لقد بني - ﵀ - تأثير العقيدة الإسلامية في السلف الصالح وأنهم جسدوها في واقع معاش يقول - ﵀ -: لا نعلم أمة أثرت فيها العقيدة الدينية كسلف هذه الأمة فبمجرد اعتناق أحدهم لها تهيمن عليه في الحال، وسرعان ما تراه ينبذ جميع ما كان له من اعتقادات فاسدة وأخلاق سيئة، وتحل محلها روح جياشة بالمعاني السامية، والحكم البالغة، والبطولة النادرة، فتراه، إذا تكلم يصيب الصواب ويحسم النزاع في ألفاظ وجيزة، وإذا قاتل فتجد الأبطال يفرون من أمامه، وإذ احكم يصير مضرب الأمثال في العدل وتحري الحقائق.
وقد تجردوا من كل شيء لهذه العقيدة، واشتغلوا بنشرها بني الناس واستقرارها في النفوس، واستعذبوا كل ضحية جسيمة في سبيلها. حتى زلزلوا عروش الطغاة والجبابرة وحطموا الوثنية، وغيروا مجرى العالم، وبدلوا موقفه، وقضوا على الظلم والفساد، وكونوا من جميع العناصر أمة شعارها الناس - مهما كانوا - من أصل واحد (٣٨).
ولقد بين كغيره من علماء الجزائر سبب تخلف الأمة عن الركب ورجوعها القهقرى وأن ما آلوا إليه كان جراء نبذهم وتركهم لتعاليم الإسلام: "ولما صار المسلمون لا يعملون بأوامر الإسلام الذي هو دستورهم الطبيعي وقعوا في مجاهل مظلمة وطريق وعرة وعقبة كأداء، لم يستطيعوا اجتيازها الآن، ومشاكل العالم الإسلامي الحالية سواء مع الاستعمار أو مع بعضه لبعض لا يحسمها إلا الإسلام، فإذا لم يحافظ على وحدتها من التصدع والإهمال، فإنها ترجع إلى ما كانت عليه قبل الإسلام من عبادة الأهواء والشهوات والتفرق، فالإسلام هو الذي حرس هذه الأمم من أعدائها، أيام كانت متمسكة به، وحافظ على كيانها ومقوماتها من الانهيار، ولم تر عزها وسيادتها فيه فحسب، بل وجدت نفسها أقوى أمة في العالم، مدفوعة بتعاليمه السماوية،
_________________
(١) "التخلي عن التقليد والتحلي بالأصل المفيد" (ص١٣).
(٢) انظر "فتاوى الشيخ أحمد حماني - ﵀ - (١/ ٥٩١.٥٩٩).
(٣) وهاتان الكراستان مفقودتان، للأسف.
(٤) وللأسف لم أظفر إلا باثنتين منها فقط؛ والله المستعان.
(٥) وقد قمت بجمع كل ما طالته يدي منها، وتنضيدها وضبطها. يسر الله نشرها.
(٦) البصائر، ع: ٢٧٧، ذي القعدة ١٣٧٣هـ/ جويلية ١٩٥٤م.
[ ٥٢ ]
نحو المثل العليا والكمال الإنساني، حتى قادت الأمم إلى ما تطمح إليه، من أخوة عادلة، وتعاون وثيق، ومساواة تامة، لم تتحقق بغير الإسلام، لو أن المسلمين حافظوا على أوامر الإسلام واتبعوا منهجه، أكان الاستعمار يغزوهم في عقر ديارهم، ويسخرهم لخدمته ومصالحه، وتنفذ فيهم وساوسه وحيله الشيطانية، وتراهم يصبرون على هوانه ومذلته طوال هذه الحقب بدون أن يخلعوا عن أنفسهم الأغلال والقيود، ولو أن المجتمع كان مجتمعا إسلاميا أكانت المشاكل الداخلية تقف حاجزا بينه وبين ما يصبو إليه، فلا يستطيع تحطيمها والقضاء عليها قضاء تاما؟ ولو كانت جامعة الدول العربية متمسكة بالإسلام أكانت إسرائيل (٣٩) تغزوها وتقطع جزء نفيسا من كيانها، وتظهرها أمام العالم أجمع بمظاهر الضعف والخور!) (٤٠).
وفي بيان ما آلت إليه أوضاع الأمة من الانتساب إلى الإسلام في الظاهر وتقليد الغرب الكافر في الواقع يقول - ﵀ -: (يقول المسلمون اليوم فينا غيرة على الإسلام، المساجد بحمد الله قائمة بيننا والقرآن يتلى وأحاديث الدين تذاع، والتصريحات الرسمية بمحاسن الإسلام موجودة، والدساتير تنص على أن الإسلام هو الدين الرسمي للدولة هذه المظاهر موجودة كلها، ولكن الإسلام ليس مجرد مظاهر وكلام، إنه عقيدة ونظام وعمل وتشريع وآداب، فما مدى تفاعل حياتنا معه، وأين واقعنا الحاضر منه؟ فهناك جمهور كبير من الأمة الإسلامية بهرتهم مدنية الغرب، فنسوا العمل بالإسلام وأصبحوا يشكون في عدالته، فصاروا يعيشون بذوات غربية فلا يسمعون إلا جرسها، ولا يتعبدون إلا بفنونها ولا يؤمنون إلا بحضارتها وقانونها فلم يتصوروا أبدا أن هناك أنظمة إسلامية وقوانين وتشريعات قرآنية) (٤١).
وقال أيضا - ﵀ - في كتاب "الاعتصام بالإسلام": (إذا تركت الشعوب الإسلامية الدين بعيدا عن حياتها كما هو الآن في أوطان المسلمين، ولم تجعله أساسا لشؤونها فإنها لن تستطيع أن تقوم بنهضة قوية، وعندئذ لا يقدر أي مبدأ من المبادئ المستوردة أن يوحد بينها، فتنتابها عوامل الضعف والتخاذل والتفرقة، وهذا ما وقع في الماضي، وكان السبب في سقوطها فريسة بين أيدي أعدائها ولا زال هذا التفرق إلى الآن بكل أسف) (٤٢).