الباب التاسع والأربعون: في حذره من الابتداع وتحذيره منه
في الصحيح عن المسور بن مخرمة١، وعبد الرحمن بن عبدٍ القاري أنهما سمعا عمر بن الخطاب يقول: "سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، في حياة رسول الله ﷺ فاستمعت لقراءته، فإذا هو يقرؤها على حروف كثيرة، لم يقرئنيها رسول الله ﷺ فكدت أساوره٢ في الصلاة، فانتظرته حتى سلم، فلببته٣، فقلت: من أقرأك هذه السورة التي سمعتك تقرأ؟ "، قال: "أقرأنيها رسول الله ﷺ"، فقلت له: "كذبت، فوالله إن رسول الله ﷺ لهو أقرأني هذه السورة التي سمعتك"، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ أقوده، فقلت: "يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على حروف لم تقرئنيها، وإنك أقرأتني سورة الفرقان"، قال: "يا هشام اقرأها"، فقرأها القراءة التي سمعته، فقال رسول الله ﷺ: "هكذا أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت القراءة التي أقرأنيها، فقال رسول الله ﷺ: "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول الله: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيسر منه" ٤
وذكره ابن الجوزي من طريق المسور أن عمر ﵁ / [٧٦ / أ] قال:
_________________
(١) ١ الزهري له ولأبيه صحبة، توفي سنة أربع وستين. (التقريب ص ٥٣٢) . ٢ ساوره مساورة وسوارًا: واثبه. (لسان العرب ٤٣٨٥) . ٣ لبّبه تليببًا: جمع ثيابه عند نحره في الخصومة، ثم جره. (القاموس ص ١٧١) . ٤ البخاري: الصحيح، كتاب فضائل القرآن ٤/١٩٢٣، رقم: ٤٧٥٤، مسلم: الصّحيح، كتاب صلاة المسافرين وقصرها ١/٥٦٠، رقم: ٨١٨.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
"سمعت هشام بن حكيم بن حزام يقرأ سورة الفرقان، فقرأ فيها حروفًا لم يكن النبي ﷺ أقرأنيها، فأردت أن أساوره وأنا في الصلاة، فلما فرغت قلت: من أقرأك هذه القراءة؟، فقال: "رسول الله ﷺ"، فقلت: كذبت، والله ما أقرأك هكذا رسول الله ﷺ فأخذت بيده أقوده، فانطلقت به إلى رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله إنك أقرأتني سورة الفرقان، إني سمعت هذا يقرأ فيها حروفًا لم تكن أقرأتنيها، فقال رسول الله ﷺ: "اقرأ يا هشام"، فقرأ كما كان قرأ، فقال رسول الله ﷺ: "هكذا أنزلت"، ثم قال: "اقرأ يا عمر"، فقرأت، فقال: "هكذا أنزلت"، ثم قال رسول الله ﷺ: "إن القرآن أنزل على سبعة أحرف" ١.
وعن عابس بن ربيعة٢، قال: "رأيت عمر نظر إلى الحجر، وقال: "أما والله لولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبِّلك ما قبّلتك، ثم قبّله"٣.
وعن عبد الله بن سَرْجس٤، قال: "كان الأصلع - يعني عمر - إذا استلم الحجر قال: "إني لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ يقبّلك ما قبّلتك"٥.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ١٢١، والحديث أخرجه أحمد: المسند ١/٢٢٤، وصححه أحمد شاكر في تعليقه على أحاديث المسند رقم: ١٥٨، وقال: "إسناده صحيح". ٢ النخعي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية. (التقريب ص ٢٨٥) . ٣ أخرجه بنحوه البخاري: الصحيح، كتاب الحج ٢/٥٧٩ رقم: ١٥٢٠، ومسلم: الصّحيح، كتاب الحج ٢/٩٢٥، رقم: ١٢٧٠. ٤ عبد الله بن سرجس المزني حليف بني مخزوم، صحابي سكن البصرة. (التقريب ص٣٠٥) . ٥ مسلم: الصّحيح، كتاب الحج ٢/٩٢٥، رقم: ١٢٧٠.
[ ٢ / ٥٢٨ ]
وعن أبي سعيد الخدري، قال: "حججنا مع عمر ﵁ أوّل حجة حجها من إمارته، فلما دخل المسجد الحرام، دنا من الحجر الأسود فقبّله، واستلمه، وقال: "أعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله ﷺ قبّلك واستلمك، ما قبّلتك ولا استلمتك"، فقال له عليّ ﵁ بلى يا أمير المؤمنين، إنه ليضر وينفع، ولو علمت تأويل ذلك من كتاب الله، لعلمت أن الذي أقول لك، [كما] ١ أقول، قال الله عزوجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتِهِمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢]، فلما أقروا أنه الربّ عزوجل وأنهم العبيد، كتب ميثاقهم في رقّ ثم ألقمه الحجر، وله عينان، ولسان، وشفتان، يشهد [لمن] ٢ وافاه بالموافاة، فهو أمين الله في هذا المكان". فقال عمر ﵁: "لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن"٣.
قال أسامة بن مرشد: "إنما قال عمر ﵁ في الحجر ما قال، لأنهم كانوا قد أنسوا بلمس الحجارة في الجاهلية، وعبادتها، فأخبر عمر أنه إنما يمس هذا الحجر ويقبّله؛ لأنه رأى رسول الله ﷺ يمسه، ويقبّله، ولولا ذلك لم يفعل ذلك"٤.
وقال نافع٥: "كان الناس يأتون الشجرة التي بايع رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ مطموس في الأصل. ٢ سقط من الأصل. ٣ الحاكم: المستدرك ١/٤٥٧، وفي إسناده أبو هارون العبدي، قال الحافظ: "متروك ومتهم من كذبه شيعي". (التقريب ص ٤٠٨)، وابن الجوزي: مناقب ص ١٢٢، وابن حجر: الإصابة٣/٢٦٢وقال: "وفي إسناده أبو هارون العبدي وهوضعيف جدًا". ٤ أسامة بن مرشد: مختصر مناقب عمر ص ١٢٢. ٥ مولى ابن عمر.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
تحتها بيعة الرضوان، فيصلون عندها، فبلغ ذلك عمر فأوعدهم فيها، وأمر بها فقطعت"١.
وعن [سعيد بن] ٢ المسيب - ﵀ - قال: "قضى عمر ﵁ بقضاء في الأصابع ثم أخبر بكتاب كتبه النبي ﷺ لابن حزم٣، فأخذ به، وترك أمره الأول"٤.
وعن المعرور بن سويد٥، قال خرجنا مع عمر بن الخطاب ﵁ في حجة حجها، قال: فقرأ بنا في الفجر: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بأَصْحَابِ الفِيْلِ﴾، [الفيل: ١]، / [٧٦ / ب] و﴿لإِيلاَفِ قُريشٍ﴾ [قريش: ١]، فلما انصرف، رأى٦ الناس مسجدًا فبادروه، فقال: "ما هذا؟ "، فقالوا: "هذا مسجد صلى فيه النبي ﷺ"، فقال: "هكذا هلك أهل الكتاب قبلكم، اتخذوا آثار أنبيائهم بيعًا من عرضت له فيه صلاة فليصل، ومن لم تعرض له صلاة فليمض"٧.
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٢/١٠٠، ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٢، ابن حجر: فتح الباري، وقال: "إسناده صحيح". ٢ سقط من الأصل. ٣ عمرو بن حزم الأنصاري، صحابي مشهور، شهد الخندق فما بعدها، وكان عامل البني ﷺ على نجران، توفي بعد الخمسين. (التقريب ص ٤٢٠) . ٤ البيهقي: السنن: ٨/٩٣، وإسناده حسن فيه جعفر بن عون، قال الحافظ: "صدوق". (التقريب ص ١٤١)، الخطيب: الفقيه والمتفقه ص ١٣٩، ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٣. ٥ الأسدي، ثقة، من الثانية، عاش مئة وعشرين سنة. (التقريب ص ٥٤٠) . ٦ في الأصل: (فرأى) . ٧ عبد الرزاق: المصنف ٢/١١٨، ١١٩، ابن أبي شيبة: المصنف ٢/٣٧٦، وفي إسناده الأعمش وهو مدلس وقد عنعن، وابن وضاح: البدع والنهي عنها ص ٤١، وابن تيمية: قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة ص ٢٠٣، واقتضاء الصراط المستقيم ٢/٧٤٤، وعزاه لسعيد بن منصور، وابن حجر: فتح الباري ١/٥٦٩.
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وعن عبد الملك بن هارون بن عنترة١٢، عن أبيه٣ عن جده٤، قال: "قال عمر بن الخطاب ﵁ على المنبر: "ألا إن أصحاب الرأي أعداء السنن، أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فأفتوا برأيهم، فضلوا وأضلوا، ألا وإنا نقتدي، ولا نبتدي، ونتبع، ولا نبتدع، ما نضل ما تمسكنا بالأثر"٥.
وعن عمرو٦ بن ميمون٧ عن أبيه٨ قال: "أتى عمر بن الخطاب رجل فقال: "يا أمير المؤمنين، إنا لما فتحنا المدائن أصبنا كتابًا فيه كلام معجب، قال: "أمن كتاب الله؟ "، قال: "لا". فدعا بالدّرّة فجعل يضربه بها وجعل يقرأ: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِيْنِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرْبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الغَافِلِيْنَ﴾ [يوسف: ١-٣]، ثم قال: "إنما هلك من كان قبلكم أنهم أقبلوا على كتب علمائهم، وأساقفتهم، وتركوا التوراة والإنجيل، حتى درسا٩ وذهب ما فيهما من العلم"١٠.
_________________
(١) ١ في الأصل: (عنيزة)، وهو تحريف. ٢ عبد الملك بن هارون روى عن أبيه، قال أحمد: "ضعيف الحديث"، وقال يحيى بن معين: "كذاب"، وقال أبو حاتم: "متروك الحديث ذاهب الحديث". (الجرح والتعديل ٥/٣٧٤، الميزان ٢/٦٦٦) . ٣ هارون بن عنترة الشيباني، الكوفي لا بأس به، توفي سنة اثنتين وأربعين ومئة. (التقريب ص ٥٦) . ٤ عنترة بن عبد الرحمن الكوفي، ثقة، من الثالثة، وهم من زعم أن له صحبة وهو جد عبد الملك بن هارون. (التقريب ص ٤٣٣) . ٥ الخطيب: الفقيه والمتفقه ص ١٨١، وفي إسناده عبد الملك، وهو متروك، وابن الجوزي: مناقب ص ١٢٣. ٦ في الأصل: (عمر)، وهو تحريف. ٧ عمرو بن ميمون الجزري، ثقة فاضل، توفي سنة سبع وأربعين، وقيل: غير ذلك. (التقريب ص ٤٢٧) . ٨ ميمون بن مهران. ٩ دَرَسَ الشيء: عفا. (لسان العرب ٦/٧٩) . ١٠ ابن الضريس: فضائل القرآن ق ٧٦ / ب، وأبي نصر المقدسي: الحجة على ترك المحجة، رقم: ٦٦١، وابن الجوزي: مناقب ص ١٢٣، وإسناده ضعيف، لانقطاعه، ميمون بن مهران لم يدرك عمر.
[ ٢ / ٥٣١ ]
وعن ابن عون١ عن إبراهيم٢: "أن عمر بن الخطاب ﵁ بلغه أن رجلًا كتب كتاب دانيال، وقال فكتب إليه يرتفع إليّ، فلما قدم عليه جعل عمر ﵁ يضرب بطن كفه بيده، ويقول: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الكِتَابِ المُبِيْنِ إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرْبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ القَصَصِ﴾ [يوسف ١-٣]، فقال عمر: أقصص أحسن من كتاب الله؟ فقال: "يا أمير المؤمنين، اعفني، فوالله لأمحونه"٣.
وعن أسلم قال: "سمعت عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "فيمَ٤ الرّمَلان٥ الآن والكشف عن المناكب، وقد أطّأ٦ الله الإسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا ندع شيئًا كنا نفعله على عهد رسول الله ﷺ؟ "٧.
وعن السائب بن يزيد أنه قال: "أتى رجل عمر بن الخطاب ﵁ فقال: "يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلًا يسأل عن تأويل القرآن"، فقال: "اللهم أمكني
_________________
(١) ١ عبد الله بن عون. ٢ النخعي. ٣ عبد الرزاق: المصنف ٦/١١٤، وإسناده حسن إلى إبراهيم، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢٧٣، ابن الضريس: فضائل القرآن ق ٧٦ / أ، الخطيب: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/٢٢٣، ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٤، السيوطي: الدر المنثور ٤/٤٩٧. ٤ في الأصل: (ما في)، وهو تحريف. ٥ الرّملان: الرّمل، والسعي، الرّمل: أن يهزّ منكبيه ويُسرع في المشي. (لسان العرب ١١/٢٩٥) . ٦ في الأصل: (أطال)، وهو تحريف. ومعنى أطّأ: ثبته، وأرساه. (النهاية ١/٥٣) . ٧ أحمد: المسند ١/٢٩٣، وعنه أبو داود: السنن ٢/١٧٨، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه لأحاديث المسند رقم: ٣١٧، وأخرجه بنحوه البخاري: الصحيح، ٢/٥٨٢، رقم: ١٥٢٨.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
منه"، فبينا عمر ذات يوم جالسًا، يغدي الناس، إذ جاءه، وعليه ثياب وعمامه، حتى إذ فرغ، قال: "يا أمير الممؤنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا فَالحَامِلاَتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ١-٢]، فقال عمر ﵁: "أنت هو؟ "، فقام إليه وحسر١ عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته، فقال: "والذي نفس عمر بيده، لو وجدتك محلوقًا لضربت رأسك، ألبسوه ثيابه، واحملوه على قِتْب٢، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده، ثم ليقم خطيبًا ثم ليقل: "إن صبيغًا٣ ابتغى العلم فأخطأه".
فلم يزل وضيعًا٤ في قومه حتى هلك٥.
وعن أبي عثمان النهدي، عن صبيغ، أنه سأل عمر عن المرسلات، والذاريات، والنازعات، فقال له عمر: " [ضع] ٦ ما على رأسك فإذا / [٧٧ / أ] له ظفران٧، قال: "لو وجدتك محلوقًا لضربت الذي فيه عيناك"، ثم كتب إلى أهل البصرة: أن لا تجالسوه، قال أبو عثمان:
_________________
(١) ١ حسر عن ذراعيه: أي: أخرجهما من كميه. (لسان العرب ٤/١٨٧) . ٢ القِتْب، والقَتْب: إكاف البعير. (لسان العرب ١/٦٦٠) . ٣ صَبِيغ - بوزن عظيم - ابن عسل، ويقال: ابن عسيل الحنظلي، سأل عمر عن متشابه القرآن، واتهمه عمر برأي الخوارج، توفي في خلافة معاوية. (الإصابة ٣/٢٥٨، تاريخ دمشق ٨/٢٣٣) . ٤ في الأصل: (ضيعًا) . ٥ اللالكائي: شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٤/٦٣٤، ٦٣٥، ابن عساكر: تاريخ دمشق ج ٨ ق ٢٣٢، ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٤، ابن حجر: الإصابة ٣/٢٥٨، وعزاها إلى (ابن الأنباري)، وصحح إسنادها. ٦ سقط من الأصل. ٧ في المناقب: (ظفيرتان) .
[ ٢ / ٥٣٣ ]
"فكان لو أتانا، ونحن مئة لتفرقنا عنه"١.
وعن إبراهيم التيمي٢، قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يقال له: "صبيغ"، فسأل عن: النازعات، والمرسلات، وأشباههما، وعليه برنس، فقال عمر بقضيبه فرفع البرنس فإذا شعر، فقال لو كنت محلوقًا لضربت عنقك ثم كتب إلى أهل البصرة: لا تجالسوه ولا تبايعوه، قال: فمكث حولًا حتى أصابه الجهد، فقام إلى أسطوانة٣ من أساطين المسجد فاستغاث، وروجع عمر ﵁ فكتب: أن لا تخالطوه، وكونوا منه على حذر"٤.
وعن قيس بن أبي حازم، قال: "جاء رجل إلى عمر بن الخطاب يسأله، قال: "جئت أطلب العلم"، قال: "بل جئت تبتغي الضلالة"، ثم كشف عن رأسه فوجده ذا شعر، فقال: "لو كنت محلوقًا لضربت عنقك"٥.
وعن سعيد بن المسيب، قال: "جاء صَبيغ التميمي إلى عمر فقال: "يا أمير المؤمنين، أخبرني عن ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا﴾ [الذاريات: ١]، قال: هي الريح، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته، قال: أخبرني عن ﴿فَالحَامِلاَتِ وِقْرًا﴾ [الذاريات: ٢]، قال: "السحاب، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته"، قال: "فأخبرني عن ﴿فَالمُقَسِّمَاتِ أمْرًا﴾ [الذاريات: ٥]، قال: "وهي الملائكة، ولولا أني سمعت رسول الله ﷺ يقوله ما قلته"، قال: "فأمر به
_________________
(١) ١ ابن عساكر: تاريخ دمشق ج ٨ / ق ٢٣٣، ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٥، ابن حجر: الإصابة ٣/٢٥٨، وعزاه للخطيب وابن عساكر. ٢ إبراهيم بن يزيد التيمي. ٣ الأسطوانة - بالضم -: السارية. (القاموس ص ١٥٥٥) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٥، وهو ضعيف لانقطاعه بين إبراهيم التيمي وعمر. ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٥، بدون إسناد.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
عمر فضرب مئة، وجعل في بيت فإذا برأ دُعي فضرب مئة أخرى، ثم حمله على قتب، وكتب إلى أبي موسى الأشعري حرم على الناس١ مجالسته٢، فلم يزل كذلك، حتى أتى أبا موسى، فحلف له بالأيمان المغلظة ما يجد في نفسه، مما كان شيئًا، فكتب في ذلك إلى عمر، فكتب إليه: ما أخاله إلا قد صدق، فخلّ بينه وبين مجالس الناس".
عن الزهري، أن عمر بن الخطاب ﵁ جلد صبيغًا التميمي عن مساءلته عن حروف القرآن، حتى اضطربت الدماء في ظهره"٣.
_________________
(١) ١ في تاريخ ابن عساكر والمناقب وعقيدة السلف: (مجالسة) . ٢ البزار كما في تفسير ابن كثير ٧/٣٩١، الصابوني: عقيدة السلف أصحاب الحديث ص ٥١، ٥٢، ابن عساكر: تاريخ دمشق ج ٨ ق ٢٣١، الأصفهاني: سير السلف ص ١٧٩، ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٥، الهيثمي: مجمع الزوائد ٧/١١٢، ١١٣، وقال: "رواها البزار وفيه أبو بكر بن أبي سبرة وهو متروك". ابن حجر: الإصابة ٣/٢٥٨، وعزاها إلى الدارقطني في الإفراد وأعلها بأبي بكر بن أبي سيرة، وقال: "وهو ضعيف، والراوي عنه أضعف منه". وقال ابن كثير: "قال البزار: "وأبو بكر ابن أبي سيرة لين، وسعيد بن سلام ليس من أصحاب الحديث". وقال ابن كثير: "هذا الحديث ضعيف رفعه، وأقرب ما فيه أنه موقوف على عمر، فإن قصة صبيغ ابن عسل مشهورة مع عمر، وإنما ضربه لأنه ظهر من أمره فيما يسأل تعنتًا وعنادًا، والله أعلم". تفسير ابن كثير ٧/٣٩١) . وقال الآجري في الشريعة ص ٧٤: "فإن قال قائل: فمن سأل عن تفسير: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا. فَالحَامِلاَتِ وِقْرًا﴾، استحق الضرب والتنكيل به والهجر، قيل له: لم يكن ضرب عمر ﵁ له بسبب هذه المسألة، ولكن لما بلغ عمر ﵁ ما كان يسأل عنه من متشابه القرآن من قبل أن يراه، علم أنه مفتون قد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه، وعلم أن اشتغاله بطلب علم الواجبات من علم الحلال والحرام أولى به، وتطلب علم سنن رسول الله ﷺ أولى به، فلما علم أنه مقبل على ما لا ينفعه، سأل عمر ﵁ ربّه أن يمكّنه حتى ينكل به، وحتى يحذر غيره، لأنه راعٍ يجب تفقد رعيته، في هذا وفي غيره، فأمكنه الله عزوجل منه". اهـ. ٣ تاريخ دمشق ٨/٢٣٢، عن الزهري عن أنس، ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٦، وابن حجر في الإصابة ٣/٢٥٨، ونسبه للخطيب وابن عساكر.
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وعن الحسن١ أن عمران بن حصين أحرم من البصرة فقدم على عمر فأغلظ له ونهاه عن ذلك، فقال: "يتحدث الناس أن رجلًا من أصحاب محمّد ﷺ أحرم من مصرٍ من الأمصار"٢.
وعن نافع٣ أن عمر ﵁ رأى على طلحة بن عبيد الله٤ ثوبين ممشقين٥، فقال: "ما هذا؟ "، فقال: "إنما هو طين"، فقال: "إنكم أصحاب محمّد ﷺ يقتدى بكم وينظر إليكم"٦.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني، عن أبي وائل٧، قال: كنت جالسًا على كرسي شيبة بن عثمان٨ في الكعبة، فقال: لقد جلس هذا المجلس عمر، فقال: "لقد هممت أن لا أدع فيه صفراء ولا بيضاء [إلا قسمتها"، فقلت: "ما كنت لتفعل"، قال:
_________________
(١) ١ البصري. ٢ ابن قدامة: المغني ٥/٦٧، وعزاه لسعيد بن منصور، ابن الجوزي: مناقب ص ١٢٦، والهيثمي: مجمع الزوائد ٣/٢١٦، ٢١٧، وقال: "رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح، إلا أن الحسن لم يسمع من عمر". ٣ مولى ابن عمر. ٤ في الأصل: (عبد الله)، وهو تحريف. ٥ المِشْق، والمَشْق: طين يصبغ به الثوب، يقال: ثوب مُمَشّق. (لسان العرب١٠/٣٤٥) . ٦ ابن سعد: الطبقات ٣/٢١٩، ٢٢٠، وأورده بإسنادين: الأوّل فيه فليح بن سليمان صدوق كثير الخطأ، والثاني فيه محمّد بن إسحاق عنعن وهو مدلس. (التقريب رقم: ٥٤٤٣، ٤٧٥٢)، وابن الجوزي: مناقب ص ١٢٦. ٧ شقيق بن سلمة. ٨ شيبة بن عثمان بن أبي طلحة القرشي العبدي، حاجب الكعبة، توفي سنة تسع وخمسين. وقيل: في خلافة يزيد بن معاوية. (الإصابة ٣/٢١٨) .
[ ٢ / ٥٣٦ ]
"ولِمَ؟ "، قلت: "إن صاحبيك لم يفعلا"، قال: "هما المرآن أقتدي بهما"] ١٢.
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين مطموس في الأصل، والتصويب من سير السلف. ٢ أبو القاسم: سير السلف ص ١٥٨، وأحمد: المسند ٣/٤١٠، وإسناده صحيح، والطبراني في: المعجم الكبير ٧/٣٠٠.
[ ٢ / ٥٣٧ ]