الباب الأربعون: في ذكر عسسه بالمدينة وما وقع له من ذلك
ذكر ابن الجوزي عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "عسسنا مع عمر ابن الخطاب ﵁ ذات ليلة بالمدينة حتى انتهينا إلى خيمة فيها نويرة، تقد أحيانًا وتطفأ أحيانًا، وإذا فيها صوت حزين، قال: "أقيموا مكانكم"، ومضى حتى انتهى إلى الخيمة فسمع وفهمنا، وإذا عجوز تقول:
على محمّد صلاة الأبرار صلى عليه المصطفون الأخيار
قد كنت قوّامًا بكن١ الأسحار فليت شعري والمنايا أطوار
هل تجمعني وحبيبي الدار
فبكى عمر ﵁ حتى ارتفع صوته، ومضى حتى انتهى إلى الخيمة، فقال: "السلام عليكم، السلام عليكم"، فأذنت له في الثالثة، فإذا عجوز، فقال لها عمر: "أعيدي عليّ قولك"، فأعادت عليه قولها بصوت حزين، فبكى عمر، ثم قال: "وعمر لا تنسيه رحمك الله"، فقالت: "وعمر فاغفر له إنك أنت الغفار"٢.
وعن السائب بن جبير٣ مولى ابن عباس - ﵄ -، وكان قد أدرك أصحاب رسول الله ﷺ قال: "ما زلت أسمع حديث عمر ﵁ أنه
_________________
(١) ١ الكِنّ، بالكسر: وقاء كلّ شيء وستره. (القاموس ص ١٥٨٤) . ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٢، ٨٣، ابن مبارك ص ٣٦٢، ٣٦٣، ابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣ / ق ١١٣، المتقي الهندي: كنْز العمال ١٢/٥٦٢، ونسبه لابن المبارك وابن عساكر. وهو منقطع. ٣ لم أجد له ترجمة.
[ ١ / ٣٨٧ ]
خرج ذات ليلة يطوف بالمدينة، وكان يفعل ذلك كثيرًا، إذ مرّ بامرأة من نساء العرب مغلقة عليها بابها وهي تقول:
تطاول هذا الليل تسري كواكبه وأرقني١ ألا ضجيع ألاعِبُه
ألاعبه طورًا وطورًا كأنما بدا قمرًا في ظلمة الليل حاجبه
يسر به من كان يلهو بقربه لطيف الحشا لا تجتويه٢ أقاربه
فوالله لولا الله لا شيء غيره لنقض من هذا السرير جوانبه
ولكنني أخشى رقيبًا موكلًا بأنفسنا لا يفتُر الدهر كاتبه
ثم تنفست الصعداء٣، وقالت: لهان على عمر بن الخطاب وحشتي وغيبة زوجي عني". وعمر واقف يسمع قولها، فقال عمر: "يرحمك الله"، ثم وجه إليها بكسوة ونفقة وكتب في أن يقدم عليها زوجها٤.
وعن الشعبي قال: "بينا عمر يعس ذات ليلة إذ مرّ بامرأة جالسة على سرير وقد أجافت الباب وهي تقول:
تطاول٥هذا الليل واخضل٦جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره لحرّك من هذا السرير جوانبه
فقال عمر ﵁: "أَوْهُ"٧، ثم خرج فضرب الباب على
_________________
(١) ١ الأرَق: السهر، وقد أرِقت، بالكسر، أي: سهرت. (لسان العرب ١٠/٤) . ٢ اجتواه: كرهه. (القاموس ص ١٦٤١) . ٣ الصّعداء: المشقة، كالصعدود وكالبُرحاء: تنفس طويل. (القاموس ص ٣٧٣) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٣، ابن كثير: التفسير ١/٣٩٤، وفيه السائب بن جبير لم أعثر له على ترجمة، وابن إسحاق عنعن، وهو مدلس. ٥ في الأصل: (تطال)، وهو تحريف. ٦ أخْضَلَ الليل: أظلم. (القاموس ص ١٢٨٣) . ٧ أوْهُ: كلمة تقال عند الشّكاية أو التوجع. (القاموس ص ١٦٠٤) .
[ ١ / ٣٨٨ ]
حفصة - ﵂ - فقالت: "يا أمير المؤمنين، ما جاء بك في هذه الساعة؟ "، فقال: أيّ بينة كم تحتاج المرأة إلى زوجها؟ "، قالت: "في ستة أشهر"، فكان لا يغزي جيشًا له أكثر من ستة أشهر"١.
وذكر هذه الحكاية ابن القيم٢ وغيره: وهي أنه بينا هو يعس ذات ليلة سمع امرأة تقول: / [٤٧ / أ] ٣.
تطاول هذا الليل واخضل جانبه وأرقني أن لا خليل ألاعبه
فوالله لولا الله لا شيء غيره لحرّك من هذا السرير جوانبه
مخافة ربي والحياء يكفني وأكرم بعلي أن تنال مراكبه
فقال: "أواه، وقال: لولا أنها افتتحت الكلام بالخوف وختمته٤ بالخوف لأوجعتها ضربًا"، ثم دق عليها الباب، فقالت: "من يدق امرأة مغيبة؟ "، فقال: "افتحي"، فقالت: "أما والله لو علم بك أمير المؤمنين لأوجعك ضربًا"، فقال: "افتحي، أنا أمير المؤمنين"، قالت: "كذبت"، فرفع لها صوته، فلما عرفته فتحت له فقال: "لمن تذكرين؟ "، قالت: "زوجي وجهه أمير المؤمنين في غزاة كذا وكذا"، فذهب فدخل على حفصة فقال: "أي بنيه كم صبر المرأة عن زوجها؟ "، قالت: "تصبر الشهر، والشهرين والثلاثة٥ في أربعة ينفذ الصبر".
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٣، ٨٤، وهو منقطع. ٢ أبو عبد الله شمس الدين محمّد بن أبي بكر الزرعي، ابن قيم الجوزية. ٣ هذه الورقة وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي. ٤ في الأصل: (وختمه)، وهو تحريف. ٥ في الأصل: (الثلاث)، وهو تحريف.
[ ١ / ٣٨٩ ]
وفي رواية: "أكثر ما تصبر ستة أشهر"، فجعل ذلك أجلًا"١.
قلت: لهذا المعنى - والله أعلم - جعلت مدة العدة أربعة أشهر وعشرًا٢، وجعلت مدة الغيبة التي يجب على الرجل القدوم فيها إلى زوجته إذا طلبته ويفسخ النكاح لغيبته أربعة أشهر٣.
وعن أحمد رواية أخرى: ستة أشهر، وجعلت مدة الإيلاء أربعة أشهر، وما أشبه ذلك٤.
وعن أسلم٥ قال: "بينا أنا مع عمر بن الخطاب، وهو يعس بالمدينة إذ عيي، فاتكأ على جانب جدار جوف الليل، وإذا امرأة تقول لابنتها: "يا بنتاه، قومي إلى ذلك اللبن فامذقيه٦ بالماء"، قالت: "يا أماه أو ما٧ علمت بما كان من عزمة أمير المؤمنين؟ "، قالت: "وما كان من عزمته يا بنية؟ "، قالت: "إنه أمر مناديه فنادى: لا يشاب اللبن بالماء"، فقالت لها: "يا بنية قومي إلى اللبن فامذقيه بالماء
_________________
(١) ١ ابن القيم: روضة المحبين ص٣٧٨، والخبر بنحوه في سعيد بن منصور: السنن٢/١٧٤، وهو منقطع وفيه عطاف بن خالد صدوق يهم. مالك: الموطّأ كما في تفسير ابن كثير ١/٣٩٤، وهو منقطع، ومن طريقه البيهقي: السنن ٩/٢٩، موصولًا، وإسناده صحيح. ابن قدامة: المغني ١٠/٢٤٠، السبكي في: طبقات الشافعية ١/٢٨٤، وقال: "ليس في شيء من الكتب الستة". ٢ المقصود في عدة المتوفى عنها غير ذات الحمل. ٣ انظر: ابن قدامة: المغني ١٠/٢٢٣، ٢٥٠، الحجاوي: الإقناع ٣/٢٤١، ابن النجار: منتهى الإرادات ٢/٣٤٥، المجد: المحرر ٢/١٠٥. ٤ انظر: ابن قدامة: المغني ١٠/٢٤٠، ١١/٩، ابن مفلح: الفروع ٥/٤٧٨، الحجاوي: الإقناع ٣/٢٤١، المجد: المحرر ٢/٤١، ٨٧، ابن النجار: منتهى الإرادات ٢/٢٢٨، ٣١٧. ٥ العدوي مولى عمر. ٦ المذيق: كأمير: اللبن الممزوج بالماء. (القاموس ص ١١٩١) . ٧ في الأصل: (وما) .
[ ١ / ٣٩٠ ]
فإنك بموضع لا يراك عمر ولا منادي عمر"، فقالت الصبية: "والله ما كنت لأطيعه في الملا وأعصيه في الخلا"، وعمر يسمع كل ذلك.
فقال: "يا أسلم اعلم الباب واعرف الموضع. ثم مضى في عسسه، فلما أصبح قال: "يا أسلم امض إلى الموضع فانظر من القائلة ومن المقول لها، وهل لهم بعل؟ "، فأتيت الموضع فنظرت فإذا الجارية أيم لا بعل لها، وإذا تيك أمها وإذا ليس لها رجل، فأتيت عمر فأخبرته، فدعى ولده فجمعهم، فقال: "هل فيكم من يحتاج إلى امرأة فأزوجه؟ "، ولو كان بأبيكم حركة إلى النساء ما سبقه منكم أحد إلى هذه الجارية".
فقال عبد الله: "لي زوجة". وقال عبد الرحمن: "لي زوجة"، وقال عاصم١: "يا أبتاه لا زوجة لي، فزوجني". فبعث إلى الجارية فزوجها من عاصم فولدت له بنتًا، وولدت البنت بنتًا، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز، - رحمه الله تعالى -"٢.
قال بعضهم: هكذا وقع في رواية، وهو غلط، وإنما الصواب: فولدت لعاصم بنتًا، وولدت البنت عمر بن عبد العزيز - ﵀٣.
وعن أنس بن مالك، قال: "بينا عمر ﵁ يعس بالمدينة / [٤٨ / ب] إذ مرّ برحبة٤ من رحابها فإذا هو بيت من شعر لم يكن بالأمس، فدنا منه فسمع أنين امرأة، ورأى رجلًا قاعدًا فدنا منه فسلم عليه، ثم قال: "من الرجل؟ "، فقال: "رجل من أهل البادية جئت إلى أمير المؤمنين أصيب فضله"، فقال: "ما هذا الصوت الذي أسمعه في البيت؟ "، قال: "انطلق يرحمك
_________________
(١) ١ ابن عمر العدوي، ولد في حياة النبي ﷺ توفي سنة سبعين، وقيل: بعدها. (التقريب ص ٢٨٦) . ٢ ابن عبد الحكم: سيرة عمر ص ٢٢، ٢٣، الآجري: أخبار عمر ص ٤٨، ٤٩، ابن الجوزي: مناقب ص ٥، ومناقب عمر بن الخطاب ص ٨٤. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٤، وانظر: ابن سعد: الطبقات ٥/٣٣١. ٤ الرّحبة: ما اتسع من الأرض، وجمعها: رُحَب. (لسان العرب ١/٤١٤) .
[ ١ / ٣٩١ ]
الله لحاجتك"، قال: "على ذاك ما هو؟ "، قال: "امرأة تمخض"، قال: "عندها أحد؟ "، قال: فانطلق حتى أتي منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت عليّ - ﵂ -: "هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ "، قالت: "ما هو؟ "، قال: امرأة غريبة تمخض ليس عندها أحد. قالت: "نعم. إن شئت".
قال: "فخذي معك ما يصلح المرأة لولادتها من الخرق والدهن، وجيئيني ببرمَة١ وشحم وحبوب"، قال: فجات به، فقال: "انطلقي"، وحمل البرمة، ومشت خلفه حتى انتهى إلى البيت، فقال لها: "ادخلي إلى المرأة"، وجاء حتى قعد إلى الرجل فقال له: "أوقد لي نارًا"، ففعل، فأوقد تحت البُرمة حتى أنضجها، وولدت المرأة، فقالت امرأة: "يا أمير المؤمنين، بشّر صاحبك بغلام"، فلما سمع يا أمير المؤمين كأنه هابه فجعل يتنحى عنه، فقال له: "مكانك كما أنت"، فحمل البُرمة فوضعتها على الباب، ثم قال: "اشبعيها"، ففعلت، ثم أخرجت البرمة فوضعتها على الباب، فقام عمر ﵁ فأخذها فوضعها بين يدي الرجل، وقال: "كُلْ وكُلْ قد سهرت من الليل"، ففعل ثم قال لامرأته: "اخرجي، وقال للرجل، إذا كان غدًا فاتنا نأمر لك بما يصلحك"، ففعل الرجل فأجاره وأعطاه"٢.
وعن عبد الله بن بريدة الأسلمي، قال: "بينما عمر بن الخطاب يعس ذات ليلة فإذا امرأة تقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج٣
_________________
(١) ١ البرمة - بالضم - قدر من حجارة. (القاموس ص ١٣٩٤) . ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٥، والتبصرة ١/٤٢٧، ٤٢٨. ٣ ابن علاط السلمي. (الإصابة ٣/٢٦٠) .
[ ١ / ٣٩٢ ]
فلما أصبح سأل عنه فإذا هو من بني سُليم، فأرسل إليه فإذا هو أحسن النّاس شعرًا وأصبحهم وجهًا، فأمر عمر أن يُطمّ١ شعره ففعل، فخرجت جبهته فازداد حسنًا، فأمره عمر أن يعتَمّ ففعل، فازداد حسنًا، فقال عمر: "لا والذي نفسي بيده لا يجامعني بأرض أنا بها، فأمر له بما يصلحه وسيّره إلى البصرة"٢.
وروي أن عمر ﵁ بينما هو ذات ليلة يطوف في سكة من سكاك٣ المدينة، سمع امرأة وهي تهتف من خِدرها٤ وتقول:
هل من سبيل إلى خمر فأشربها أم هل سبيل إلى نصر بن حجاج
إلى فتىً ماجد الأعراق مُقتبلٍ سهلِ المُحيّا كريم غير مِلجاج٥
فقال عمر: "لا أرى معي في المصر رجلًا تهتف به العواتق٦ في خدورهن، عليّ بنصر بن حجاج فأتي به، فإذا هو أحسن الناس وجهًا وأحسنهم شعرًا، فقال: عليّ بالحجام فجزّ شعره فخرجت / [٤٩ / أ]
_________________
(١) ١ في الأصل: (يضم)، وهو تحريف. وطمّ شعره: أي: جزّه، وطم شعره أيضًا طومًا إذا عقصه. (الصحاح ٥/١٩٧٦، لسان العرب ١٢/٣٧٠) . ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨٥، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢١١، ٢١٢، ابن شبه: تاريخ المدينة ٢/٧٦٢، ابن الجوزي: مناقب ص ٨٥، ابن حجر: الإصابة ٦/٢٦٠، وقال: "أخرجه ابن سعد والخرائطي بسند صحيح عن عبد الله بن بريدة". وهو منقطع لأن عبد الله بن بريد لم يدرك عمر. ٣ السكة: أوسع من الزقاق، سميت بذلك لاصطفاف الدور فيها على التشبيه بالسّكة من النخل. (لسان العرب ١٠/٤٤١) . ٤ الخِدر - بالكسر -: سترٌ يمدّ للجارية في ناحية البيت. (القاموس ص ٤٩٠) . ٥ اللجاج واللجاجة: الخصومة. (القاموس ص ٢٦٠) . ٦ العاتق: الجارية التي قد أدركت وبلغت فخُدّرت في بيت أهلها ولم تتزوج. (لسان العرب ١٠/٢٣٥) .
[ ١ / ٣٩٣ ]
وجنتان١ كأنهما شقتا قمر، فقال: اعتم فاعتم فافتتن الناس، فقال عمر: والله لا تساكني في بلد أنا فيه"، قال: "ولِمَ ذلك يا أمير المؤمنين؟ "، قال: "هو ما قلت لك"، فسيّره إلى البصرة وخشيت المرأة التي سمع عمر أن يبدر لها بشيء، فدست إليه أبياتًا تقول فيها:
قل للإمام الذي تُخشى بوادرُهُ ما لي وللخمر أو نصر بن حجاج
إني غنيت أبا حفص بغيرهما شرب الحليب وطرف فاتر ساج٢
إن الهوى زمّه٣ التقوى فقيده حتى أقرّ بإلجام٤ وإسرج٥
لا تجعل الظنّ حقًا لا تبيّنه إن السبيل سبيل الخائف الراجي
فبعث إليها عمر ﵁: "قد بلغني عنك خيرًا، وإني لا أخرجه من أجلك، ولكن بلغني أنه يدخل على النساء فلست آمنهن، وبكى عمر وقال: الحمد الذي قيد الهوى بإلجام وإسراج"، ثم إن عمر كتب إلى عامله بالبصرة كتابًا فمكث الرسول عنده أيامًا ثم نادى مناديًا٦: ألا إن بريد المسلمين يريد [أن] ٧ يخرج فمن كانت له حاجة فليكتب.
فكتب نصر بن حجاج كتابًا ودسه في الكتب:
"بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، سلام عليك، أما بعد:
_________________
(١) ١ الوجنة: ما ارتفع من الخدين للشدق والمحجر. (لسان العرب ١٣/٤٤٣) . ٢ طرف فاتر: فيه فتور وسُجُوّ ليس بحادّ النظر. (لسان العرب ٥/٤٤) . ٣ زمّه: شده. (القاموس ص ١٤٤٤) . ٤ اللجام: حبلٌ أو عصًا تُدخل في فم الدابة وتُلزق إلى قفاه. (لسان العرب١٢/٥٣٤) . ٥ السّرج: رحل الدابة. (لسان العرب ٢/٢٩٧) . ٦ في المناقب: (مناديه) . ٧ سقط من الأصل.
[ ١ / ٣٩٤ ]
لعمري١ لئن سيّرتني وفضحتني وما نلته مني عليك حرام
فأصحبت منفيًا على غير ريبة وقد كان لي بالمكّتين مقام
أإن غنت الذلفاء يومًا بمنية وبعض أمانيّ النساء غرام
ظننت بي الظن الذي ليس بعده بقاءٌ فما لي في النّديّ كلام
ويمنعني مما تظن تكرّمي وآباء صدق سالفون كرام
ويمنعها مما تظن صلاتُها وحالٌ لها في قومِها وصيام
فهذان حالانا فهل أنت راجعي فقد جُبّ منّي كاهل٢ وسنام٣
قال عمر: "أما ولي سلطان فلا"، فما رجع إلى المدنية إلا بعد وفاة عمر ﵁، - ويقال: إن المتمنية هي أم الحجاج٤ - وطال مكث نصر بالبصرة، فخرجت أمه يومًا بين الأذان والإقامة معترضة، فإذا عمر قد خرج في إزار ورداء وبيده الدرة فقالت: "يا أمير المؤمنين، والله لأقفن أنا وأنت بين يدي الله عزوجل وليحاسبك الله تعالى، يبيت عبد الله إلى جنبك وعاصم، وبيني وبين ابنِي الجبال والفيافي٥ والأودية، فقال عمر: إن بنيّ لم
_________________
(١) ١ انظر: ص ٣٦٥، ٤٢٥. ٢ الكاهل: مقدم أعلى الظهر مما يلي العُنق وهو الثلث الأعلى فيه ست فِقَر. (لسان العرب ١١/٦٠١، القاموس ص ١٣٦٣) . ٣ سنام البعير والناقة: أعلى ظهرها. (لسان العرب ١٢/٣٠٦) . ٤ الحجاج بن يوسف بن الحكم الثقفي ولاه عبد الملك الحجاز ثلاث سنين، ثم ولاه العراق فمكث عشرين سنة واليًا عليها، فأصلحها وذلّل أهلها، وكان ظلومًا جبارًا ناصبيًا، سفاكًا للدماء، توفي سنة خمس وتسعين. (المعارف ص ٣٩٥، سير أعلام النبلاء (٤/٣٤٣) . ٥ الفيف: المفازة التي لا ماء فيها مع الاستواء والسّعة، وإذا أنثت فهي الفيفاة، وجمعها الفيافي. (لسان العرب ٩/٢٧٤، القاموس ص ١٠٨٩) .
[ ١ / ٣٩٥ ]
تهتف بهما العواتق في خدورهن"١.
وعن عبد الله بن بريدة: "أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج يعس المدينة فإذا هو بنسوة يتحدثن فإذا هن يقلن: "أي أهل المدينة أصبح؟ "، فقالت امرأة منهن / [٤٩ / ب]: أبو ذئب٢ فلما أصبح سأل عنه، فإذا هو من بني سليم، فأرسل إليه فإذا هو من أصبح الناس فلما نظر عمر إليه، قال: "أنت والله ذئبهن٣ مرتين أو ثلاثًا، ولا والذي نفسي بيده لا تجامعني بأرض أنا بها"، قال له: "إن كنت لا بد مسيّري فسيّرني حيث سيّرت ابن عمي". فأمر له بما يصلح وسيّره البصرة"٤.
وعن أبي سعيد٥ قال: "كان عمر ﵁ يعس في المسجد بعد العشاء الآخرة، فلا يدع أحدًا إلا أخرجه إلا رجل قائمًا يصلي، فمرّ ذات ليلة على نفر جلوس من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: "من أنتم؟ "، فقال أبي: "نفر من أهلك، يا أمير المؤمنين"، قال: "ما خلفكم بعد الصلاة؟ "، قال أبي: "إنا جلسنا لنذكر الله عزوجل"، قال: "فجلس معهم، ثم قال لأدناهم منه رجلًا: خذ، قال: فدعا ثم استقرأهم رجلًا رجلًا يدعون حتى انتهى إليّ، وأني جانبه، فقال لي: "ادع"، فحصرت وأخذتني الرّعدة - أفكل٦ - حتى جعل يجد مسجد الأمير ذلك، فقال: "لو
_________________
(١) ١ ابن قتيبة: عيون الأخبار ٤/٢٣، والأنطاكي: تزيين الأسواق ص ١٨٠، والسبكي: طبقات الشافعية ١/٢٨٠، ٢٨١. ٢ في الأصل: (أبو درين)، وهو تحريف. ٣ في الأصل: (درنهن)، وفي المناقب: (دينهن)، وهو تحريف. ٤ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨٥، وإسناده حسن، لكن عبد الله بن بريدة لم يدرك عمر، البلاذري: وأنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢١٢، ابن الجوزي: مناقب ص ٨٨. ٥ مولى أبي أسيد يروي عن جماعة من الصحابة، روى عنه أبو نضرة، وثقه الهيثمي. (انظر: ابن سعد: الطبقات ٧/١٢٨، والثقات لابن حبان ٥/٥٨٨، ومجمع الزوائد ٧/٢٢٩) . ٦ في الطبقات: (من الرعدة أفْكَل)، وفي القاموس ص ١٣٤٩: "الأفكل: كأحمد: الرعدة".
[ ١ / ٣٩٦ ]
أنك تقول: "اللهم اغفر لنا اللهم ارحمنا"، قال: ثم أخذ عمر يدعو، فما كان في القوم أكثر دمعة ولا أشد بكاء منه، ثم قال: لهم: إيهًا الآن تفرقوا"١.
وعن جعفر بن زيد العبدي٢، قال: "خرج عمر ﵁ يعس المدينة ذات ليلة فمرّ بدار رجل من الأنصار فوافقه قائمًا يصلي فوقف يسمع قراءته، فقرأ: ﴿وَالطُّورِ﴾، حتى بلغ: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ مَّا لَهُ مِنْ دَافِع﴾، [الطور: ١-٨]، فقال: "قم ورب الكعبة حقّ". ونزل عمر عن حماره فاستند إلى حائطه، فمكث مليًا، ثم رجع إلى منزله، فمرض شهرًا يعوده٣ الناس لا يدرون ما مرضه"٤.
وذكر أبو القاسم عن السدي٥ قال: "خرج عمر بن الخطاب ﵁ فإذا هو بضوء ونار، ومعه عبد الله بن مسعود، قال: فاتبع الضوء حتى دخل دارًا فإذا سراج في بيت فدخل وذلك في جوف الليل، فإذا شيخ جالس وبين يديه شراب وقينة تغنيه، فلم يشعر حتى هجم عليه، فقال عمر: "ما رأيت كالليلة منظرًا أقبح من شيخ ينتظر أجله"، قال: فرفع الشيخ رأسه فقال: "بلى يا أمير المؤمنين، ما صنعت أنت أقبح، إنّك تجسست وقد نهي عن التجسس، ودخلت بغير إذن"، فقال عمر: "صدقت"، ثم خرج
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٩٤، وإسناده صحيح، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢٣٦، ابن عساكر: تاريخ دمشق ج ١٣ / ق ١١، ابن الجوزي: مناقب ص ٨٨. ٢ من أهل البصرة، يروي عن أبيه، روى عنه أبو عاصم النبيل. (الثقات ٦/١٣٣) . ٣ في الأصل: (يعدوه)، وهو تحريف. ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٨، وفي إسناده انقطاع، وجعفر بن زيد لم يوثقه غير ابن حبان. ٥ السدي: ثلاثة: إسماعيل بن عبد الرحمن صدوق يهم رومي بالتشيع، توفي سنة سبع وعشرين ومئة. وإسماعيل بن موسى الفزاري، صدوق يخطئ رمي بالرّفض، توفي سنة خمس وأربعين ومئة. ومحمّد بن مروان متهم بالكذب، من الثالثة. ولم يتميز عندي. (التقريب رقم: ٤٦٣، ٤٩٢، ٦٢٨٤) .
[ ١ / ٣٩٧ ]
عاضًا على يديه يبكي، وقال: ثكلت عمر أمه إن لم يغفر له ربه، هذا كان يستخفي بهذا من أهله فيقول الآن: رآني عمر فيتتابع فيه".
قال: وهجر الشيخ مجالس عمر حينًا فبينا عمر بعد ذلك بحين جالس إذا هو به قد جاء شبه المستخفي حتى جلس في آخريات الناس، فرآه عمر / [٥٠ / أ] فقال: "عليّ بهذا الشيخ"، فأتي فقيل له: "أجب"، فقام وهو يرى أن عمر سيؤنبه بما رأى منه، فقال له عمر: "ادن مني"، فما زال يدنيه حتى جلس بجنبه، فقال: "ادن مني أذنك"، فالتقم أذنه، فقال: "أما والذي بعث محمّدًا بالحق رسولًا ما أخبرت أحدًا من الناس بما رأيت منك ولا ابن مسعود، وكان معي"، فقال: "يا أمير المؤمنين! ادن مني أذنك"، فالتقم أذنه، فقال: "ولا أنا والذي بعث محمّدًا ﷺ بالحق رسولًا عدت إليه حتى جلست مجلسي هذا"، فرفع عمر صوته فكبر ما يدي الناس من أي شيء يكبّر"١.
وذكر ابن الجوزي في (التبصرة)، وفي (سير عمر)، القصة المتقدمة حيث ثابت٢ عن أنس٣ قال: "بينما عمر يعس المدينة إذ مرّ برحبة من رحابها، فإذا هو ببيت من شعر، فدنا منه فسمع أنين امرأة، ورأى رجلًا قاعدًا فدنا منه فسلم عيله، ثم قال: "من الرجل؟ "، فقال: "رجل من أهل البادية جئت إلى أمير المؤمنين أصيب من فضله"، قال: "فما هذا الصوت في البيت؟ "، قال: "امرأة تمخض"، قال: "هل عندها أحد؟ "، قال: "لا"، قال: فانطلق حتى أتى منزله، فقال لامرأته أم كلثوم بنت عليّ: "هل لك في أجر ساقه الله إليك؟ "قالت:
_________________
(١) ١ أبو القاسم: سير السلف ص ١٨٥، ١٨٦، وهو منقطع. ٢ ثابت بن أسلم البناني، البصري، ثقة عابد، توفي سنة بضع وعشرين ومئة. (التقريب ص ١٣٢) . ٣ ابن مالك.
[ ١ / ٣٩٨ ]
"وما هو؟ "، قال: "امرأة غريبة تمخض ليس عندها أحد"، قالت: "نعم. إن شئت". وذكر باقي القصة١.
ومعنى تمخض: أي: حضرها المخاض، وهو النفاس والولادة. قال الله عزوجل: ﴿فَأَجَاءَهَا المُخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، [مريم: ٢٣]، أي: الولادة، وسمّي بذلك - والله أعلم -: من المخض؛ وهو شدة الحركة والانزعاج من داخل وخارج. ومنه مخض اللبن، وهو حركة إنائه من خارج وحركة ما فيه من داخل٢، وقد يكون من الخوض، إذ هي تخوض في دمها والأوّل أظهر.
والعَسُّ: هو الذهاب بالليل٣ لينظر ما عليه الناس، يقال: عَسَّ فهو عاسٌّ٤. والعَسُّ: المشي وفي الحديث " كرهت أن أخرجكم تعسون "٥. والعسّ بالضم: القدح ومنه الحديث:"أتي بعسّ من لبن"٦. والعَسُّ: الدّخول أيضًا، وكذلك عَسْعَسَ، قال الله عزوجل: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَس﴾، [التكوير: ١٧]، أي: أظلم وجنّ، والمعنى: دخل٧.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: التبصرة١/٤٢٧، ٤٢٨، ومناقب عمرص٨٥، وقد سبق تخريجه ص٣٩٢. ٢ انظر: الجوهري: الصحاح ٣/١١٠٥، ابن الأثير: النهاية ٤/٣٠٦، ابن منظور: لسان العرب ٧/٢٢٨، ٢٢٩، ٢٣٠. ٣ في الأصل: (باليل)، وهو تحريف. ٤ انظر: الأزهري: تهذيب اللغة ١/٧٩، الجوهري: الصحاح ٣/٩٤٩، ابن الأثير: النهاية ٣/٢٣٦، ابن منظور: لسان العرب ٦/١٣٩. ٥ لم أجده. ٦ أحمد: المسند ٦/٤٥٨، بأطول. انظر: الأزهري: تهذيب اللغة ١/٨٠، الجوهري: الصحاح ٣/٩٣٩، ابن الأثير: النهاية ٣/٢٣٦، ابن منظور: لسان العرب ٦/١٤٠. ٧ انظر: الأزهري: تهذيب اللغة ١/٧٨، الجوهري: الصحاح ٣/٩٤٩، ابن الأثير: النهاية ٣/٢٣٦، ابن منظور: لسان العرب ٦/١٣٩، ١٤٠.
[ ١ / ٣٩٩ ]
والعَسَسُ: هم١ الذين يعسون٢. [و] ٣ يستعمل بعض الناس العسّ فيمن مشى لا يبالي بما مشى عليه من طين، أو شوك، أو نار، ونحو ذلك، ويقال لمن فعل ذلك: أتى يعسّ عسًا؛ أي: لا يبالي به٤. والله أعلم. / [٥٠ / ب] .
_________________
(١) ١ في الأصل: (وهو)، وهو تحريف. ٢ انظر: الأزهري: تهذيب اللغة ١/٧٩، وابن الأثير: النهاية ٣/٢٣٦، ابن منظور: لسان العرب ٦/١٣٩. ٣ سقط من الأصل. ٤ في تهذيب اللغة ١/٧٩: "العَسُوس من السناء: التي لا يبالي أن تدنُو من الرجال".
[ ١ / ٤٠٠ ]