هكذا سماه ابن رجب في ذيل طبقات الحنابلة قال: «وذكر غير الذهبي أنّ ابن الفوطيّ جمع الوفيات من سنة ستمائة، سماه الحوادث الجامعة والتجارب النافعة الواقعة في المائة السابعة».والذهبيّ سماه: «كتاب حوادث المائة السابعة والى أن مات».وفي الحق أنّ حصر المؤلف وقصره لتأليفه على المائة السابعة، يدفع قول الذهبيّ، فكيف يكون «حوادث المائة السابعة» وهو مستمرّ الى سنة وفاته وهي سنة ٧٢٣ هـ؟ وسماه مؤلّف كشف الظنون «الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة، لكمال الدين عبد الرزّاق بن أحمد المعروف بابن الفوطيّ البغدادي المتوفّى سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة»، وقد كان قال في مادّة التاريخ: «تاريخ ابن الفوطيّ متعدّد كالذيل على الجامع المختصر لشيخه ابن الساعي والحوادث الجامعة (في الوفيّات) ومجمع الآداب» وقد نقلنا هذا القول آنفا، وكرّر حاجي خليفة ذكر الحوادث الجامعة في ثبت كتب التاريخ المجرّد.
وقد كان في خزانة الأب أنستاس ماري الكرملي اللغوي كتاب تاريخ مخروم الأوّل، مبدأ الباقي منه سنة ٦٢٦ هـ ومنتهى الباقي منه سنة (٧٠٠ هـ)، وهو
_________________
(١) (راجع ترجمته في الملقّبين بغياث الدين).
[ ١ / ٥٥ ]
مخطوط بخطّ عصريّ حديث يغلب عليه الضعف. منسوخ على نسخة محفوظة في خزانة كتب الاستاذ المحقّق أحمد باشا تيمور، وكان التيموري أهدى النسخة المنسوخة الى الأب المذكور، وقد انتسخت نسخة على نسخة الأب؛ وكلّمت أحد الكتبيّين وهو نعمان الأعظميّ في أن أتولّى نشرها والتعليق عليها وينفق هو على ذلك، فوافق، ولكن جهل اسم الكتاب كان يحول دون نشره. فاسترجح الباحث المحقّق يعقوب نعوم السركيسي البغدادي كون المخطوط المذكور «الحوادث الجامعة» لانطباق اسمه على المخطوط التاريخي الموجود، وشايعناه في هذا الاسترجاح وطبعناه باسم «الحوادث الجامعة والتجارب النافعة في المائة السابعة» ببغداد سنة ١٩٣٢ م - ١٣٥١ هـ.
وقد أجلنا الفكر، وأعملنا الروية، وأعدنا غير مرّة تصفّح هذا الكتاب، فانتهى بنا الرأي الى استحالة أن يكون هو «الحوادث الجامعة» لابن الفوطيّ، وبيّنّا الاستحالة على امور، أوّلها: خفاء ذاتيّة المؤلف وشخصيّته، بحيث يمكن عدّة جامعا لأخباره من التواريخ الاخرى، سوى إشارات قليلة جدّا، يجوز أن يكون المؤلّف بها معاصرا لقسم من الحوادث، مع أنّ ابن الفوطيّ ظاهر الذاتيّة في مؤلّفاته، يدلّ على ذلك كتابه هذا «تلخيص مجمع الآداب» فهو كثير القول فيه:
«قلت، ورأيت، وسمعت، وصديقنا، ورفيقنا، وشيخنا، والمحسن إلينا، والمفضّل علينا، ومولانا، وحدّثنا، وقال لنا، وحكى لنا، وكتب إلينا، وأجاز لنا، وما أشبه ذلك».فلم يكن إذن مانع من ظهور شخصيّته في كتاب التاريخ المذكور لو كان هو مؤلّفه. والأمر الثاني: اختلاف اسلوبي المؤلّفين في طريقة الاقتصاص والنقل والاقتباس؛ والأدلّة على ذلك كثيرة جدّا. والثالث: اختلاف خطّي المؤلّفين اختلافا مبينا، مستدلّين على ذلك بخطّ ابن الفوطيّ في التلخيص، وكتاب الأحكام، وكامل ابن الأثير المقدّم ذكره؛ بخطّ مؤلّف التاريخ المذكور؛ والذي دلّ على كونه المؤلّف هو أنّه ألصق قصاصة ورقة على كل خبر وجد خيرا منه، فأحلّه مكانه. والرابع: هو كون الحوادث الجامعة في الوفيات، كما ذكر ابن رجب وحاجي خليفة، وهذا في الحوادث والوفيات، ويتوخّى الحوادث قبل الوفيات.
[ ١ / ٥٦ ]
والخامس: أنّ مؤلّف هذا التاريخ ذكر مؤرّخين من أساتذة ابن الفوطيّ، كابن الساعي، وظهير الدين الكازروني، ونقل من تواريخهما كأنّهما غريبان عنه وبعيدان عن عصره، مع أنّ ابن الفوطيّ يصرّح كثيرا بأسمائهما في التلخيص.
والسادس: عدم العاطفة الدينيّة على المسلمين في كتاب التاريخ المذكور؛ فهو لم يذكر كلمة «شهادة» ولا كلمة «استشهاد» في حادثة استيلاء هولاكو على بغداد.
فما استحقّ منه كلمة الشهادة الخليفة المستعصم بالله، ولا ابناه أحمد وعبد الرحمن، ولا العلماء، ولا الامراء، ولا الأطفال، ولا النّساء. وكذلك من قتل بعدهم بسيوف المغول، مع أنّ ابن الفوطيّ مع عيشه بين المغول برهة وخدمته لهم، يذكر شهداء تلك الواقعة الفظيعة بكلمة الشهادة أو الاستشهاد، وذلك أمر ذو بال. والسابع:
هو نقل مؤلّف هذا التاريخ عن جماعة لم ينقل عنهم ابن الفوطيّ، كعفيف الدين أبي عبد الله محمد ابن أحمد المعروف بابن البديع. فقد ذكره مؤلّف التاريخ في ترجمة علم الدين أحمد ابن عبد الرحمن الشارمساحي، ولم ينقل قول ابن البديع فيه.
والثامن: هو أنّ مؤلّف التاريخ المقدّم ذكره، نقل أخبارا عن غيره، ومن كتب من التاريخ خاصّة بسنين. وكان ابن الفوطيّ قد سمع بعض تلك الأخبار، وشهد بعضا بحيث يحتاج الى مؤرّخ ينقلها من كتبه، كقتل فخر الدين مظفّر بن الطراح بدار النيابة ببغداد سنة ٦٩٤ هـ.مع أنّ مؤلّف التاريخ المذكور آنفا يقول في قصيدة ابن الطراح التي قالها قبل أن يقتل: «ووجدت بخطّه ».
ولنا أدلّة اخرى لا يسع المقام سردها، وفيما قدّمها ما يكفي في نفي نسبة الكتاب الى ابن الفوطيّ. ولعلّه تأليف «محبّ الدين أبي العبّاس أحمد بن يوسف بن أبي بكر العلوي الكرجيّ ثمّ البغدادي المقرئ» ذكره ابن الفوطيّ في الجزء الخامس من تلخيص مجمع الآداب، وذكر أنّه كان مقرئا من العلماء الثقات والحفّاظ الأثبات. وكان كثير المطالعة، عارفا باللّغة، ورتّب شيخا بدار القرآن المعروفة بالبشيريّة نسبة الى باب بشير، زوج الخليفة المستعصم بالله على شاطئ دجلة ببغداد، وأنّه ولد سنة ٦٥٧ هـ وتوفّي سنة ٧٢١ هـ وصنّف تاريخا على السنين.
[ ١ / ٥٧ ]
فهذا العلويّ مباين لبني العبّاس بالوراثة، ومولود في أيّام حكم هولاكو لإيران والعراق، ومسقط رأسه بلدة كرج من بلاد الجبال؛ وهو ناشئ في دولتهم وولاية حكّامهم، ومساير لسياستهم؛ فهو يذكرهم بالتعظيم ويمدحهم ويستعيذ بالله من حال من يقتلونه أو ينزلون به أشدّ العقوبة، ولا يتناولهم بكلمة ذمّ أو مؤاخذة. وهذا الأمر ظاهر في كتاب التاريخ المذكور.