أنتجت هذه المقابلة خيرا لأهل الشام وإن كانت محدودة حيث أمن الناس على أنفسهم وأموالهم وأعلن الأمان بمنشور عام في البلد وسكنت النفوس واطمأنت الأحوال وبعد أيام من هذه المحنة بدأ العبث من الجند خارج المدينة وحاول بعض الذين مالؤا التتار تسليم القلعة إلى جيوش التتار فأرسل في الحال ابن تيمية إلى قواد القلعة قائل: "لا تسلموا القلعة وقاتلوا دونها ولو إلى آخر حجارة فيها وإلى آخر قطرة منكم"، وكان يدور على
[ ٦ / ١٢٢ ]
الجنود بنفسه خارج المدينة وربما بات معهم الليالي يتلو عليهم آيات الجهاد في سبيل الله، ومن هنا ندرك شخصية هذا الإمام الجليل وأنه لم تكن صلته بعوام الناس في دروس الوعظ والإرشاد وإثارة روح الجهاد في نفوسهم بل كانت صلته وثيقة بكبار القواد في الجيش كما كانت مع الأمراء والنواب كما ستعرف ذلك قريبا.
نظر ابن تيمية في واقع الجيوش الجرارة من جيوش التتار وأنه لا مفر لهم من القتال فوالى الاجتماعات وعقد المجالس المتتالية للعامة والخاصة وأخذ يحرض على القتال ويتلو آيات الجهاد والأحاديث الواردة في ذلك وكان يتأول قوله تعالى: ﴿ومن عاقب بمثل ما عوقب به ثم بغى عليه لينصرنه الله إن الله لعفو غفور﴾، وكان يقسم بالله عزوجل: "إنكم لمنصورون على هؤلاء"، فيقول له بعض الأمراء: قل إن شاء الله، فيقول: أقولها تحقيقا لا تعليقا.
وأخذ يراسل الملوك والسلاطين والأمراء في كل ناحية، وخاصة السلطان الناصر بن قلاوون سلطان مصر ورغب الناس في الإنفاق في سبيل الله.
بعد هذه المجالس المتتالية أعلن إعلان عام أن لا يسافر ولا يخرج من البلد أحد إلا بمرسوم خاص.
[ ٦ / ١٢٣ ]