في يوم الاثنين لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي الحجة سنة اثنين وستين وأربعمائة، سار الحاجب سراج الدولة ابن محمد باشبيلية، لتأنيس أهلها من وحشة خامرت عامتهم، لأجل عدوان رجل منهم على يهودي، زعم أنه سب الشريعة فبطش به وسط السوق وجرحه. فقبض عليه صاحب المدينة وحبسه، وكثر كلام العامة في إنكار حبسه وزادوا في ذلك ما خشيت عاقبته. فخاطب السلطان بقرطبة بما كان فيه واستأمره في شأنه، فعجل بإنفاذ جيش كثيف للحوطة على العامة. وأنفذ فيه ذا الوزارتين أبا ابن زيدون على بقية وعك كان متألمًا منه، ولم يقبل عذره في التوقف من أجله. ثم سير ولده بعده إليه وخلا مكانهما من المملكة، فوجد الأعداء سبيلًا إلى السعي بهما. واستمر بابن زيدون المرض حتى مات في اشبيلية ودفن فيها، في رجب سنة ثلاث وستين، فقام ولده بعده وسرمدة وحفظ عهد والده في معارفه.
قال أبو حيان: في سنة اثنين وأربعين وأربعمائة أوقع ابن عباد بابن الأفطس، وكان ذلك بسبب أن فتح ابن يحيى خليفة ابن الأفطس، أظهر موالاة لعباد فكاشفه ابن الأفطس وخافه على ما كان ائتمنه عليه من وديعة، كان حملها إليه. ثم أرسل ابن الأفطس خيله للحوطه على ابن يحيى، فاستغاث عباد فندب إليه من عسكره جماعة منتقاه فلما تراءى الجمعان كرت الخيل الأفطسية على خيل عباد وطردتها وتتبعتها وهي لا تعلم بعباد، فإذا هو في كمين قد خرج عليهم فولوا الأدبار وركبهم السيف، وبدل عباد المال في رؤوسهم فحمل إليه منها ثمانية وخمسين رأسًا، ومن خيلهم مثل هذه العدة. فقص جناح ابن الأفطس، وأفنى حماته وجمع رجاله وخيله، وقدم إليها إسماعيل ولده مع زين ابن الإسلام، وخرج نحو بلد ابن الأفطس.
[ ٧٦ ]
وكان ابن الأفطس قد استدعى خليفة إسحاق بن عبد الله، فلحقت به خيله مع ابنه أبي العز، بعد أن جمع بقايا جيشه، وأخرج كل من قدر على ركوب دابة من البياض من رجال البوادي فحمله، وهم خلق كثير، وأقبل بجيشه لدفع جيش ابن عباد عن بلده. قد كان برابرة خليفة إسحاق قالوا له: لا تتبعهم فمالك بهم طاقة، ونحن قد شاهدناهم وعرفنا حالهم باشبيلية فلم يسمع منهم، ومضى فالتقى الفريقان على طريق من غير نزول فاختلطوا وتجالدوا وحقق العباديون الضراب، وتابعوا الشدات وانحازت عنه برابرة إسحاق فانهزم ابن الأفطس، وحمل السيف على جميع من معه فاستأطلهم القتل. وقتل ولد إسحاق وجز رأسه وبعث بها على اشبيلية مع رأس لابن عم ابن الأفطس ونجا ابن الأفطس، في قطعة من خيله.
قال ابن حيان: وذكر أن عدة القتلى في هذه الواقعة يزيد على ثلاثة آلاف رجل. قال حدثني من أثق به أن بطليوس أقامت مدة خالية الدكاكين والأسواق لاستئصال أهلها بالقتل في وقعة ابن عباد وجزع إسحاق بن عبد الله على ولده.