قال أبو مروان: لم يكن للوزير عيسى بن سعيد بيت يعرف ولا قديم يذكر وكان أبوه معلمًا، فاختلف عيسى إلى الديوان، وصحب محمد بن أبي عامر، وقت حركته في دولة الحكم فبلغ به المنازل الجليلة، وكان عنده مشهورًا بيمن النقيبة، وكثر ماله وعظمت حاله، وتفاني في ما اقتناه من الضياع والأدوار، واشتمل على الملك هو وولده وصنايعه حتى صار لهم مع كل عامل نصيب. ولا ينفذ توقيع إلا بأمره، ولا يتم أمر إلا بمشورته. وكثرت أعداؤه وكثرت أعداؤه وكثر تحرزه مكنهم، ووالي كثيرًا من وجوه أهل الدولة وصاهرهم بينيه فكثرت جماعته، وعظمت أموره وأخذته الألسن.
واتفق أن عبد الرحمن بن المنصور انبسط على أخيه عبد الملك في أول دولته بصحبة طائفة له وسعي عيسى هذا في تقييده فحقد عليه وحسن أيضًا لعبد الملك أن يتزوج بجارية مغنية استحسنها وعفى عنها، فحقدت أمه على عيسى. ثم اتهم من مداخلته لولد أبي بكر هشام بن عبد الجبار بن الناصر، والسعي له في الملك. وكان عيسى لا يحضر مجلس شراب عبد الملك إلا في النادر، لضعف سربه، فأمكن الأعداء القول قيه بما شاؤا لأجل منيته. وزاد الأمر حتى ظهر لعيسى تغير عبد الملك عليه. فأعمل الحيلة في الخلاص وشرع في الغدر بالدولة العامرية، والانقلاب مع المروانية.
وأقامه الوليد أبي بكر هشام على الخليفة هشام بن الحكم وأخذ الخلافة منه فدعا هشامًا إلى ذلك ولقيه خفية وقرب له البعيد، وأطمعه ببلوغ الغرض، وأن الأجناد لا تخالفه فاستجاب له هشام.
[ ٧٢ ]
وأخذ بيعته عليه وساعده جماعة وكاد الأمر أن يتم، وأعد رجالا للفتك بعبد الملك فأشار أحدهم إلى نظيف الفتى الكبير مولى بن أبي عامر فنضح له بقصته فاعلم عبد الملك بها لوقته فاشتغل خاطره وتوقف في أمر عيسى للخشية من أن يكون السعي عليه من عدو له، إلى أن أنهى إليه صاحب المظالم ما أقلقه. ولم يرتب له لثقته. وحدثه أن رجلا يعرف بابن دراج الوزان كان متخصصًا من العامة، وله بالوليد هشام المذكور اتصال، أعلمه نزول عيسى عليه ببعض بساتينه. وأنه سمع ابن عبد الجبار يقول له يا أبا الأصبع، والله إني لخائف والخطر عظيم، فقال له عيسى ومن تخاف أليس الملك بيدي، والخيل طوعي، والناس يرضون بفعلي فلما علم عبد الملك بهذا بطش بعيسى. ووطئ عليه أخاه عبد الرحمن ومن يليه من أصحابه فشد عزيمته وعقد معهم مجلسًا للشرب، وبعث عن أكثر أصحاب عيسى، فجلس للشرب بالمجلس الكبير المشرف على النهر لعشر خلون من ربيع الأول سنة سبع وتسعين. ثم أرسل إلى عيسى وقد مضى من الشرب وقت فجاءه رسوله. وقد بدأ أيضًا يشرب مع نفر من أصحابه فدعاه إليه فلم يرتب بذلك وبادر بالركوب إلى عبد الملك، فلما وصل إليه أظهر الاستبشار به وأقبل عليه بوجهه وأعلا مجلسه.
فلما دارت الكؤوس أخذ عبد الملك في معاتبته وما قربه به عنده وعيسى منزعج من ذلك إلى أن صرح عبد الملك بما في نفسه، وألقى القدح من يده وأقبل يسبه ويغلظ له، وعيسى يتنصل ويقيم الأعذار ويناشده الله في عدم إراقة الدم. ثم أخذ عبد الملك سيفه من جانبه وعلاه به وخبطه أصحابه بسيوفهم حتى برد وخر رأسه ووضع جانبًا وأمر عبد الملك أيضا بقتل صاحبيه ابن خليفته وابن فتح، وقطعا بالسيوف في المجلس. وتهارب أصحاب عيسى فمنهم من ألقى نفسه في النهر هربا من القتل فغرق، وأمر برفع رأس عيسى بباب الزاهرة وما زال هناك إلى أن فتحت الزاهرة على يد ابن عبد الجبار وذهبت الدولة العامرية.
فقام عبد الملك من ذلك المجلس ولم يعد مدة حياته، وأمر الحوطة على منازل عيسى وأصحابه وكتابه وأولاده الأكابر واستصفى جميع أموالهم، وسجن أولاده بمطبق الزهراء، وأمر محمد ابنه طلاق أخت عبد الله فطلقها. ولم تزل خليه إلى أن ذهبت دولة قومها فراجعها، فكاد الناس يحسبون أن مال عيسى مثل التراب كثرة فما وجد له منه شيء، ووقع التعجب من ذلك. ولم يزل أولاده فقراء وأعظم الناس قتل عيسى بجلالة قدره وكان أبو العلا صاعد اللغوي منقطعًا إلى عيسى فلما قتل كان أول من أنشد عبد الملك فيه بما دل على سوء عهده شعرًا يقول فيه:
فتلك هامته في الجو ناطقة تحدث الناس من أخباره عبرا
مكتوبة الوجه بالهندي يقرؤه من ليس يقرأ مكتوبا ولا سطرا