي ابن ذكوان فدخلها في أول شوال، وسكن الإرجاف بموت والده، وعرف الخليفة كيف تركه،. ووجد المنصور راحته فأحضر جماعة بين يديه وهو كالخيال لا يبين الكلام، وأكثر كلامه بالإشارات كالمسلم المودع. وخرجوا من عنده وكان أخر العهد به. ومات لثلاث بقين من شهر رمضان من السنة. وكان أوصى أن يدفن حيث يقبض، فدفن في قصره بمدينة سالم. واضطرب العسكر وتلوم ولده أيامًا وفارقه بعض العسكر إلى هشام. وقفل هو إلى قرطبة فيمن بقي معه وأخذه الحزن بموت والده المنصور ولبست فتيانه المسوح والأكسية بعد الوشى والحبر.
وقام ولده عبد الملك بالأمر. وأجراه هشام الخليفة على عادة ابنه وخلع عليه، وكتب له السجل بولايته الحجابة. وكانت الفتيان قد اضطربوا، فقوم المنابذ وأصلح الفاسد. وجرت الأمور على السداد، وانشرحت الصدور بما شرع فيه من عمارة البلاد، فكان أسعد مولود ولد في الأندلس.
فصل: لما توالت على أهل طليطة الفتن المظلمة والحوادث المصضلمة، وترادف عليهم البلاء والجلاء واستباح الفرنج لعنهم الله أموالهم وأرواحهم. كان من أعيب ما جرى من النوادر الدالة على الخذلان، أن الحنطة لتقيم عندهم مخزونة خمسين سنة لا تتغير ولا يؤثر فيها طول المدة. فلما كان في السنة التي استولى عليها العدو، ما رفعت الغلات من البيادر حتى أسرع فيها الفساد فعلم أن ذلك بمشيئة الله ﷾ لما أراده من شمول البلاء وعموم الضر واستولى العدو على طليطة فأنزل من بها على حكمه، وخرج ابن ذي النون منها على أقبح صورة وأفظع سيرة. ورآه الناس وبيده اصطرلاب يأخذ به وقتًا يرحل فيه، فتعجب منه المسلمون وضحك عليه الكافرون. وبسط الكافر العدل على أهل المدينة وحبب النظر إلى عادة طعامهم فوجد المسلمون من ذلك ما لا يطاق حمله وشرع في تغير الجامع بكنيسة في ربيع الأول سنة ست وسبعين وأربعمائة. ومما جرى في ذلك اليوم أن الشيخ الأستاذ الموامي ﵀ صار إلى الجامع وصلى فيه، وأمر مريدًا له بالقراءة، ووافاه الفرنج لعنهم الله، وتكاثروا لتغيير القبلة فما جرأ أحد منهم على إزعاج الشيخ ولا معارضته، وعصمه الله منهم إلى أن أكمل القراءة، وسجد سجدة طويلة ورفع رأسٍه وبكى على الجامع بكاء شديدًا، وخرج ولم يتعرض له أحد بمكروه. وقيل للملك ينبغي أن تلبس التاج كمن كان قبلك في هذا الملك، فقال حتى نأخذ قرطبة منهم.
وأعد لذلك ناقوسًا تأنق فيه وفيما رصع به من الجواهر فأكفره الله وأرغمه، ورد أمير المسلمين، ناصر الدين أبو يعقوب ابن تاشفين فيما أثر من إذلال المشركين وإرغام الكافرين (؟!) واستدراك أمور المسلمين.
فصل: كان أبو الحسن إبراهيم بن محمد بن يحيى المعروف بابن السقا. قد كابر من صعوبة الفقر، وشدة الدهر، ومعاناة الدنيا في طلب الرزق ما لا يزيد عليه، ولما مات أبوه تعلق بخدمة القضاة وشيوخ الفقهاء وترقت به الحال إلى أن تعلق بخدمة الوزير أبي الوليد بن جهور واستعمله في بعض الخدم وتصرف في قهرمة داره، وتعاظم وتكبر وتجبرا واستهان الكبائر، وأطرح الفروض وتعرض لإذلال الناس، واستحوذ على الأمور، وتطاول إلى الأموال. وبسط فيها واستبد وتفرد واستكثر من الغلمان والأصحاب، حتى خضعت له الرقاب، واتصلت به الآمال ونال الإمارة.
واستقلت وجوه العسكر والخلق إليه وصدهم عن لقاء إبراهيم بن جهور وعول في أموره على خساس الناس وإسقاطهم ومن لا مروءة له ولا غناء عنده. وأفقر دار الخدمة بقرطبة ونقلها إلى داره، وجعل الصدور والخلق يزدحمون على بابه، ولم يوفقه الله إلى أن يقيم عليه حاجبًا، يجمل لقاهم ويرتب قعودهم بدهليزه. فورد على الناس من هذا وأمثاله ما أحرج صدروهم وصغر نفوسهم وبسط غلمانه أيديهم في الامتداد إلى الناس. فهو وزير في قعدة أمير وقاضي في صورة جندي، وفقيه على دين قرمطي. وكان عاهر الخلوة مجاهدًا بالغلمان وافرد له دارًا أسماها الناس دار اللذة، يخلو فيها بغلمانه المهتمين به إلى آخر النهار، ثم يعود إلى دار عياله.
[ ٩٠ ]
واشترت عنه أحاديث قبيحة، فلما قطع آمال الناس من بني جهور وأخملهم وتسمى بالسلطان. كان في بني جهور عبد الملك الأصغر من إخوته فأنف منه وعزم على الفتك به، من غير استشارة أحد في أمره. فلما كان يوم السبت سبع بقين من شهر رمضان سنة خمس وخمسين، أعد له رجاله في قصر أبيه، وأقام هو ينتظره. وأرسل عن أبيه رسولًا كان يوجه إليه. فلما وصل إلى باب ابن جهور وأراد النزول على حجر لاصق قام إليه عبد الملك بخنجر مع أعده لقتله، فضربه به. وخرج عليه الرجالة فأكملوا قتله. وقطع رأسه، وطيف به على رمح ومثل الناس به وركب عبد الملك إلى دار اللذة المختصة به، فملكها واحتوى على كل ما فيها وعلى أصغر غلمانه، واجتاز بالسجن فأطلق كل من كان فيه. وسمع أبوه محمد ابن جهور الخبر، فخرج مدهوشًا فرآه مجتذلًا فارتاع، وركب إلى الجامع وأظهر المسرة بقتل ابن السقا. وأعلنوا الشماتة به وقتل من حاشيته عشرون رجلًا، واعتصم أخوه بمنارة المسجد فنجا من القتل، ونهب مسجد ابن السقا وأخذت ثرياه.