قال علي بن بسام بعد قصيدة أوردها لأحمد بن الدراج القسطلي ما قوله:
خوصٌ نفحن بنا البرى حتى انثنت أشلاؤهن كمثل أنصاف البرى
فمثله قول أبي جعفر بن هريرة التطيلي أحد العصريين يصنف إبلًا:
كأنصاف البرى وتدق عنها شواها دقة تسع الجلالا
وقوله:
لله أي أهلة بلغت بنا يمناك يا بدر السماء المقمرا
مثل قول المذكور:
كل هوجاء كالهلال عليها كل ذي تدرإٍ كبدر الكمال
وقول الآخر:
وردت بها التنوفة وهي بدر فلم أصدر بها إلا هلالا
وقوله:
ورمى علي رداءه من دنوهم ملك تخير للعلا فتخيرا
أشارة إلى قول الهذلي:
ولم أدر من ألقى عليه ثيابه سوى أنه قد سل عن ماجد محض
وأما قوله:
وإني في أفياء ظلك أشتكي شكية موسى إذ تولى إلى الظل
فإنه من القرآن الكريم وقد أقدمت عليه جماعة من الشعراء المتقدمين والمتأخرين منهم أبو العلاء المعري حيث يقول:
كنت موسى وافتك بنت شعيب غير أن ليس فيكما من فقير
وحسان المصصي قال:
كبنت شعيب إذ زفت لموسى ولكن للثراء هنا مزيد
وقال الآخر وفيه خروج على الواجب:
وقد كان موسى خائفًا مترقبًا فقيرًا وآمنت المخافة والفقرا
وأما قوله:
وأبدي للسع الدبر وجهي منازعًا وقد فاز غيري سالمًا بجنى النحل
فإنه من قول المتنبي:
ولابد دون الشهد من إبر النحل
ومثله قول ابن سارة الشنتربيني:
ولها قسمة بين الرواة وبينكم فمن قسمة ضيزى ومن قسمة عدل
بأفواههم منا جنى النحل كلما رووها وفي أستاهكم إبر النحل
أواصل أناء الأصائل بالضحى وزادي من جهدي، وراحلتي رجلي
وهذا ما أوضحه المتنبي في قوله:
لا ناقتي تحمل الرديف ولا بالسوط يوم الرهان أجهدها
شراكها كورها، ومشفرها زمامها، والشسوع مقودها
وأما قوله:
ومن شيمة الماء القراح وإن صفا
إذا اضطرمت من تحته النار أن يغلي
فهو ينظر إلى بيت عمارة بين عقيل:
وما النفس إلا نطفة بقرارة إذا لم تكدر كان صفوًا غديرها
وزاد المعري عليه فقال:
والخل كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها مع الكدر
وأما قوله:
وذو غرة معروفة السبق في المدى وقد قرح التحجيل من حلق الشكل
فهو كقول المتنبي:
وإن تكن محكمات الشكل تمنعني ظهور جري فلي فيهن تصهال
وقال أبو الوليد بن زيدون:
ثوى صافنا في مربط الهون يشتكي بتصهاله ما ناله من أذى الشكل
وقاتل عبد الجليل:
[ ٤٢ ]
أتتك على خلائقها جيادي وإن كان الضياع لها شكالا
وكرره ابن زيدون فقال:
وأن الجواد الفائت الشأو صافنٌ تخونه شكل وأذري به ربط
وقال أبو العلاء المعري يصف قصيدة:
حجبت فلم يرها الذي قيدت له وغدت بآفاق البلاد تجول
كالطرف يقلقه اللحام صبابة بالجري وهو مقيد مشكول
وأما قول:
حتى بدا الصبح مشمطًا ذوائبه يطارد الليل موشيًا أكأرعه
وألمّ المذكور فيه بقول الأعرابي خرجنا في ليلة حندس قد ألقت على الأرض أكارعها فمحت صور الأبدان فما كدنا نتعارف إلا بالآذان وأما قوله:
فيا ظلام نجوم الليل إذ عدمت بدر السماء وفي حجري مضاجعه
ومثله الإدريسي بن اليماني:
بدر ألم وبدر الليل ممحقٌ والأفق محلولك الأزجاء من حسد
تحير الليل فيه أين مطلعه أما درى الليل أن البدر في عضدي؟
وأما قوله:
نفوسًا حنت قوس عطفي عليها فكنّ سهام قسي الخمول
قد قال الرضي:
هن القسي من النحول فإن سما طلب فانهن من النجاء سهام
وقال عبد المجيد بن عبدون:
جوانح كالقسي رمت ثبيرًا بفتيان
أقلني
بل نبال
وحط بنا عن ناجيات كأنها قسي رمت منا البلاد بأسهم
وقال أبو حفص بن برد:
إياك والموعد الخوان تقبله فلا أمانة للعس المخاضيب
قال علي بن بسام وهذا من قول كثير:
فإن حلفت أن لا تخونك عهدها فليس لمخضوب البنان يمين
وأما قوله: فاكتب على جد ما قد الم تمثله قول ابن العميد:
متقلبًا يأتيك اثبت عهده كالخط يرسم في بسيط الماء
وأما قول الوزير أبو المغيرة عبد الوهاب بن حزم متمثلًا بقول الشاعر:
حانت منيته فاسود عارضه كما تسود بعد الميت الدار
فمثله قول علي بن بسام البغدادي قائله في أخيه:
حانت وفاتك يا أبا العباس فدع المكاس فلات حين مكاسي
ما بال وجهك بعد كثرة نوره قد سودوه بحالك الأنقاس
أين الدنانير الني عودتها هيهات جاء الشعر بالإفلاس
قال علي بن بسام الأندلسي حضرت مجلس الوزير أبي محمد ابن عبدون بشنترين في جملة أصحاب المتوكل وكان فيهم رجل اسمه عبد المجيد فلما علم أن اسمي علي بن بسام قال أنت علي بن بسام حقًا؟ قلت: نعم، قال: وتهجو أباك وأخاك؟ فقلت له وأنت أيضًا عبد المجيد؟ قال: أجل، قلت: وفيك يتغزل ابن مناذر، فضحك الحاضرون من اتفاق الاسمين قال علي بن بسام ومما يتعلق بذكر العذار قول عبد الجليل أحد العصرين:
وأمرد يستهيم بكل واد وينصب للشجي خدًا صليبا
دعوت دعاء مظلوم عليه وكان الله مستمعًا مجيبا
فطوقه الزمان بما جناه وعلق من عذاريه الذنوبا
أخذه أبو بكر الداني فقال:
بدا على خده عذار في مثله يعذر الكئيب
وليس ذاك العذار شعرًا لكنما سره غريب
لما أراق الدماء ظلمًا بدت على خده الذنوب
وقال أبو الحسن البرقي من أبيات:
ما كنت إلا البدر ليلة تمه حتى قضت لك ليلة بمحاق
لاح العذار فقلت: وجه نازح إن ابن دأية مؤذن بفراق
هلا وصلت إذ الشمائل قهوة وإذ المحيا دونه الأحداق
وللمذكور:
وأزهر حيا بريحانة تضوع من عرفها المندل
وزاد بنفسج أصداغه فقلت الزيادة قد تقبل
وقال أيضًا:
بأبي الذي خط الجما ل بوجهه لامًا بنون
وأظنه جعل المدا د سواد أحداق الجفون
خافوا عليه من العيون فعودوه من العيون
قال وهذا كقول عبد الجليل:
ومعذرين كأنما بخدودهم طرق العيون ومنهج الأوراح
كأنما صقلوا الجمال وأظهروا مشى النمال على متون صفاح
وقال أبو العلاء المعري في وصف السيف:
ودبت فوقه حمر المنايا ولكن بعدما مسخت نمالا
وقال أيضًا:
ولا حسبت صغار النمل يمكنها سعى على اللج أو مشى على السعر
وقال أحد العصريين:
غدائر ماء ما تسوغ لوارد ترى النمل غرقى في غدير الأكارع
[ ٤٣ ]
وقال عبد الجليل أيضًا في معنى بيته المتقدم:
ومشت لحاظي في جوانب خده حتى أثرن بصفحتيه طريقا
وقال أبو محمد بن سارة الشنتريني:
ومعذر رقت حواشي حسنه فقلوبنا وجدًا عليه رقاق
لم يكس عارضه المشيب وإنما نفضت عليه صباغها الأحداق
وقال بعض العصريين:
أيا لعبة بذوي الألباب لاعبةً في أصل حسنك معنى غير متفق
خلقت بيضاء كالكافور ناصعة فصرت سمراء من مثواك في الحدق
وهو القائل:
وسوداء الأديم إذا تبدت ترى ماء النعيم جرى عليه
رآها ناظري فصبا إليها وشبه الشيء منجذب إليه
وسمع الوزير أبو جعفر قول ابن الجهم:
وعائب للسمر من جهله مفضل للبيض ذي محك
قولوا عني: أما تستحي؟ من جعل الكافور كالمسك؟
فعارضه بقوله:
وعائب للبيض ذي إفك معارض الكافور بالمسك
دع عنك هذا وانقلب خاسئًا=ما النور مثل الظلم الحلك ولابن الجهم قوله:
غضن من الأبنوس أبدى من مسك دارين لي ثمارا
ليل نعيم أظل فيه للطيب لا أشتهي نهارا
ولابن جرج أيضًا في مثله:
وسمراء باهي كلفة البدر وجهها إذا لاح في ليل من الشعر الجعد
محببة من حبة القلب لونها=وطينتها للمسك والعنبر الورد وقال ابن رشيق:
دعا بك الحسن فاستجيبي يا مسك في صبغة وطيب
تيهي على البيض واستطيلي تيه شباب على مشيب
ولا يرعك اسوداد لون في أعين الناس والقلوب
ولأبي بكر الشطرنجي:
أشبهك النسك واشبهته قائمة في لونه قاعدة
لا شك إذ لونكما واحد أنكما من طينة واحدة
وقال ابن الرومي:
سوداء لم تنتسب إلى برص الشقر ولا كلفة ولا بهق
ليست من العيس الأكف ولا الفلح الشفاه الخبائث العرق
وبعض ما فضل السواد به والحق ذو سلم وذو نفق
ألا تعيب السواد خلكته وقد يعاب البياض بالبهق
اكسبها الحب أنها صبغت صبغة حب القلوب والحدق
يفتر ذاك السواد عن يفق من ثغرها كالالئ النسق
كأنها والمزاج يضحكها ليل تغري دجاه عن فلق
قال علي بن بسام وهذا مأخوذ من قول أبي النواس:
فقام والليل يجلوه الصباح كما جلا التبسم عن غز الثنيات
ومن تتمة قول ابن الرومي في وصف السوداء قوله:
لها حر يستعير وقدته من قلب صب وصدر ذي حنق
كأنما حره لذائقه ما ألهبت في حشاه من حرق
يزداد ضيقًا على المراس كما تزداد ضيقًا أنشوطة الوهق
وصفت فيها الذي هويت على ال وهم ولم يختبر ولم يذق
إلا بأخبارك التي وقعت منك إلينا عن ظبية اليرق
قال ابن بسام وهو من قول النابغة:
زعم الهمام بأن فاها بارد عذب إذا قبلته قلت ازدد
ومن قول المعتمد بن عباد:
ولكنها الأيام تردي بلا ظبا وتُصمى بلا نبل وترمى بلا يد
وقول المتنبي:
وما الموت إلا سارق دق شخصه يصول بلا كف ويسعى بلا رجل
قال ابن بسام ومما أخذه من الشعر وحمله في منثور كلامه قول ابن هاني الأندلسي:
وركبت شاو مأرب ومطالب حتى امتطيت إلى الغمام الريحا