" من دخل دار أبي سفيان فهو آمن"
(رسول اللَّه -ﷺ-)
واقترب نصر اليرموك. . . . . .
نصيب الصحابة في هذا الكتاب هو نصيب الأسد، ليس ذلك منة مني عليهم، بل عرفانًا لهم منّا بالجميل لما قدموه هم لصاحبهم محمد -ﷺ-، وتذكيرًا لنا بفضلهم على أمة الإسلام قاطبةً، وبغض النظر عن الأمور الدينية، ومن وجهة نظر علمية بحتة ونظرة تحايلية مستفيضة أقرَّ بها علماء الغرب قبل الشرق، استطاع هذا الجيل العظيم وفي سنين معدودة نشر دين اللَّه في مشارق الأرض ومغاربها، وفي ظاهرة لا تزال تحير المؤرخين إلى يومنا هذا، استطاع ذلك الجيل العظيم من البشر تدمير قلاع الإمبراطوريتين الفارسية والرومانية في وقت متزامن، فأصبح جيل الصحابة ومن دون أي مبالغة أعظمَ جيل كامل خلقه اللَّه على الأرض، وعندما أقول جيل كامل لا أقصد شخصًا أو شخصين منهم، بل أقصد كل الصحابة من دون أي استثناء، أي ما يزيد عن المائة ألف من صحابة رسول اللَّه -ﷺ-، فكل الصحابة ومن دون أي استثناء عدولٌ عند اللَّه ﷿، فهو الذي اختارهم فردًا فردًا ليكونوا أصحابًا لنبيه المصطفى، فاحذر الطعن في أي صحابي أو ذكره بسوء على الإطلاق، ليس خوفًا عليه منك أو من لسانك، فهم عند اللَّه الذي أعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار، بل خوفًا عليك أنت من أن تصل إلى مرحلة الكفر التي قد تخلدك في النار إلى الأبد، فإذا استيقظت يوفا من نومك وكان في قلبك مثقال ذرة من الغيظ لأحد أصحاب محمد -ﷺ-، فاعلم أنك ممن ينطبق عليهم قول اللَّه ﷿: "ليغيظ بهم الكفار"، وهذا لا يعني أبدًا أن الصحابة معصومون من الخطأ، ولكن الصحابة كانوا بشرًا كباقي البشر، يخطئون ويصيبون، غير أنهم كانوا أقرب البشر بعد الأنبياء إلى مرحلة الكمال الإنساني!
[ ١٠١ ]
وبطلنا الآن هو صحابي جليل من صحابة رسول اللَّه -ﷺ-، ولقد تعمدت أن أكتب "الصحابي الجليل" في أعلى الصفحة قبل اسم هذا الصحابي بالتحديد من بين الصحابة الذين ورد ذكرهم في هذا الكتاب، وذلك لتذكير من كان قد نسي أنَّنا عندما نتحدث عن أبي سفيان بن حرب بعد إسلامه فإننا نتحدث عن صحابي من صحابة رسول اللَّه -ﷺ-، ونتحدث عن الرجل الذي تزوج رسول اللَّه -ﷺ- ابنته أم المؤمنين السيدة (أم حبيبة بنت أبي سفيان) -﵂-. وربما كان سبب إغفال كتب التاريخ لفضل أبي سفيان هو عداؤه الشديد لرسول اللَّه قبل الإسلام، وهذا شيءٌ لا يستقيم أبدًا، فالإسلام يجب ما قبله، بل إنني أصرح أن سرَّ اختياري لأبي سفيان ليكون ضمن قائمة المائة هو سنوات كفره تلك التي كان فيها العدو الأول للإسلام، فمجرد إسلام هذا الرجل يعتبر سببًا كافيًا ليكون بين عظماء أمة الإسلام في التاريخ، ولو أن أبا سفيان لم يحارب المسلمين في أيام كفره لما اخترته ضمن قائمة المائة، فهذا الرجل حارب الإسلام لما يزيد عن عشرين عامًا قضاها في الكفر، إلّا أنه بعد كل هذه السنين أسلم وجهه للَّه ﷾، ولكي تفهم ما أقصده، فعليك أن تتخيل أن رئيس أكبر دولة تحارب الإسلام حاليًا يعلن إسلامه، وأبو سفيان كان في جاهليته زعيم أكبر قوة في الأرض تحارب المسلمين، ولكنه بعد إسلامه جاهد في سبيل اللَّه حقّ جهاده، وقدم شيئًا غاليًا للإسلام أشك أن المشككين به يستطيعون أن يقدموا عشره، لقد قدم هذا الرجل عينيه الاثنتين في سبيل اللَّه، الأولى في "حُنين" عندما كان يدافع عن رسول اللَّه -ﷺ-، والعين الثانية في "اليرموك" عندما أوكل إليه خالد بن الوليد ﵁ وأرضاه مهمة نشر روح الجهاد بين الجنود، فكان أبو سفيان ﵁ وأرضاه يمشي هو وامرأته الصحابية الجليلة (هند بنت عتبة) -﵂- يحمسان الجنود، فضاق الروم ذرعًا بهذا الشيخ الذي يحمس شباب المسلمين بكلماته التي تخرج من قلبه لتحولهم إلى سهامٍ مشتعلة تحرق جحافلهم، فصوَّبوا نبالهم نحوه ليصيبوا عينه الثانية بسهم فقأها، فسالت الدماء شلّالا من عين أبي سفيان ﵁ وأرضاه، فأصبح أعمى البصر بشكلٍ كلي، إلا أن هذا الشيخ البطل استجمع قواه وربط عينيه بلفافة بيضاء قبل أن تصبح حمراء من لون الدماء التي سالت من عينه، ليمشي هذا العملاق الإسلامي بين كتائب المسلمين يذكرهم بالجنة ويدعوهم إلى الثبات، عندها
[ ١٠٢ ]
انطلقت كتائب التوحيد الإسلامية لتقتحم صفوف الأعداء وتزلزل حصونهم، وفي معمعة المعركة سمع المسلمون أبا سفيان ﵁ وأرضاه ينادي بصوت هز أرجاء وادي اليرموك وكأن هذا الشيخ الأعمى يرى ببصيرته شيئًا لا يراه المبصرون بأعينهم وهو يردد بصوت ملؤه الإيمان باللَّه:
يا نصر اللَّه اقترب، يا نصر اللَّه اقترب، يا نصر اللَّه اقترب
وفعلًا جاء نصر اللَّه. . . . فقد استطاع رجل من المسلمين اقتحام قلب الجيش الروماني الضخم، وبضربة سيف واحدة من يمينه قطع رأس (باهان) وزير حربية الإمبراطورية الرومانية، ثم نادى بصوت عالي: اللَّه أكبر، فتعالت صيحات المسلمين بالتكبير، فألقى اللَّه الرعب في قلوب الرومان وصيحات اللَّه أكبر تطاردهم، فرجعوا القهقرة أمام تقدم كتائب التوحيد الإسلامية، فألقوا بأنفسهم من وادٍ سحيق يسمى بـ (الواقوصة)، فقتل في يومٍ واحد ١٢٠ ألف رومي، وانتصر المسلمون في معركة اليرموك الخالدة على قوات بيزنطة المتحالفة التي قدمت من مختلف أصقاع تلك الإمبراطورية الكبيرة، وبانتصار المسلمين في اليرموك انهارت القوة الرومانية فعليًا، وأصبحت الشام دارًا للإسلام، وتحققت نبوؤة رسول اللَّه -ﷺ-، فبكى أبو سفيان بن حرب ﵁ وأرضاه بنصر اللَّه، واختلطت دموع عينيه بدمائها، فجزاك اللَّه خيرًا يا أبا سفيان لما قدمته للإسلام والمسلمين يا صاحب رسول اللَّه -ﷺ-.
ولعل من حكمة اللَّه ﷾ أن إسلام أبي سفيان جاء متأخرًا، وذلك لكي يتسنى له نقل حكاية عجيبة حدثت أيام جاهليته عند إمبراطور الروم (هرقل). فما هي تلك القصة العجيبة التي رواها البخاري في صحيحة عن أبي سفيان بن حرب ﵁ وأرضاه؟ وكيف كان إمبراطور الروم قاب قوسين من أن يسلم؟ وما الذي منعه؟ ومن هو ذلك البطل الإسلامي العظيم الذي استشهد قبل أن يصلي للَّه ركعة؟
يتبع. . . . . .
[ ١٠٣ ]