طلب الأمراء ونائب السلطنة بالشام من ابن تيمية أن يسافر إلى مصر بنفسه ليستحث السلطان على المجيء ليحضر بنفسه ويدرك ما عليه الناس من الخوف والذل والرعب، فوافق ابن تيمية على السفر إلى السلطان وما أن وصل إلى مصر حتى وجد السلطان قد دخل القاهرة وتفرقت جيوشه وعساكره بعد أن سمع الناس أنه خارج إلى الشام لملاقاة التتار فاجتمع به ابن تيمية وحثه على عودة الجيش وصرخ في وجهه قائلا: "إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته أقمنا له سلطانا يحوطه ويحميه ويستغله في زمن الأمن.. إلى أن قال: لو قدر أنكم لستم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسئولون عنهم"١، ثم حث الأمراء والسلطان بالخروج بالجيش إلى ملاقاة العدو.
رجع ابن تيمية إلى الشام، ويقول الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه ابن تيمية عند هذه النقطة في وصف محنة أهل الشام: "وأتاهم الأمن من ثلاث نواح فابن تيمية قد عاد إليهم وهو أمنهم وملاذهم وتأكدوا إقبال جند السلطان ثم تأكد لديهم أمر آخر وهو أن التتار
_________________
(١) البداية والنهاية: ج١٤ص١٥.
[ ٦ / ١٢٣ ]
قد عادوا من عامهم هذا لما أحسوا بأن خصومهم قد أعدوا العدة وأخذوا الأهبة ولا حظوا ضعفا في أنفسهم ولم يتقدموا وهو على هذا الضعف".
فإذن لم يحصل قتال في هذه السنة وعاد ابن تيمية إلى دروسه ومجالسه العلمية وهو لم يفارقها إلا بالقدر الذي يضطر إليه في مقابلات الملوك والأمراء والسلاطين ومخاطبة القواد والاتصال بالجنود على جبهات القتال، ونرى ابن تيمية في هذه الفترة وقد صار مبسوط اليد والسلطان نراه يقيم الحدود ويحارب الرذائل ويقوم الأخلاق في الأمة؛ يقول الحافظ ابن كثير: "دار الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله تعالى وأصحابه على الخمارات والحانات فكسروا آنية الخمور وشققوا الظروف وأراقوا الخمور وعزروا جماعة من أهل الحانات المتخذة لهذه الفواحش ففرح الناس بذلك فرحا شديدا"١.
_________________
(١) البداية والنهاية: ج١٤ص١١
[ ٦ / ١٢٤ ]