" ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"
(رسول اللَّه -ﷺ-)
"أرى واللَّه أن معاوية خير لي من هؤلاء! يزعمون أنهم لي شيعة؟! ابتغوا قتلي!!! "
(الحسن بن علي)
أعلم جيدًا أننا تعلمنا في مدارسنا أن الخليفة الأموي (عمر بن عبد العزيز) ﵀ هو خامس الخلفاء الراشدين، وأعلم أيضًا أن هذا الأمر أصبح بالنسبة لنا مُسلمة من المسلمات التي آمنا بها إيمانًا كما آمنّا من قبلها بالمقولة المزعومة لطارق بن زياد "البحر من أمامكم"! وأعلم تمامًا أنني سأواجه بحرًا عرمرمًا من المنافقين وأتباعهم بما ساكتبه الآن، وليس عندي أدنى شك بأنني إذا ما وقعت بأيدي علماء الشيعة فإنهم سيقطعونني حينها إربًا إربًا ليلقوا بلحمي في شوارع "طهران" وأزقة "قم" وضواحي "مشهد"، فلا شك أنني أصبحت مُستباح الدم لديهم بما فضحت به تاريخ خياناتهم القذرة سابقًا، وبما سأفضحهم به الآن، وبما سأفضحهم به لاحقًا في طيات هذا الكتاب إن شاء اللَّه، ولا يخالجني شكٌ بأن ما سأكتبه الآن لن يكون محل ترحاب من كثيرٍ من الطرقيين من المنتفعين بقبور الأولياء والذين أعتبرهم الصف الخامس للشيعة في بلداننا الإِسلامية، وأعلم أنني ساواجه نقدًا عنيفًا من بعض علماء أهل السنة والجماعة الذين فضلّوا الصمت في هذه اللحظة الحرجة في تاريخ أمة الإِسلام، ورغم علمي بهذا وذاك. . . فإنني قد عزمت في هذا الكتاب على كتابة ما يرضي اللَّه وحده، آخذا بعين الاعتبار الأمانة التاريخية المجردة من العواطف، وضاربًا بعرض الحائط كل ما يتنافى مع ذلك من أقوال العلماء السابقين واللاحقين، قاصدًا بذلك وجه اللَّه تعالى وحده، ومفوضًا أمري إليه.
بدايةً ينبغي علينا أن نضع لقب "خامس الخلفاء الراشدين، تحت المجهر، رغم أن
[ ٢٠٤ ]
البعض قد يظن أن مناقشة هذا اللقب مجرد أمر سطحي، وأنه الأجدى ترك مناقشة الألقاب للتركيز على جوهرَ الموضوع، والحقيقة أن هذا اللقب هو أصلًا جوهرُ الموضوع! فإطلاق لقب خامس الخلفاء الراشدين على عمر بن عبد العزيز ﵀ ما هو إلَّا مجرد حقٍ يراد به باطل، فلا شك أن هذا الخليفة الذي اختلطت فيه دماء عمر بن الخطاب -﵁- ودماء بني أمية العظماء كان مثالًا رائعًا للحكام المسلمين عبر جميع العصور لاشتهاره بخصلتي العدل والزهد، وقد فضله كثير من الناس على جميع حكام بني أمية، إلا أن الواقع أن أفضل ملوك بني أمية هو صاحب رسول اللَّه وكاتب وحي السماء معاوية بن أبي سفيان -﵄-، وقد ذكرت فيما سبق قول الإِمام المجاهد الشيخ عبد اللَّه بن المبارك حين سُئل أيهما أفضل: معاوية بن أبي سفيان، أم عمر بن عبد العزيز؟ فقال: "واللَّه إن الغبار الذي دخل في أنف معاوية مع رسول اللَّه -ﷺ- أفضل من عمر بألف مرة، صلى معاوية خلف رسول اللَّه -ﷺ-، فقال: سمع اللَّه لمن حمده، فقال معاوية: ربنا ولك الحمد. فما بعد هذا؟ "، ثم إن الحقيقة التي أراد غزاة التاريخ لنا أن نتجاهلها هي أن عمر بن العزيز ليس إلا خليفة من خلفاء دولة بني أمية العظيمة التي نشرت الإِسلام في ربوع الأرض وأحيت فيها سنة محمد -ﷺ-، ومما يؤكد على خطورة ما أرمي إليه تلك الأساطير الوهمية التي أشاعها هؤلاء المزيفون من أن عمر بن عبد العزيز قد منع سبَّ علي بن أبي طالب -﵁- على منابر المساجد بعد أن أشاع الخلفاء الأمويون ذلك في ربوع أرض الإِسلام، وهذا واللَّه إفكٍ وظلم لهذه الدولة الشريفة التي لها أيادٍ بيضاء على المسلمين في كل العصور، بل إن هذا طعن في جيل الصحابة والتابعين الذين يُفترض أنهم كانوا يسمعون سبَّ أحد العشرة المبشرين بالجنة في مساجدهم دون أن يحركوا لذلك ساكنًا، لقد آن الأوان لنا أن نحرك عقولنا قليلا وأن نغربل الروايات التاريخية في تاريخ هذه الأمة لكي نفصل عنها الغث من السمين، فالأمة الآن على المحك، والشيعة يستخدمون مثل هذه الروايات المكذوبة لتشييع شباب السنة، بل لقد كنت أنا شخصيًا على وشك التشيع بسبب هذه الروايات التي تطعن بالأمويين، ولا أعرف وقتها إن كان هذا القلم الذي أكتب به هذه الكلمات سيكون مسخرًا لكتابة كتابٍ عن "العظماء المائة في أمة الإسلام" أم سيكون مسخرًا لكتابة كتاب عن "الملعونين
[ ٢٠٥ ]
المائة في أمة الإِسلام"؟! والشيء الأهم من ذلك كله، أن إطلاق لقب "خامس الخلفاء الراشدين" على عمر بن عبد العزيز ﵀ فيه معصية كبيرة لرسول اللَّه -ﷺ-، فلقد قال النبي -ﷺ-: "الخلافة بعدي ثلاثون سنة" ولقد كان آخر تلك الثلاثين السنة يوم أن تنازل الحسن بن علي -﵄- عن الخلافة بعد ستة شهوو كان فيها خليفة المسلمين. فأمير المؤمنين الحسن بن علي كان هو خامس الخلفاء الراشدين بشهادة رسول اللَّه -ﷺ-، وإذا ما أردنا إطلاق لقب سادس الخلفاء الراشدين على أحدٍ من بني أمية فالأولى بذلك هو معاوية وليس عمر بن عبد العزيز، هذا مع العلم أنني من العاشقين لسيرة أشج بني أمية الخليفة عمر ابن عبد العزيز ﵀، ومن قبله عاشق لسيرة جده عمر بن الخطاب -﵁-، إلا أن الحق لا يبنغي له أن يكون مطية للأهواء والعواطف.
والآن لنعقد مقارنة صغيرة بين الحسن والحسين ﵄ وعن أبيهما، نطرح فيها تساؤلًا مهمًا: من هو الأعظم مكانة وفضلًا بين سبطي رسول اللَّه -ﷺ-؟ والحقيقة أنه ليس هناك شك بأن الحسن يفوق أخاه الصغير الحسين بالفضل والمكانة، والدليل على ذلك حديث رسول اللَّه -ﷺ- الذي اختص به الحسن دون الحسين حين قال: "ابني هذا سيد، ولعل اللَّه أن يصلح به بين فئتين من المسلمين"، والشاهد على هذا الحديث إضافة لتعظيم رسول اللَّه للحسن هو أن رسول اللَّه -ﷺ- يبين أن فئة معاوية هي فئة مسلمة كما أن فئة علي هي فئة مسلمة، وإن كانت فئة علي هي الأقرب إلى الحق كما أسلفنا سابقا، أضف إلى ذلك حديث رسول اللَّه -ﷺ- الذي أوردناه بأن الخلافة بعده ستكون ثلاثين سنة، فيكون بذلك الحسن بن علي -﵄- هو الخليفة الراشد الخامس، وهذا شرفٌ لم ينله أخوه الحسين -﵄-، ونحن هنا لا نقلل من قدر الحسين والعياذ باللَّه، بل نحن ننزل الصحابة منازلهم التي أنزلهم إياها رسول اللَّه -ﷺ-، فالحسين يشترك أيضًا مع أخيه بأنهما سيدا شباب أهل الجنة وريحانتا رسول اللَّه -ﷺ- من الدنيا، ولكن ليس هناك أدنى شك بأن الحسن هو الأفضل، بل لو كان الشيعة يحركون عقولهم قليلًا لعلموا أن علي بن أبي طالب (وهو المعصوم كما يدّعون) استخلف الأفضل بين أبنائه وهو الحسن، وإلا لما تركه يدير أمر المسلمين وهو يعلم أن الحسين أفضل منه!!!
هذا من الناحية الشرعية، أمّا من الناحية التاريخية البحتة، ومن وجهة نظر حيادية،
[ ٢٠٦ ]
فإن الحسن كان بطلًا من أبطال التاريخ الإنساني ناهيك عن التاريخ الإِسلامي، فهذا الرجل تنازل عن إمبراطورية عظيمة تمتد من أذربيجان شمالًا إلى الحبشة جنوبًا، ومن الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، وهذا لم يتكرر في تاريخ الإنسانية إلا مراتٍ نادرة كانت جميعها من دون استثناء من قِبل ملوكٍ مسلمين، أما الحسين -﵁- فقد انخدع بالشيعة الذين خانوه وقتلوه كما سنرى لاحقًا.
وهنا يتساءل المرء مجددًا: لماذا يمجد الشيعة الحسين -﵁- دون أخيه الكبير الحسن -﵁-؟ ولماذا يتباكى الشيعة على مقتل الحسين ولا يتباكون أصلًا على مقتل أبيه علي بن أبي طالب؟ ولماذا يبني الشيعة "الحسينيات" ويقيمون المآتم الحسينية والشعائر الحسينية ولا يقيمون الحسنات أو "العليات" على سبيل المثال؟ ولماذا حدَّد الشيعة بقية الأئمة الاثني عشر من نسل الحسين وتجاهلوا نسل الحسن على الرغم من كونهما شقيقين من نفس الأب والأم؟ ولماذا لم تجاهل الشيعة أبناء الحسن المشمول بـ "حديث الكساء" (الذي لا يحفظ الشيعة)؟! الإجابة عن كل هذه الأسئلة تتلخص في نقطتين:
أولًا: زوجة الحسين الفارسية: بما أن دين الشيعة هو دين فارسي بامتياز فقد حدّد علماء الشيعة بقية الأئمة الاثني عشر من نسل الحسين دون نسل أخيه، بل حددوا نسل الحسين أيضًا من زوجته الفارسية دون زوجاته العربيات، وبالمناسبة فإن زوجة الحسين الفارسية هي (شاه زنان) بنت كسرى (يزدجرد) التي سباها المسلمون في معركة "نهاوند" الخالدة، وبذلك يكون الأئمة من بعد الحسين فقط من نسل بنت ملك المجوس (يزدجرد) الذي يعتقد المجوس بأن له دماءً مقدسة! بل إن (حسين الطبرسي) وهو من أعظم علماء الشيعة أوضح في كتابه "النجم الثاقب في أحوال الإمام الحجة الغائب" أن من أسماء المهدي المنتظر هو (خسرو مجوس) ويعني بالعربية (مخلّص المجوس)، وقد أورد كبير علماء الشيعة (المجلسي) في كتابه "بحار الأنوار ج ٥٣ ص ١٦٣ - ١٦٤" أن (يزدجرد بن شهريار) وقف أمام إيوانه بعد أن بلغه هزيمة الفرس في "القادسية" وقال مودعًا إيوانه: "السلام عليك أيها الإيوان! ها أنا منصرف عنك وراجع إليك أنا أو رجل من ولدي لم يدن زمانه ولا آن أوانه". ولا يخفي الشيعة أن أول شيءٍ سيفعله (المهدي)
[ ٢٠٧ ]
عند خروجه من السرداب وهو قتل جميع العرب (العرب بالذات!)، ثم نبش قبر قاهر المجوس (عمر بن الخطاب) ونبش قبر زوجة رسول اللَّه (السيدة عائشة) -﵂-!!!
ثانيًا: الحسن كان رجل السلام: وهذا ما يرفضه مشعلو الفتن من أحفاد الشيطان (ابن سبأ) الذين يرودون لنار الفتنة أن تظل مشتعلة لكي يبرروا قتل المسلمين بدعوى الثأر للحسين -﵁- (الذي كانوا هم من قتلوه كما سنرى لاحقًا!). والحسن عند الشيعة إمامٌ معصوم، والمعلوم تاريخيًا عند الشيعة والسنة على حدٍ سواء أن الحسن قد بايع معاوية في عام سُمِّي بـ "عام الجماعة"، فإما أن يكون حسن قد بايع معاوية لأنه أفضل من يدير أمور المسلمين، فيترتب على الشيعة بالضرورة أن يعتقدوا اعتقاد إمامهم المعصوم فتنتهي بذلك الفتنة إلى الأبد، وإما أن يكون الحسن قد بايع رجلًا كافرًا فتضيع بذلك عصمته، ويسقط بذلك المذهب!
وقد ذكرنا فيما مضى أن الحسن بن علي -﵄- كان معارضًا للحرب منذ البداية، وأنه قد نصح أباه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب -﵁- بعدم القتال، فلقد كان الحسن يرى أن الفئة التي اعتزلت الفتنة كانت هي الفئة المصيبة، هذه الفئة كان على رأسها سعد بن أبي وقاص، وعبد اللَّه ابن عمر بن الخطاب، ومحمد بن مسلمة ﵃ أجمعين، والحقيقة أن هذه الفئة التي عصمت نفسها من دماء المسلمين كانت هي الفئة المحقة في أمر الفتنة، بدليل حديث رسول اللَّه -ﷺ- إلى محمَّد بن مسلمة -﵁- حين طلب منه أن يكسر سيفه عندما يرى المسلمين يتقاتلون. وزاد من سعي الحسن للسلام ما رآه من خيانة الشيعة له وتمردهم عليه بعد أن استشهد أبوه بين ظهرانيهم، فلم يكن الحسن يؤمن بجدوى حرب معاوية وخصوصًا أن شيعته خذلوا أباه من قبل، وفي نفس الوقت لم يكن معاوية يريد لشلال الدم أن يستمر، فبعث برسالة سرية إلى الحسن يطلب منه الصلح حرصًا على دماء المسلمين، فوافق ذلك ما كان في نفس الحسن، ولكنه -﵁- لم يشأ أن يواجه أهل العراق من البداية بميله إلى مصالحة معاوية وتسليم الأمر له حقنًا لدماء المسلمين؛ لأنه يعرف خيانة أهل العراق وتهورهم، فأراد أن يقيم من مسلكهم الدليل على صدق نظرته فيهم، وعلى سلامة ما اتجه إليه، عندها عاد الشيعة من أهل العراق إلى طبيعتهم في الخيانة، فاعتدوا على سرادق الحسن ونهبوا كل متاعه، حتى أنه
[ ٢٠٨ ]
أولئك الخونة نازعوه بساطًا كان تحته! وطعنوه وجرحوه، وفي نفس الوقت فكر أحد شيعة العراق وهو المختار بن أبي عبيد في أمر خطير وهو أن يُوثق الحسن بن علي بالجنازير ويحتجزه رهينة ويسلمه طمعًا في بعض المال (المضحك في الأمر أن هذا الرجل هو نفسه المختار بين أبي عبيد الذي خرج على الدولة الأموية الراشدة وجعل يطالب بدم الحسين!!!)، عندها أدرك الحسن -﵁- أنه بين مجموعة قذرة من الخونة والمجرمين من شيعة العراق! ويذكر إمام الشيعة (الطبرسي) في كتابه "الاحتجاج" بأن الحسن قال حينها:
"أرى معاوية خيرًا لي من هؤلاء يزعمون أنهم لي شيعة؟ ابتغوا قتلي!! وأخذوا مالي! واللَّه لأن آخذ من معاوية ما أحقن به دمي في أهلي وآمن به في أهلي خير من أن يقتلوني؛ فيضيع أهل بيتي وأهلي، واللَّه لو قاتلت معاوية لأخذوا بعنقي حتى يدفعوا بي إليه سِلما. . . . . يا أهل الكوفة. . . . . . . لو لم تذهل نفسي عليكم إلا لثلاث لذهلت: لقتلكم أبي. . . وطعنكم في فخذي. . . . وانتهابكم ثقلي"
عند إذٍ. . . أدرك الحسن بن علي أنه بين مجموعة قذرة من الخونة والمجرمين، فأسرع إلى معاوية يعقد معه الصلح ليحقن بذلك أرواح المسلمين، وليتنازل هذا البطل ابن البطل عن إمبراطورية ممتدة من الصين شرقًا إلى المغرب غربًا، ومن أذربيجان شمالُا إلى أدغال أفريقيا جنوبا، ليستحق بذلك أن يكتب اسمه بماء العيون في سجل العظماء المائة في أمة الإِسلام، وليتفرغ. معاوية بن أبي سفيان لنشر دين اللَّه في مشارق الأرض ومغاربها بعد أن عطل أتباع ابن سبأ الفتوحات الإِسلامية مدة خمسة أعوام.
ولكن، هل غير الشيعة طبعهم القذر بالخيانة؟ أم أنهم. . . . . . كالعادة؟!!
يتبع. . . .
[ ٢٠٩ ]