الباب التاسع والثلاثون: في ذكر اهتمامه برعيته وملاحظته لهم
ذكر ابن الجوزي عن الشعبي قال: "سمع الناس قول عمر ﵁ ورأوا عمله، وكان يمشي في الأسواق ويطوف في الطرقات، ويقضي بين الناس في قبائلهم، ويعلمهم في أماكنهم، ويخلف الغزاة في أهليهم، ذكروا أبا بكر والنبي ﷺ فقالوا: "كان النبي ﷺ أعلم بأبي بكر ﵁، وأبو بكر أعلم بعمر، فكان أبو بكر مع لينه أقواهم فيما لانوا عنه، وألينهم فيما ينبغي، وكان عمر ألينهم فيما ينبغي، وأقواهم على أمرهم"١.
وعن ابن شهاب٢، قال: "قال ثعلبة بن أبي مالك٣: "قسم عمر مروطًا٤ بين نساء أهل المدينة، فبقي منها مرط جيد، فقال له بعض من حضر: "يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ التي عندك"، يريدون أمّ كلثوم بنت عليّ٥ ﵁، فقال: "أمّ سليط٦ أحق به، فإنها ممن بايع رسول الله ﷺ وكانت تزفِر٧ للناس القِرَبَ يوم أحد"٨.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٦٦، ٦٧، وهو منقطع. ٢ محمّد بن مسلم. ٣ القرظي، حليف الأنصار، المدني، مختلف في صحبته، وقال العجلي: "تابعي ثقة" (التقريب ص ١٣٤) . ٤ المرط، بالكسر: كساء من صوف أو خزّ. (القاموس ص ٨٨٧) . ٥ الهاشمية، أمّها فاطمة بنت رسول الله ﷺ ولدت في عهد النبي ﷺ. (الإصابة ٨/٢٧٥) . ٦ الأنصارية، بايعت النبي ﷺ وحضرت معه يوم أحد، وهي والدة أبي سعيد الخدري. (الإصابة ٨/٢٤٢) . ٧ قال البخاري: " تخيط"، وفي لسان العرب ٤/٣٢٥: "تحمل". ٨ البخاري: الصحيح، كتاب الجهاد ٣/١٠٥٦، رقم: ٢٦٢٥.
[ ١ / ٣٥٤ ]
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "خرجت مع عمر ﵁ إلى السوق، فلحقته امرأة شابة، فقالت: "يا أمير المؤمنين هلك زوجي وترك صبية صغارًا، ما يُنضِجون كراعًا١، ولا لهم زرع ولا ضرع، وخشيت عليهم الضيع، وأنا ابن خفاف بن إيماء الغفاري٢، وقد شهد أبي الحديبية مع رسول الله ﷺ فوقف معها ولم يمضِ، وقال: "مرحبًا بنسب قريب"، ثم انصرف إلى بعير ظهيرٍ٣ كان مربوطًا في الدار، فحمل عليه غرارتين٤ ملأهما طعامًا، وجعل بينها نفقة وثيابًا، ثم ناولها خطامًا، قال: "اقتاديه فلن يفنى هذا حتى يأتيكم الله بخير". فقال رجل: (يا أمير المؤمنين أكثرت لها؟ " فقال عمر: "ثكلتك أمّك، والله إني رأيت أبا هذه وأخاها قد حاصرا حصنًا زمانًا فافتتحناه٥ ثم أصبحنا نستقي سُهْمَانَهُما فيه".
وقولها: "الضيع"، بياء مثناة من تحت٦، ووجدت بعضهمم ضبطها: (بباء)، موحدة من تحت٧.
وفي الصحيح: (ففتحاه) ٨.
_________________
(١) ١ أي: ليس عندهم كراع، حتى ينضجوه، والكراع: ما دون الكعب من الدواب. أو لا يكفون أنفسهم معالجة ما يأكلونه. (انظر: فتح الباري ٧/٤٤٦) . ٢ إمام بني غفار وخطيبهم وشهد الحديبية، توفي في خلافة عمر. (الإصابة ٢/١٣٨) . ٣ بعير ظهير: أي قوي الظهر معد للحاجة. (فتح الباري ٧/٤٤٦، وانظر: لسان العرب ٤/٥٢٠) . ٤ الغرارة: الجوالق واحدة الغرائر. (لسان العرب ٥/١٨) . ٥ رواية: (فافتتحناه)، لم أجدها. ولفظ الصحيح: (ففتحناه) . ٦ أي: التلف والهلاك. (انظر: القاموس ص ٩٥٩) . ٧ الضّبع: السنة المجدبة. (القاموس ص ٦٥٦) . ٨ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٢٧، رقم: ٣٩٢٨.
[ ١ / ٣٥٥ ]
وفي الصحيح عن عامر قال: "كان [ابن] ١ عمر إذا حيّا ابنَ جعفر٢ قال: "السلام عليك يا ابن ذي الجناحين"٣.
وذكر ابن الجوزي عن الأوزاعي: "أن عمر خرج في سواد الليل فرآه طلحة٤ ﵁ فذهب عمر فدخل بيتًا ثم دخل بيتًا آخر، فلما أصبح طلحة ذهب إلى ذلك البيت فإذا بعجوز عمياء مقعدة، فقال لها ما بال هذا الرجل يأتيك؟ "، قالت: "إنه يتعاهدني منذ كذا وكذا، يأتيني بما يصلحني، ويخرج عني الأذى". / [٤٢ / أ] فقال طلحة: "ثكلتك أمك عثرات عمر تتبع"٥.
وعن نافع عن ابن عمر قال: قدمت رفقة من التجار ونزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف ﵁: "هل لك أن نحرسهم الليلة [من] ٦ السَّرْقِ؟ "، فباتا يحرسانهم ويصليان ما كتب لهما، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه، فقال لأمه: "اتقي الله وأحسني إلى صبيك"، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان من آخر الليل سمع بكاءه، فأتى أمه فقال: "ويحك، إني لأراكِ أم سوء، مالي أري ابنك لا يقرّ منذ الليلة؟ "، قالت: "يا عبد الله قد أبرمتني منذ الليلة، إني
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ عبد الله بن جعفر الهاشمي، أحد الأجواد، له صحبة، توفي سنة ثمانين. (التقريب ص ٢٩٨) . ٣ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٥٥، رقم: ٤٠١٦. ٤ طلحة بن عبيد الله. ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ٦٨، والحدائق ص ٣٦٤، وأبو نعيم: الحلية ١/٤٨، وهو ضعيف لإعضاله. ٦ سقط من الأصل.
[ ١ / ٣٥٦ ]
أريغه١ عن الفطام [فيأبى"، قال: "ولِمَ؟ "، قالت: "لأن عمر لا يفرِض إلا للفطمِ"، قال: "وكم له؟ "، قالت:] ٢ "كذا وكذ شهرًا"، قال: "ويحك لا تعجليه"، فصلى الفجر وما يستبين الناس قراءته من غلبة البكاء، لما سلم قال: "يا بؤسًا لعمر كم قتل من أولاد المسلمين؟ "، ثم أمر مناديًا فنادى: "أن لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام فإنا نفرض لكل مولود٣ في الإسلام". وكتب بذلك إلى الآفاق، أن يفرض لكل مولود في الإسلام"٤.
وعن عبد الله بن عباس - ﵄ -: "أن عمر خرج إلى الشام، حتى إذا كان بسرغ٥ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه - ﵃ - فأخبروه أن الوباء٦ قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم: "خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه"، وقال بعضهم: "معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء". قال: "ارتفعوا، ثم قال: ادع لي الأنصار"، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا
_________________
(١) ١ أريغه عن الفطام: أديره عليه وأريده منه. (لسان العرب ٨/٤٣١) . ٢ سقط من الأصل. ٣ في الأصل: (ملولولد)، وهو تحريف. ٤ ابن سعد: الطبقات٣/٣٠١، أبو عبيد: الأموال ص٢٤٨، ابن زنجوية: الأموال٢/٥٢٨، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢٤٠، محب الدين الطبري: الرياض النضرة ٢/٣٨٩، ابن الجوزي: مناقب ص ٦٨، كلهم من طريق يحيى بن المتوكل المدني، وعبد الله بن نافع مولى ابن عمر وهما ضعيفان. (التقريب ص ٣٢٦، ٥٩٦) . ٥ سرغ: قرية أوّل الشام، وآخر الحجاز، في وادي تبوك بينها وبين المدينة ثلاث عشرة مرحلة. (معجم البلدان ٣/٢١١) . ٦ أي: الطاعون. (انظر: فتح الباري ١٠/١٧٨) .
[ ١ / ٣٥٧ ]
سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: "ارتفعوا، ثم قال: ادع من كان من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح"، فدعوتهم فلم يختلف عليّ منهم رجلان"، فقالوا: "نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء".
فنادى عمر بالناس: إني مُصَبِّحٌ على ظهر فأصبحوا [عليه] ١، فقال أبو عبيدة بن الجراح: "أفرارًا من قدر الله تعالى؟ "، فقال عمر: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!، نعم. نفر من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديًا له عدوتان، إحداهما خَصْبَةٌ والأخرى جَدْبَةٌ، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟، قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبًا٢ في بعض حاجته فقال: "إن عندي في هذا علمًا سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم٣ به في أرض فلا تقدموا عليها، وإن وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه"، فحمد الله عمر ثم انصرف"٤.
وفي الصحيحين عن ابن عباس أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء [قد وقع] ٥ / [٢٤ / ب] بأرض الشام، فقال ابن عباس قال عمر: "ادع لي المهاجرين الأوّلين"، فدعاهم، فاستشارهم، وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا فقال بعضهم: (قد خرجت لأمر لا نرى أن ترجع عنه"،
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ في الأصل: (مغبيًا)، وهو تحريف. ٣ في الأصل: (سمعت)، وهو تحريف. ٤ تكرر هذا الحديث في هذا الموضع مرتين، وانظر تخريجه في الحديث الآتي بعده. ٥ سقط من الأصل.
[ ١ / ٣٥٨ ]
وقال بعضهم: "معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ولا نرى أن تُقدمهم على هذا الوباء".
فقال: "ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي الأنصار، فدعوتهم فاستشارهم، فسلكوا بسبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: "ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لي من كان ها هنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان، فقالوا: "نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء".
فنادى في الناس: "إني مصبح على ظهر فأصبحوا عليه"، فقال أبو عبيدة: "أفرارًا من قدر الله؟ "، قال عمر: "لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!. نعم. من قدر الله إلى قدر الله، أريت لو كان لك إبل هبطت واديًا له عدوتان إحداهم خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وكان متغيبًا في بعض حاجته، فقال: "إن عندي في هذا علمًا، سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فرارًا منه". قال: فحمد الله عمر، ثم انصرف"١.
وفي الصحيح عن ابن عباس قال: "كان عمر يدخلني مع أشياخ بدر، فقال بعضهم: "لِمَ تدخل هذا الفتى معنا ولنا أبْناء مثله؟، فقال: إنه ممن قد علمتم". قال: فدعاهم ذات يوم ودعاني معهم، قال: وما رأيته دعاني يومئذٍ إلا ليُريَهم مني، فقال: ما تقولون في: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجًا﴾ [النصر: ١-٢]، حتى ختم السّورة، فقال
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب الطب ٥/٢١٦٣، رقم: ٥٣٩٧، مسلم: الصّحيح، كتاب السلام ٤/١٧٠، رقم: ٢٢١٩.
[ ١ / ٣٥٩ ]
بعضهم: "أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا". وقال بعضهم: "لا ندري"، ولم يقل شيئًا، فقال: "يا ابن عباس أكذاك تقول؟ "، قلت: لا. قال: "فما تقول؟ "، قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللهِ وَالفَتْحُ﴾، [النصر: ١]، فتح مكة، فذاك علامة أجلك، ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرُهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَابًا﴾ [النصر: ٣] . قال عمر: "ما أعلم منها إلا ما تعلم"١.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه قال: "خرجنا مع عمر بن الخطاب ﵁ إلى حرة واقم٢ حتى إذا كنا بصرار٣، إذا نار قال: "يا أسلم إني أرى ها هنا ركبًا قصر بهم٤، الليل والبرد، انطلق بنا". فخرجنا نهرول حتى دنونا منهم، فإذا بامرأة معها صبيان صغار، وقدر منصوبة على نار، وصبيانها يتضاغون٥، فقال عمر: "السلام عليكم يا أصحاب الضوء"، - وكره أن يقول: يا أصحاب النار - فقالت: "وعليكم السلام"، فقال: "أدنو؟ "، فقالت: "ادن بخير أو ادع"، فدنا منها، فقال: "ما بالكم؟ "، قالت: "قصر بنا الليل والبرد"، قال: "وما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ "، قالت: "الجوع"، قال: "وأي شيء في هذه القدر؟ "، قالت: "ماء أُسَكِّتهم به حتى يناموا، والله بيننا وبين عمر"، قال: "أي رحمك الله، وما يدري عمر بكم! "، قالت: "يتولى أمرنا ثم يغفل عنا"، قال: فأقبل علي،
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح، كتاب المغازي ٤/١٥٦٣، رقم: ٤٠٤٣. ٢ واقم: أطم من آطام المدينة، وحرة واقع مضافة إليه، وتعرف اليوم حرته بحرة المدينة الشرقية. (معجم البلدان ٥/٣٥٤، ومعجم معالم الحجاز ٩/١١٢) . ٣ صرار: موضع على ثلاثة أميال من المدنية على طريق العراق. (معجم البلدان٣/٣٩٨، معجم معالم الحجاز ٥/١٣٨) . ٤ قصر به: أي: حسه. (لسان العرب ٥/٩٩) . ٥ التضاغي: الصياح والبكاء. (لسان العرب ١٤/٤٨٥) .
[ ١ / ٣٦٠ ]
فقال: "انطلق بنا"، فخرجنا نهرول حتى أتينا دار الدقيق، فأخرج عدلًا١ من دقيق وكُبة٢ من شحم، فقال: "احمله عليّ"، فقلت: أنا أحمله عنك، فقال: "أنت تحمل وزري يوم القيامة، لا أم لك! "، فحملته عليه، فانطلق وانطلقت معه إليها نهرول، فألقى ذلك عندها، وأخرج من الدقيق شيئًا، فجعل يقول لها: "ذُرّي عليّ، وأنا أحرّك لك"، وجعل ينفخ تحت القدر ثم أنزلها، فقال: "ابغني شيئًا"، فأتته بصحفة فأفرغها فيها، فجعل يقول لها: "أطعميهم، وأنا أسطّح٣ لهم".
فلم يزل حتى شبعوا وترك عندها فضل ذلك، وقام وقمت معه، فجعلت تقول: "جزاك الله خيرًا كنت بهذا الأمر أولى من أمير المؤمنين"، فيقُولُ: "قولي خيرًا، وإذا جئت أمير المؤمنين وجدتيني هناك إن شاء الله". ثم تنحى ناحية عنها ثم استقبلها فربض مربضًا، فقلت: ألك شأن غير هذا؟ فلا يكلمني حتى رأيت الصبية يصطرعون ثم ناموا وهدءوا، فقال: "يا أسلم إن الجوع أسهرهم وأبكاهم، فأحببت أن لا أنصرف حتى أرى ما رأيت"٤. / [٤٣ / أ] .
_________________
(١) ١ العدل: نصف الحِمْل. (القاموس ص ١٣٣٢) . ٢ الكبّ: الشيء المجتمع من تراب وغيره. (لسان العرب ١/٦٩٦) . ٣ أسطّح لك: أي: أبْسطه حتى يبرد. (لسان العرب ٢/٤٤٨) . ٤ أحمد: فضائل الصحابة ١/٢٩٠، الطبري: التاريخ ٤/٢٠٥، كلاهما من طريق عبد الله بن مصعب بن ثابت الزبيري ذكره ابن حبان في الثقات، وكان مالك إذا ذكره قال: "المبارك"، قال أبو حاتم: "هو شيخ"، وقال الخطيب: "كان محمودًا في ولايته جميل السيرة مع جلالة قدره وعظم شرف". وضعّفه ابن معين. (الجرح٥/١٧٨، والثقات ٧/٥٦، تاريخ بغداد ١٠/١٧٣، الميزان ٢/٥٠٥) . وربيعة بن عثمان الهدير، له أوهام. (التقريب ص ٢٠٧) .
[ ١ / ٣٦١ ]
وعن [عبد الله بن] ١ زيد بن أسلم٢ عن أبيه عن جده، قال: "كان عمر ﵁ يصوم الدهر، فكان عام الرمادة٣ إذا أمسى أتى بخبز قد ثرد بالزيت، إلى أن نحر يومًا من الأيام جزورًا، فأطعمها الناس، وغرفوا له طيبها، فَأُتِي به فإذا قدر من سنام ومن كبد، فقال: "أنى هذا؟ "، قالوا: "يا أمير المؤمنين من الجزور التي نحرنا اليوم"، قال: "بَخْ بَخْ، بئس الوالي أنا إن أكلت طيبها وأطعمت الناس كراديسها٤، ارفع هذه الصحفة، هات لنا غير هذا الطعام"، فأتي بخبز وزيت، فجعل يكسره بيده ويثرد ذلك الزيت، ثم قال: "ويحك يا يرفأ٥! احمل هذه الجفنة حتى تأتي بها أهل بيت بثمغ٦، فإني لم آتهم منذ ثلاثة أيام، وأحْسبهم مقفرين، فضعها بين أيديهم"٧وعن عوف بن الحارث٨ عن أبيه٩ قال: "إنما سمي عام الرمادة
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ العدوي: صدوق فيه لين، توفي سنة أربع وستين ومئة. (التقريب ص ٣٠٤) . ٣ عام الرمادة: الهلاك، وسمي عام الرمادة بهذا الاسم؛ لأن الناس هلكوا فيه كثيرًا، وقيل: لجدب تتابع فصيّر الأرض والشجر مثل لون الرماد. والأوّل أجود. وكان سنة ثمان عشرة. (تاريخ خليفة ص ١٣٨، لسان العرب ٣/١٨٦) . ٤ في الأصل: (كراديشها)، وهو تصحيف. والكراديس: عظِام مَحال البعير. (لسان العرب ٦/١٩٥) . ٥ حاجب عمر، أدرك الجاهلية، وحج مع عمر في خلافة أبي بكر. (الإصابة ٦/٣٥٨) . ٦ موضع مال لعمر وقفه بالمدينة. (معجم معالم الحجاز ٢/٨٨) . ٧ ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٢، ومن طريقه البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢٩٤، وفيه الواقدي، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ٧١، ومحب الدين الطبري: الرياض النضرة ٢/٣٨٥. ٨ الأزدي، مقبول من الثالثة. (التقريب ص ٤٣٣) . ٩ الحارث بن الطُّفيل الأزدي.
[ ١ / ٣٦٢ ]
لأن١ الأرض كلها صارت سوداء، فشبهت بالرماد وكانت تسعة أشهر"٢.
قال ابن سعد٣: "ونظر عمر عام الرمادة٤ إلى بطيخة٥ في يد بعض ولده فقال: "بَخْ بَخْ يا [ابن] ٦ أمير المؤمنين، تأكل الفاكهة وأمة محمّد هزلى؟ "، فخرج الصبي هاربًا وبكى، فقالوا: "اشتراها بكفنوى"٧.
قال ابن سعد٨: "قال عياض بن خليفة٩: "رأيت عمر عام الرمادة١٠ وهو أسود اللون، ولقد كان رجلًا عربيًا١١ يأكل السمن واللبن فلما أمحل الناس حرّمها فأكل الزيت حتى غير لونه وجاع فأكثر"١٢.
وعن أسلم١٣ قال: "كنا نقول: لو لم يرفع الله تعالى المحل عام الرمادة لظننا أن عمر يموت همًّا بأمر المسلمين"١٤.
وعن عبد الله بن عمر - ﵄ - قال عام الرمادة وكانت سنة
_________________
(١) ١ في الأصل: (لأنها)، وهو تحريف. ٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٠، وفيه الواقدي، ابن الجوزي: مناقب ص ٧١. ٣ محمّد بن سعد. ٤ في الأصل: (الرماد)، وهو تحريف. ٥ البطيخ: الذي لا يعلو ولكن يذهب على وجه الأرض. ابن الجوزي: مناقب ص ٧٠. ٦ سقط من الأصل. ٧ ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٥، وفيه الواقدي، ابن الجوزي: مناقب ص ٧٠. ٨ في الأصل: (ابن مسعود)، وهو تحريف. ٩ عياض بن خليفة مقبول. (التقريب ص ٤٣٧) . ١٠ في الأصل: (الرماد)، وهو تحريف. ١١ في الأصل: (أعرابيًا)، وهو تحريف. ١٢ ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٤، وفيه الواقدي، ابن الجوزي: مناقب ص ٧١. ١٣ العدوي. ١٤ ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٥، وفيه الواقدي، ابن الجوزي: مناقب ص ٧١.
[ ١ / ٣٦٣ ]
شديدة ملحة١، وبعدما اجتهد في إمداد الأعراب بالإبل والقمح والزيت من الأرياف كلها حتى محلت٢ الأرياف كلها جهدها ذلك [فقام] ٣ عمر يدعو فقال: "اللهم ارزقهم على رؤوس الجبال"، فاستجاب الله له وللمسلمين، فقال حين نزلت الغيث: "الحمد لله، فوالله لو أن الله تعالى لم يفرجها ما تركت أهل بيت من المسلمين لهم سعة إلا أدخلت عليهم معهم عدادهم من الفقراء، فلم يكن اثنان يهلكان من الطعام على ما يقيم واحدًا"٤.
وعن ابن طاووس٥ عن أبيه، قال: "أجدب الناس على عهد عمر فما أكل سمينًا ولا سمنًا حتى أكل الناس"٦.
وعن يحيى بن سعيد٧، قال: "اشترت امرأة عمر بن الخطاب لعمر فرْقًا٨ من سمن بستين درهمًا، فقال عمر: "ما هذا؟ "، فقالت امرأة: "هو من مالي ليس من نفقتك"، فقال عمر: "ما أنا بذائقه حتى يحيى الناس"٩.
_________________
(١) ١ أي: باردة. (القاموس ص ٣١٠) . ٢ في الأصل: (ثلجت) . ٣ سقط من الأصل. ٤ الخبر بأخصر، وبنحوه في ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٦، وإسناده صحيح، والبلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢٩٦، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ٧١. ٥ عبد الله بن طاووس اليماني، ثقة فاضل عابد، توفي سنة اثنتين وثلاثين ومئة. (التقريب ص ٣٠٨) . ٦ ابن سعد: الطبقات ٣/٣١٣، البلاذري: أنساب الأشراف (الشيخان: أبو بكر وعمر) ص ٢٩٦، ابن الجوزي: مناقب ص ٧١، وإسناده منقطع؛ لأن طاووس لم يدرك عمر، وفيه الواقدي. ٧ الأنصاري. ٨ الفرْق: مكيالٌ بالمدينة يسع ثلاثة آصع. (القاموس ص ١١٨٣) . ٩ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٢، محب الدين: الرياض النضرة ١/٣٨٦، وهو ضعيف لإعضاله.
[ ١ / ٣٦٤ ]
وعن ابن أبي مليكة١ قال: قال أبو محذورة٢: "كنت جالسًا عند عمر إذ جاء صفوان بن أمية٣ بجفنة٤ يحملها نفر في عباءة، فوضعها / [٤٣/ب] بين يدي عمر، فدعا عمر ناسًا مساكين وأرقاء من أرقاء الناس حوله فأكلوا معه، قال عند ذلك: "فعل الله بقوم، أو قال: لحا الله قومًا يرغبون عن أرقائهم أن يأكلوا معهم"، فقال صفوان بن أمية: "أما والله لا نرغب عنهم! ولكنا نستأثر عليهم، ولا نجد من الطعام الطيب ما نأكل ونطعمهم"٥.
وعن محمّد بن زياد٦، قال: "كان جدي مولى لعثمان بن مظعون٧ - ﵀ - وكان يلي أرضًا لعثمان فيها بقل وقثاء، قال: "فربما أتاني عمر بن الخطاب نصف النهار، واضعًا ثوبه على رأسه يتعاهد الحمى٨ أن يعضد شجره، ولا يخبط، قال: فيجلس إليّ فيحدّثني فأطعمه من القثاء والبقل، قال: فقال لي يومًا: "أراك لا تبرح مما هنا؟ "، قال: قلت: أجل، قال: "إني أستعملك على ما ههنا فمن رأيته يعضد
_________________
(١) ١ عبد الله بن عبيد الله التيمي. ٢ أوس بن لوذان الجمحي المكي المؤذن، صحابي مشهور، توفي سنة تسع وخمسين، وقيل: بعد ذلك. (التقريب ص ٦٧١) . ٣ صفوان بن أمية الجمحي، صحابي من المؤلفة، توفي أيام قتل عثمان، وقيل: في أوائل خلافة معاوية. (التقريب ص ٢٧٦) . ٤ الجفنة: القصعة. (القاموس ص ١٥٣١) . ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٢، والمحب الطبري: الرياض النضرة ١/٣٨٦. ٦ محمّد بن زياد الجمحي مولاهم، المدني، ثقة ثبت ربما أرسل من الثالثة. (التقريب ص ٤٧٩) . ٧ الجمحي. ٨ الحِمَى: بالكسر والقصر: هو ما حماه النبي ﷺ وأبو بكر ثم زاده عمر وعثمان لنعم الصدقة، والخيل المعدة في سبيل الله، والأحمية هي حمى الربذة، وحمى ضربة، وحمى النقيع وغيرها. (معجم البلدان ٢/٣٠٧، ومعجم معالم الحجاز ٣/٥٣) .
[ ١ / ٣٦٥ ]
شجرة، أو يخبط، فخذ فأسه". قال: قلت: آخذ رداءه؟، قال: "لا"١.
قلت: "في هذا الحديث جواز الأكل من الناظر والعبد والأجير ونحوهم، ولعله يستأذن صاحب الشيء، وكذا من الراعي، وفي ذلك قصة أبي بكر لما ارتحل هو والنبي ﷺ"٢.
وعن سعيد بن المسيب: أن عمر ﵁ ردّ نسوة من البيداء خرجن محرمات في عدتهن٣٤.
وعن الفضل بن عَميرة٥: أن الأحنف بن قيس٦ قدم على عمر ابن الخطاب في وفد من العراق فقدموا عليه في يوم شديد الحرّ، وهو محتجز بعباءة يهنأ بعيرًا من إبل الصدقة، فقال: "يا أحنف ضع ثيابك، وهلم فأعن أمير المؤمنين على هذا البعير، فإنه من إبل الصدقة، فيه حقّ اليتيم والأرملة والمسكين، فقال رجل من القوم: "يغفر الله لك يا أمير المؤمنين، فهلا تأمر عبدًا من عبيد الصدقة فيكفيك؟ "، فقال عمر: "وأي عبد هو أعبد مني ومن الأحنف! إنه من ولي أمر المسلمين يجب عليه لهم ما يجب على العبد لسيّده
_________________
(١) ١ البيهقي: السنن ٥/٢٠٠، وفيه محمّد بن زياد لم أجد له ترجمة. وابن الجوزي: مناقب ص ٧٢، وانظر: ابن قدامة: المغني ٥/١٩٢، والهندي: كنز العمال ٣/٩٢٠. ٢ انظر: البخاري: الصحيح، كتاب المناقب ٣/١٣٢٣-١٣٢٤، وفتح الباري ٦/٦٢٣. ٣ قال ابن قدامة: "ولا تخرج إلى الحجّ في عدّة الوفاة، نص عليه حمد. قال: ولها أن تخرج إليه في عدة الطلاق المبتوت. وذلك لأن لزوم المنزل، والمبيت فيه، واجب في عدة الوفاة، وقدم على الحجّ؛ لأنه يفوت". المغني ٥/٣٥. ٤ مالك: الموطّأ ٣١٥، ابن الجوزي: مناقب ص ٧٢. ٥ الطفاوي: أبو قتيبة البصري، فيه لين، من السادسة. (التقريب ص ٤٤٦) . ٦ التميمي السعدي أبو بحر، اسمه: الضحاك، مخضرم، ثقة، توفي سنة سبع وستين، وقيل: اثنتين وسبعين. (التقريب ص ٩٦) .
[ ١ / ٣٦٦ ]
في النصيحة وأداء الأمانة"١.
وعن زيد بن أسلم قال: أخبرني أبي قال: "كنا نبيت عند عمر أنا ويرفأ، قال: فكانت له ساعة من الليل يصليها وكان إذا استيقظ قرأ هذه الآية: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاَةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا﴾ [طه: ١٣٢]، الآية، حتى إذا كان ذات ليلة قام فصلى ثم انصرف، ثم قال: "قوما فصليا فوالله ما أستطيع أن أصلي ولا أستطيع أن أرقد، وإني لأفتتح السورة فما أدري في أوّلها أنا أم في آخرها"، قلنا: ولِمَ يا أمير المؤمنين؟، قال: "من همي بالناس مذ جاءني هذا الخبر"٢.
وعن أبي عبيدة٣ عن شعيب٤ عن إبراهيم٥، قال: "لما ولي عمر قال لعليّ - ﵄ -: / [٤٤ / أ] "اقض بين الناس، وتجرد للحرب"٦.
وعن حنش بن الحارث٧، قال: "كان الرجل منا تنتج فرسه فينحره ويقول: [أنا] ٨ أعيش حتى أركب هذا؟، فجاءنا كتاب عمر ﵁: "أن أصلحوا ما رزقكم الله، فإن في الأمر تنفيس"٩.
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٣، وفيه الفضل بن عَميرة. ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٣. ٣ عبد الواحد بن واصل السدوسي مولاهم، الحداد، البصري، ثقة تكلم فيه الأزدي بغير حجة. (التقريب ص ٣٦٧) . ٤ شعيب بن الحبْحاب الأزدي مولاهم، ثقة، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئة. (التقريب ص ٢٦٧) . ٥ النخعي. ٦ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٣، وهو ضعيف، لإرساله. ٧ النخعي، الكوفي، لا بأس به، من السادسة. (التقريب ص ١٨٣) . ٨ سقط من الأصل. ٩ وكيع: الزهد ٢/٧٨٥، وإسناده حسن، ومن طريقه هناد: الزهد ٢/٦٥٥، والبخاري: الأدب المفرد ص ١٦٨، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص ٧٣، وصححه الألباني. (صحيح الأدب المفرد ص ١٨٠، ١٨١) .
[ ١ / ٣٦٧ ]
وعن [عبد الله] ١ بن عبيد بن عمير٢، قال بينا الناس يأخذون أعطياتهم بين يدي عمر إذ رفع رأسه فنظر إلى رجل في وجهه ضربة فسأله، فأخبره: أنه أصابته في غزاة كان فيها، فقال: "عُدّوا له ألفًا"، فأعطي ألف درهم، ثم قال: "عدّوا له ألفًا"، فأعطي الرجل ألفًا أخرى، قال له ذلك أربع مرات كل ذلك يعطيه ألف درهم، فاستحيا الرجل من كثرة ما يعطيه فخرج، قال: فسأل عنه فقيل: له "رأينا أنه استحيا من كثرة ما أعطي فخرج"، فقال: "أم والله لو أنه مكث ما زلت أعطيه ما بقي منها درهم، رجل ضرب ضربة في سبيل الله حفرت في وجهه"٣.
وعن [عبد الرحمن بن] ٤ سعيد بن يربوع٥ عن مالك٦: أن عمر بن الخطاب ﵁ أخذ أربع مئة دينار فجعلها في صرة، فقال للغلام: "اذهب بها إلى أبي عبيدة بن الجراح، ثم تَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع"، فذهب بها الغلام، قال: يقول لك أمير المؤمنين: "اجعل هذه في بعض حاجتك"، فقال: "وصله الله ورحمه"، ثم قال: "تعالي يا جارية اذهبي بهذه السبعة إلى فلان، وبهذه الخمسة إلى فلان"، حتى أنفذها، فرجع الغلام
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ عبد الله بن عبيد الليثي والمكي، ثقة من الثالثة، استشهد غازيًا سنة ثلاث عشرة ومئة. (التقريب ص ٣١٢) . ٣ ابن زنجويه: الأموال ٢/٥٧٠، ٥٧١، وإسناده ضعيف؛ لانقطاعه، وابن الجوزي: مناقب ص ٧٤. ٤ سقط من الأصل. ٥ المخزومي، المدني، من الثالثة. (التقريب ص ٣٤١) . ٦ مالك بن عياض مولى عمر، الذي يقال له: مالك الدار، يروي عن عمر، روى عنه أبو صالح السمان. (الثقات ٥/٣٨٤، الإصابة ٦/١٦٤) .
[ ١ / ٣٦٨ ]
إلى عمر وأخبره، فوجده قد عدّ مثلها لمعاذ بن جبل، فقال: "اذهب بها إلى معاذ بن جبل وتَلَهَّ في البيت ساعة حتى تنظر ما يصنع".
فذهب بها إليه فقال: "يقول لك أمير المؤمنين: اجعل هذه في بعض حاجتك"، فقال: "﵀ ووصله، تعالي يا جارية، اذهبي إلى بيت فلان بكذا واذهبي إلى بيت فلان بكذا"، فتطلعت١ امرأة معاذ فقالت: "ونحن والله مساكين فأعطنا"، ولم يبق في الخرقة شيء إلا ديناران فدحا٢ بهما إليها، فرجع الغلام إلى عمر فأخبره، فسّر بذلك وقال: "إنهم إخوة بعضهم من بعض"٣. رضوان الله عليهم.
وعن عدي بن حاتم، قال: "أتيت عمر بن الخطاب في أناس من قومي، فجعل يفرض للرجل من طيء في ألفين ويعرض عني، قال: فاستقبلته فأعرض عني، ثم أتيته في حيال وجهه فأعرض عني، فقلت يا أمير المؤمنين أتعرفني؟ فضحك حتى استلقى على قفاه، ثم قال: "نعم. والله إني لأعرفك، آمنت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيتَ٤ إذ غدروا، وإن أوّل صدقة بيضت وجه رسول الله ﷺ ووجوه أصحابه صدقة طيئ، جئت بها إلى رسول الله ﷺ / [٤٤ / ب]، ثم أخذ يعتذر، ثم قال: "إنما فرضت لقوم أجحفت بهم الفاقة، وهم سادة عشائرهم لما ينوبهم من الحقوق"٥.
_________________
(١) ١ في الحلية، الصفوة: (فاطلعت)، وفي مناقب عمر (فانطلقت) . ٢ دحا: رمى. (لسان العرب ١٤/٢٥٢) . ٣ أبو نعيم: الحلية ١/٢٣٧، وفي إسناده نعيم بن حماد صدوق يخطئ كثيرًا. (التقريب ص ٥٦٤)، وابن الجوزي: الصفوة ١/٤٩١، والمناقب ص ٧٤) . ٤ في الأصل: (وأوفيت) . ٥ أحمد: المسند ١/٢٩٢، وصحّحه أحمد شاكر في تخريجه للمسند رقم: ٣١٦، مسلم: الصّحيح، كتاب فضائل الصحابة ٤/١٩٥٧، رقم: ٢٥٢٣، وذكره ابن حجر في الإصابة ٤/٢٢٩، وقال: "أخرجه أحمد وابن سعد وغيرهما، وبعضه في مسلم".
[ ١ / ٣٦٩ ]
وعن الكلبي١ قال: "بينما عمر ﵁ نائم في المسجد إذ قد وضع رداءه مملوءًا حصى تحت رأسه، إذا هاتف يهتف: يا عمراه، يا عمراه، فانتبه مذعورًا، فغدا إلى الصوت وإذا أعرابي ممسك بخطام بعير، والناس حوله فلما نظر إلى عمر قال الناس: "هذا أمير المؤمنين"، فقال عمر: "من آذاك؟ "، فظن أنه مظلوم، فأنشأ يقول: فذكر أبياتًا يشكو فيها الجدب، فوضع عمر يده على رأسه ثم صاح: "واعمراه، واعمراه، أتدرون ما يقول؟ يذكر جدبًا وإسناتًا٢ وابن أم عمر يشبع ويروي، والمسلمون في جدب وفي أزل٣، من يوصل إليهم من الميرة والتمر ما يحتاجون إليه"، فوجه رجلين من الأنصار ومعهما إبل كثيرة عليها الميرة والتمر فدخلا اليمن فقسما ما كان معهما إلا فضيلة بقيت على بعير، قال: "بينا نحن ماران نريد الانصراف فإذا نحن برجل قائم وقد التفت ساقاه من الجوع يصلي فلما رآنا قطع، وقال: "هل معكما شيء فصببنا يديه وأخبرناه بخبر عمر، فقال: "والله لئن وكلنا إلى عمر لنهلكن"، ثم ترك ما بين يديه وعاد إلى الصلاة، ومد يديه في الدعاء، فما ردّهما إلى نحره حتى أرسل الله السماء"٤.
وعن عبد الرحمن بن أبي بكرة عن أبيه قال: "أتى عمر بخبز وزيت فجعل يأكل منه ويمسح بطنه، ويقول: "والله لتموتن أيها البطن على الخبز
_________________
(١) ١ محمّد بن السائب الكلبي. ٢ أسنتوا: أجدبوا (القاموس ص ١٩٧) . ٣ الأزل: الضيق والشدة. (القاموس ص ١٢٤١) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٥، وهو ضعيف لإعضاله، وفيه الكلبي متهم بالكذب.
[ ١ / ٣٧٠ ]
ما دام السمن يباع بالأواقي"١، ٢.
وعن حيوة بن شريح٣: أن عمر بن الخطاب ﵁ كان إذا بعث أمراء الجيوش أوصاهم بتقوى الله، ثم قال عند عقد الألوية: "بسم الله وعلى عون الله، امضوا بتأييد الله، والنصر ولزوم الحق والصبر، قاتلوا في سبيل الله من كفر بالله، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين، ثم لا تجبنوا عند اللقاء، ولا تُمثلوا عند القدرة، ولا تسرفوا عند الظهور، وتنكلوا عند الجهاد، ولا تقتلوا امرأة ولا هرمًا ولا وليدًا، وتوقوا قتلهم [إذا] ٤ التقى الجمعان، وعند حُمّة النّهْضات٥، وفي شن الغارات، ولا تغلوا٦ عند الغنائم، ونزهوا الجهاد عن عرض الدنيا، وأبشروا بالأرباح في البيع الذي بايعتم به وذلك هو الفوز العظيم"٧.
وعن زيد بن وهب٨ قال: "خرج عمر بن الخطاب ﵁ ذات يوم إلى سوق المدينة، فجعل يقول: "واعمراه، والبيكاه"، فسألنا عن
_________________
(١) ١ الأوقية بالضم، سبعة مثاقيل. (القاموس ص ١٧٣١) . ٢ عبد الله بن أحمد في زوائده على فضائل الصحابة لأحمد ١/٣٣٠، وإسناده صحيح، وابن سعد: الطبقات ٣/٣١٣، وابن أبي شيبية: تاريخ المدينة ٢/٢١٧. ٣ حيوةبن شريح الحضرمي، الحمصي، ثقة، توفي سنةأربع وعشرين ومئة. (التقريب ص١٨٥) . ٤ سقط من الأصل. ٥ حمةالنهضات: أي: شدتها ومعظمها، وحمةكل شيء: معظمه. (لسان العرب١٢/١٥٣) . ٦ الغلول: الخيانة في المغنم والسرق من الغنيمة. (لسان العرب ١١/٥٠٠) . ٧ ابن قتيبة: عيون الأخبار ١/١٠٧، ١٠٨، وابن الجوزي: مناقب ص ٧٦، والهندي: كنز العمال ٥/٦٩٠، ونسبه لكتاب المداراة وهو ضعيف لإعضاله. ٨ الجهني، الكوفي، مخضرم، وثقة جليل، توفي بعد الثمانين، وقيل: ست وتسعين. (التقريب ص ٢٢٥) .
[ ١ / ٣٧١ ]
خبره فقيل: "إن [عاملًا] ١ من عماله أمر رجلًا / [٤٥ / أ] أن ينزل في واد، ينظر كم عمقه، فقال الرجل: "إني أخاف، فعزم عليه فنزل، فلما خرج كَزَّ٢ فمات، فنادى: يا عمراه، فبعث عمر إلى الوالي: "أما إني لولا أخاف أن تكون سنة بعدي لضربت عنقك، ولكن لا تبرح حتى تؤدي ديته، والله لا أوليك أبدًا"٣.
وعن عبد الرحمن بن محمّد٤، ٥ عن أبيه٦ قال: "لما أتي عمر بفتح "تستر" قال: "هل كان شيء؟ "، قالوا: "نعم. رجل ارتد عن الإسلام"، قال: "فما صنعتم به؟ "، قالوا: "قتلناه"، قال: "فهلا أدخلتموه بيتًا وأغلقتم عليه، وأطعمتموه كل يوم رغيفًا فاستتبتموه فإن تاب وإلا قتلتموه"، ثم قال: "اللهم لم أشهد، ولم آمر، ولم أرض، ولم أُسرّ إذ بلغني"٧.
وعن زيد بن أسلم عن أبيه أن أبا عبيدة بن الجراح كتب إلى عمر ابن الخطاب ﵁ فذكر جموعًا من الروم وشدة، وكان يصلي من الليل ثم
_________________
(١) ١ في الأصل: (مل)، وهو تحريف. ٢ الكزازة: اليبس، والانقباض. (القاموس ص ٦٧٢) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٦. ٤ في الأصل: (محمّد بن عبد الرحمن عن أبيه) . ٥ عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الله بن عبدٍ القاري، يروي عن أبيه، روى عنه ابنه يعقوب بن عبد الرحمن الإسكندراني. (التاريخ الكبير ٥/٣٤٦، الثقات ٧/٨٦) . ٦ محمد بن عبد الله بن عبد القادر، يروي عن أبيه عن عمر، روى عنه ابنه عبد الرحمن والزهري (التاريخ الكبير ١/ ١٢٦، والثقات ٧/ ٣٧٤) . ٧ مالك: الموطّأ ص ٤٠٥، الشافعي: المسند ص٣٢١، سعيد بن منصور: السنن٢/٢٢٥، البيهقي: السنن ٨/٣٠٦، وفي إسنادهم عبد الرحمن بن محمّد بن عبد الله، محمّد بن عبد الله بن عبدٍ، لم يوثّقهما غير ابن حبان.
[ ١ / ٣٧٢ ]
يوقظني فيقول: "قم فصلّ فإني لأقوم فأصلي وأضطجع فما يأتيني النوم"، ثم يعود إلى الثنية فيستخبر١.
وعن زيد بن أسلم [عن أبيه] ٢ قال: قلت: لعمر: "إن في الظهر لناقة عمياء"، قال عمر: "ندفعها إلى بيت ينتفعون بها"، قال: قلت: وكيف وهي٣ عمياء؟، قال: "يقطرونها٤ بالإبل"، قال: قلت: كيف تأكل من الأرض؟، قال: "أردتم والله كلها"، قال: وكانت له صفحات تتسع، ولا يأكل طريفة ولا فاكهة إلا جعل منها لأزواج النبي ﷺ وآخر من يبعث إليه حفصة، فإن كان نقصان كان في حقّها، قال: فنحرنا تلك الجزور، فبعث إلى أزواج النبي ﷺ وصنع ما فضل منه ثم دعا عليه المهاجرين والأنصار - ﵃ -"٥.
وعن سعيد بن المسيب أن بعيرًا من المال سقط فأهدى عمر إلى أزواج النبي ﷺ ثم صنع ما بقي وجمع عليه ناسًا من المسلمين، فيهم العباس عم النبي ﷺ فقال العباس: "يا أمير المؤمنين، لو صنعت لنا مثل هذا كل يوم فأكلنا وتحدّثنا عندك"، فقال عمر: "لا عود٦ لمثل هذا، إنه مضى صاحبان لي
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٧. ٢ سقط من الأصل. ٣ في الأصل: (هي) . ٤ قطرها: قرب بعضها إلى بعض على نسق، وجاءت الإبل قِطارًا، بالكسر، أي: مقطورة. (القاموس ص ٥٩٦) . ٥ مالك: الموطّا ص ١٤٠، أحمد: الزهرد ص ١٦٦، من طريق مالك وإسناده صحيح، وابن عساكر: تاريخ دمشق ج١٣/١٣٩، ابن زنجويه: الأموال ٢/٥٦٢) . ٦ في سير السلف: (لا أعود) .
[ ١ / ٣٧٣ ]
فعملا عملًا وسلكا طريقًا، وإني إن عملت بغير عملهما سُلك بي غير طريقهما"١.
وعن أبي سهل بن مالك٢ عن أبيه٣: "أن عمر بن الخطاب قال ليرفأ: "كم تعلفون هذا الفرس؟ "، لفرس كان يرد عليه إبل الصدقة - قال: يرفأ: "ثلاثة أمداد وصاعًا"، قال عمر: "إن كان هذا لكاف أهل بيت من العرب، والذي نفسي بيده ليعالجن غور البقيع"٤.
وعن عبد الملك بن عمير٥٦ قال: قال عمر بن الخطاب ﵁: "من استعمل رجلًا لمودة أو لقرابة لا يستعمله إلا لذلك فقد خان الله ورسوله والمؤمنين"٧.
وعن عمران بن سليم٨ عن عمر بن الخطاب، قال: "من استعمل فاجرًا
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨٨، وإسناده صحيح، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص٧٧، وأبو القاسم الأصبهاني: سير السلف ص ١٩١. ٢ نافع بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو سهيل المدني، ثقة، توفي بعد الأربعين ومئة. (التقريب ص ٥٥٨) . ٣ مالك بن أبي عامر الأصبحي، سمع من عمر، ثقة، توفي سنة أربع وسبعين على الصحيح. (التقريب ص ٥١٧) . ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٧، وبنحوه في أحمد: الزهد ص ١١٥، من طريق آخر، وإسناده حسن فيه عبد الله بن عياش صدوق يغلط. (التقريب ص ٣١٧) . ٥ في الأصل: (عميرة)، وهو تحريف. ٦ عبد الملك بن عمير اللخمي، حليف بني عدي، الكوفي، ثقة، فصيح عالم وربما دلس، توفي سنة ست وثلاثين ومئة. (التقريب ص ٣٦٤) . ٧ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٧، وهو ضعيف لانقطاعه. ٨ الكلاعي قاضي حمص، روى عن يزيد بن ميسرة، روى عنه معاوية بن صالح وحَريز ابن عثمان، قال مكحول: "ما ترك بالشام قاضيًا مثله". (الجرح ٦/٢٩٩، الثقات ٥/٢١٩) .
[ ١ / ٣٧٤ ]
وهو يعلم أنه فاجر، فهو مثله"١.
وعن أبي عِمران الجوني٢، قال: "أهدى أبو موسى الأشعري إلى عمر هدية فيها سلاسل٣ فاستفتح عمر سلة منها، وقال: "ردّه / [٤٥/] رده لا تراه ولا تذوقه قريش، فتتذابح٤ عليه"٥.
وعن أنس بن مالك قال: "كنت عند عمر بن الخطاب فجاءته امرأة من الأنصار فقالت: "أكسني يا أمير المؤمنين"، فقال: "ما هذا أوان كسوتك"، قالت: "والله ما علي ثوب يواريني"، قال: فقام عمر فدخل خزانته فأخرج درْعًا٦ قد خيط أبيض، وجيب٧، وألقاه إليها، وقال: "هذا لبسي، وانظري٨ خَلقَك فارقعيه وخيطه، والبسيه على برمتك وعملك فإنه لجديد لمن لا خَلِقَ له"٩.
وعن عبيد بن عمير١٠: "أن عمر بن الخطاب رأى رجلًا يقطع من شجر الحرم ويعلفه بعيرًا له، قال: "علي بالرجل"، فأتي به، قال: "يا عبد الله
_________________
(١) ١ وكيع: أخبارالقضاة١/٦٩وهو ضعيف لانقطاعه، وأورده ابن الجوزي: مناقب ص٧٧. ٢ عبد الملك بن حبيب الأزدي، مشهور بكنيته ثقة، توفي سنة ثمان وعشرين ومئة. وقيل: بعدها. (التقريب ص ٣٦٢) . ٣ السلة: كالجؤنة المطبقة، والجمع سل وسلال. (لسان العرب ١١/٣٤٢) . ٤ في الأصل: (فتذابح) . ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٨. ٦ الدِرْع: قميص المرأة. (القاموس ص ٩٢٣) . ٧ في مناقب عمر: (وجاءت) . ٨ في الأصل: (أونظري)، وهو تحريف. ٩ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٨. ١٠ الليثي.
[ ١ / ٣٧٥ ]
إن مكة حرام، لا يعضد عضاها١، ولا ينفر صيدها، ولا تحل لقطتها إلا لمعرف". فقال: "يا أمير المؤمنين! ما حملني على ذلك إلا أن معي نضوغًا٢ لي، خشيت أنه لا يبلغّني، وما معي زاد ولا نفقة". قال: "فرق له عمر بعد ما هم به، وأمر له ببعير من إبل الصدقة وبوقره طحينًا فأعطاه إياه، وقال: "لا تعود تقطع [من] شجر الحرم شيئًا"٣.
وعن عبد الله بن المبارك٤، قال: "اشترى عمر بن الخطاب ﵁ أعراض المسلمين من الحطيئة٥ بثلاثة آلاف درهم، فقال الحطيئة:
وأخذت أطراف٦ الكلام فلم تدع شتمًا يضر ولا مديحًا ينفع
ومنعتني عرض٧ البخيل فلم يخف شتمي فأصبح آمنًا لا يفزع٨
وعن إسحاق بن إبراهيم٩، قال: قال الفضيل بن عياض١٠ يوبخ نفسه: "ما
_________________
(١) ١ العضاهة؛ بالكسر: أعظم الشجر، أو الخمط، أو كل ذات شوك، أو ما عظم منها وطال. (القاموس ص ١٦١٣) . ٢ النضوغ، بالكسر: المهزول من الإبل وغيرها. (القاموس ص ١٧٢٦) . ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٨. ٤ المروزي الحنظلي مولاهم، ثقة ثبت فقيه عالم جَواد مجاهد، توفي سنة إحدى وثمانين ومئة. (التقريب ص ٣٢٠) . ٥ جرول بن أوس العبسي الشاعر المشهور، أسلم ثم ارتد ثم أسلم، توفي بعد خلافة معاوية. (الشعر والشعراء ص ٢٠٠، الإصابة ٢/٦٣) . ٦ في الديوان: (أطرار)، قال ابن السكيت: "أطرارا: نواحيه، الواحدة طر". ٧ في الديوان: (شتم) . ٨ ديوان الحطيئة برواية ابن السكيت ص ٢٧٨، والخبر في ابن الجوزي: مناقب ص ٧٨، والأصبهاني: الأغاني ٢/١٧٧، وهو ضعيف لإعضاله. ٩ الحنظلي المروزي، ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، توفي سنة ثمان وثلاثين ومئتين. (التقريب ص ٩٩) . ١٠ التميمي، الزاهد المشهور، أصله من خراسان، وسكن مكة، ثقة عابد إمام، توفي سنة سبع وثمانين ومئة. (التقريب ص ٤٤٨) .
[ ١ / ٣٧٦ ]
ينبغي لك أن تتكلم بفمك كله، تدري من يتكلم بفمه كله عمر بن الخطاب ﵁، كان يطعمهم حقوقهم ويزيدهم، وأعطى رجلًا عطاءه أربعة آلاف درهم وزاده ألفًا، فقيل له: "ألا تزيد ابنك كما زدت هذا؟ "، قال: "إن [أبا] ١ هذا ثبت يوم أحد ولم يثبت أبو هذا"٢.
وعن ابن عمر، قال: "كان عمر يأتي مجزرة الزبير بن العوام بالبقيع - ولم يكن بالمدينة مجزرة غيرها - فيأتي معه بالدّرّة فإذا وجد رجلًا اشترى لحمًا يومين متتابعين ضربه بالدرة، وقال: "ألا ألا طويت٣ بطنك لجارك أو ابن عمك"٤.
وعن ابن شهاب٥، أن القاسم بن محمّد٦ أخبره: أن رجلًا٧ ضاف ناسًا من هذيل فخرجت لهم جارية، واتبعها ذلك الرجل فأرادها عن نفسها فتعافسا٨ في الرمل فرمته بحجر ففضت٩ كبده، فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فقال: "ذلك قتيل الله لا يؤدى أبدًا"١٠.
_________________
(١) ١ سقط من الأصل. ٢ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٩. ٣ في الأصل: (الاطب)، وهو تحريف. ٤ ابن الجوزي: مناقب ص ٧٩. ٥ الزهري. ٦ ابن أبي بكر الصديق. ٧ مطموس في الأصل سوى: (رحا) . ٨ العفس: الجذب إلى الأرض في ضغطٍ شديد، وتعافسا: تعالجوا في الصراع. (القاموس ص٧٢٠) . ٩ الفضض: كلّ ما نفضّ أي: تفرق وانقطع. (لسان العرب ٧/٢٠٨) . ١٠ عبد الرزاق: المصنف ٩/١٣٥، ابن أبي شيبة: المصنف ٩/٣٧٢، وإسنادهما صحيح، البيهقي: السنن ٨/٣٣٧، مرسلًا وموصولًا، ابن الجوزي: مناقب ص ٧٨، ابن قدامة: المغني ١٢/٥٣٣) .
[ ١ / ٣٧٧ ]
وعن عبد الله بن صالح١ قال: حدّثني الليث٢، قال: "أتي عمر ابن الخطاب ﵁ بفتى أمرد قد وجد قتيلًا ملقى على وجهه في الطريق، فسأل عمر عن أمره واجتهد فلم يقف على خبر، ولم يعرف له قاتل، فشق على عمر ذلك، وقال: "اللهم أظفرني بقاتله"، حتى إذا كان رأس٣ الحول أو قريبًا من ذلك، وجد صبيًا مولودًا ملقى موضع القتيل فأتى به عمر، فقال: "ظفرت بدم القتيل إن شاء الله"، فدفع الصبي إلى امرأة / [٤٦/أ] وقال: "قومي بشأنه، وخذي منا نفقته وانظري من يأخذه منك، فإذا وجدت امرأة تقبله وتضمه إلى صدرها فأعلميني بمكانها".
فلما شبّ الصبي جاءت جارية فقالت للمرأة: "إن سيدتي بعثتني إليك بالصبي لتراه وترده إليك"، قالت: "نعم اذهبي به إليها وأنا معك"، فذهبت بالصبي والمرأة معها حتى دخلت على سيدتها، فلما رأته أخذته فقبلته وضمته إليها، فإذا هي بنت شيخ من الأنصار من أصحاب رسول الله ﷺ فأخبرت عمر خبر المرأة. فاشتمل٤ عمر على سيفه، ثم أقبل إلى منزلها فوجد أباها متكيًا على باب داره، فقال: "يا أبا فلان ما فعلت ابنتك فلانة؟ "، قال: "يا أمير المؤمنين جزاها الله خيرًا هي من أعرف الناس بحق الله تعالى، وحق أبيها مع حسن صلاتها وصيامها والقيام بدينها"، فقال عمر: "قد أحببت أن أدخل عليها فأزيدها رغبة في الخير وأحثها على ذلك"، فقال: "جزاك الله خيرًا يا أمير المؤمنين، امكث مكانك حتى
_________________
(١) ١ الجهني، المصري، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، توفي سنة اثنتين وعشرين ومئتين. (التقريب ص ٣٠٨) . ٢ ابن سعد الفهمي ثقة ثبت إمام مشهور، توفي سنة خمس وسبعين ومئة. (التقريب ص ٦٤٦) . ٣ رأس الحول: أعلى السنة. (القاموس ص ٧٠٥، ١٢٧٨) . ٤ اشتمل على سيفه: غطاه. (لسان العرب ١١/٣٦٩) .
[ ١ / ٣٧٨ ]
أرجع إليك".
فاستأذن لعمر، فلما دخل أمر عمر بخروج كل من كان عندها فخرج عنها، وبقيت هي وعمر في البيت ليس معها أحد فكشف عمر عن السيف، وقال: "لتصدقيني"، وكان عمر لا يكذب، فقالت: "على رسلك يا أمير المؤمنين، فوالله لأصدقن، إن عجوزًا كانت تدخل عليّ فاتخذتها أمًّا وكانت تقوم في أمري بما تقوم به الوالدة، وكنت لها بمنزلة البنت، فأمضيت بذلك حينًا، ثم إنها قالت: "يا بنية إنه عرض لي سفر ولي بنت في موضع أتخوف عليها منه أن تضيع، وقد أحببت أن أضمها إليك حتى أرجع من سفري.
فعمدت إلى ابن لها شاب أمرد فهيأته كهيئة الجارية، وأتتني به لا أشك أنه جارية فكان يرى مني ما ترى الجارية من الجارية حتى اعتقلني يومًا وأنا نائمة فما شعرت حتى علاني وخالطني، فمددت يدي إلى شفرة كانت إلى جنبي فقتلته١، ثم أمرت به فألقي حيث رأيت، فاشتملت منه على هذا الصبي والغلام٢، فلما وضعته، ألقيته في موضع أبيه، فهذا والله خبرهما، على ما أعلمته".
فقال: "صدقت بارك الله فيك، ثم أوصاها ووعظها ودعا لها، وخرج، وقال لأبيها: بارك الله في ابنتك، فنعم الابنة، وقد وعظتها وأمرتها"، فقال: "وصلك الله يا أمير المؤمنين، وجزاك خيرًا عن رعيتك"٣.
وعن أبي الزناد٤، قال: قال عمر: "لو أدركت عفراء وعروة لجمعت بينهما"٥.
_________________
(١) ١ في الأصل: (فقلته)، وهو تحريف. ٢ هكذا تكررت في الأصل. ٣ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٠، وهو ضعيف لإعضاله. ٤ عبد الله بن ذكوان القرشي. ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ٨١، وهو منقطع؛ لأن أبا الزناد لم يدرك عمر.
[ ١ / ٣٧٩ ]
وعن عبد الله بن عامر بن ربيعة قال: "سمع عمر في جوف الليل غناء فأقبل نحوه، فسكت عنهم حتى إذا طلع الفجر، فقال: إيه الآن اسكتوا اذكروا الله تعالى"١.
[وعن عاصم بن عبيد الله٢ عن عبد الله بن] ٣ عامر٤ بن ربيعة، قال: "سمع عمر صوت ابن المُغْترف - أو الغرف٥ - الحادي في جوف الليل ونحن منطلقون إلى مكة، فأوضع٦ عمر راحلته حتى دخل مع القوم، فإذا مع عبد الرحمن، فلما طلع الفجر، قال: "هيء٧ اسكتِ الآن قد طلع الفجر، اذكروا الله تعالى"٨.
وعن إسماعيل بن الحسن٩، قال: قال عمر بن الخطاب: "إن قريشًا تريد أن تكون مغويات لمال الله تعالى دون عباد الله وأنا حي، فلا والله، ألا وإني
_________________
(١) ١ ابن الجوزي: مناقب ص ٨١. ٢ عاصم بن عبيد الله بن عاصم العدوي، ضعيف توفي في أوّل دولة بني العباس سنة اثنتين وثلاثين ومئة. (التقريب ص ٢٨٥) . ٣ سقط من الأصل. ٤ في الأصل: (عاصم)، وهو تحريف. ٥ قال ابن حزم: "ربا بن المعترف - بالعين - (واسم المعترف أهيب)، الفهري، الذي غني غناء النصب إذ سمعه عمر ﵁. (جمهرة أنساب العرب ص ١٨٠) . ٦ الإيضاع: أن يُعدي بعيره ويحمله على العدو الحثيث. (لسان العرب ٨/٣٩٩) . ٧ هيء - بفتح وسكون الياء، وأخره همزة -: اسم الفعل وهو تنبه واستيقظ. ٨ أحمد: المسند ٣/١٣٢، وفي إسناده عاصم بن عبيد الله وهو ضعيف، وضعّفه أحمد شاكر في تخريجه للمسند رقم: ١٦٦٨. ٩ لعله العتواري، يروي عن ابن عمر، روى عنه أخوه يعقوب بن الحسن. (التقريب ص ٤/١٩) .
[ ١ / ٣٨٠ ]
آخذ حَلاقيم قريش١ عند باب الحرة٢ أمنعهم من الوقوع في النار، ألا وأنى سننت [في] ٣ الإسلام سن البعير، يكون حقًا٤، ثم يكون ثنيًا٥، ثم يكون رباعيًا٦، ثم سديسًا٧، ثم يكون بازلًا٨، ألا وإن الإسلام قد بزل فهل ينتظر من البازل إلا النقصان؟ "٩.
وعن إسماعيل بن إسحاق١٠: مغويات بتسكين الغين، واللغويون يقولون: بتشديد الواو، معناه: مهلكات. وهو مأخوذ من المغواة، وهي المهلكة.
_________________
(١) ١ الحلقوم: الحلق، وحلاقيم البلاد: نواحينها. (لسان العرب ١٢/١٥٠) . ٢ يقصد حرة المدينة، وكان يمنعهم من الخروج. ٣ سقط من الأصل. ٤ الحِق: من أولاد الإبل: الذي بلغ أن يركب ويُحمل عليه ويضرب. يعني: أن يضرب الناقة. (لسان العرب ١٠/٥٤) . ٥ الثني: الذي يلقي ثنيه، ويكون ذلك في الظلف والحافر في السنة الثالثة، وفي الخف في السادسة. (الصحاح ٦/٢٢٩٥) . ٦ الرّباعية: السن التي بين الثنية والناب، ويقال للذي يلقيها: رباع، وذلك إذا دخل في السنة السابعة. (القاموس ص ٩٢٩) . ٧ أسدس البعير: إذاألقىالسن بعدالرباعيةوذلك في السنة الثامنة. (لسان العرب٦/١٠٥) . ٨ بَزل البعير يبزل بزولًا، قطر نابه. أي: انشق فهو بازل. ذكرًا كان أو أنثى، وذلك في السنة التاسعة. (الصحاح ٤/١٦٣٣، لسان العرب ١١/٥٢) . ٩ ابن الجوزي: مناقب ص ٨١، وقد أورد القسم الأوّل منه حتى قوله: " مغويات لمال الله"، أبو عبيد: غريب الحديث ٣/٣٢٣، وابن الأثير ٣/٣٩٨، وابن منظور: لسان العرب ١٥/٢٩٥، وقوله: " يكون حِقًا"، مأخوذ من قول النبي ﷺ كما أخرجه أحمد في: المسند ٣/٤٦٣، ٥/٥٢. ١٠ الأزدي، مولاهم، البصري، القاضي، صاحب التصانيف، قال ابن مجاهد سمعت المُبرّد يقول: "إسماعيل القاضي أعلم مني بالتصريف"، توفي سنة اثنتين وثمانين ومئتين. (الديباج المذهب ١/٢٨٢، سير أعلام النبلاء (١٣/٣٣٩) .
[ ١ / ٣٨١ ]
والأصل فيها بئر تحفر ويعلق فيها جدي / [٤٦ / ب] فإذا جاءها الذئب فيتدلى إلى الجدي اصطيد١، وهي كالزبية للأسد، لأن الزبية تجعل للأسد في مكان مرتفع، يقال: قد بلغ السيل الزبي، إذا علا وارتفع حتى يبلغ هذه الحفائر٢.
عن ابن الأعرابي٣، قال: "من حفرة مُغوّاة٤ وقع فيها":
لا تحفرن بئرًا تريد أخًا بها فإنك فيه أنت من دونه تقع
كذاك الذي يبقى على الناس ظالمًا تُصبْه على رغم عواقب ما صنع٥
وفي الصحيح عن عدي بن حاتم، قال: "أتيت عمر في وفد فجعل يدعوهم رجلًا رجلًا يسميهم، فقلت: أما تعرفني يا أمير المؤمنين؟ قال: "بلى، أسلمت إذ كفروا، وأقبلت إذ أدبروا، ووفيت إذ غدروا، وعرفت إذ أنكروا"، فقال عدي: فلا أبالي إذًا"٦.
وذكر أبو القاسم الأصفهاني عن الربيع بن زياد الحارثي٧، أنه وفد إلى
_________________
(١) ١ انظر: أبا عبيد: غريب الحديث ٣/٣٢٣، ٣٢٤، ابن الأثير: النهاية ٣/٣٩٨، ابن منظور: لسان العرب ١٥/١٤١. ٢ انظر: ابن الأثير: النهاية ٢/٢٩٥، ابن منظور: لسان العرب ١٤/٣٥٣، الميداني: مجمع الأمثال ١/١٥٨. ٣ محمّد بن زياد الأعرابي مولى العباس بن محمّد الهاشمي، من علماء اللغة، توفي سنة إحدى وثلاثين ومئتين. (وفيات الأعيان ٤/٣٠٦، مقدمة كتابه البئر ص ٧) . ٤ انظر: الميداني: مجمع الأمثال ٣/٣٠٦، ٣٠٧. ٥ ابن الجوزي: مناقب ص ٨٢. ٦ مسلم: الصّحيح، كتاب فضائل الصحابة ٤/١٩٥٧، رقم: ٢٥٢٣، بأخصر ولم أجده في الصحيح بهذا اللفظ، فلعل المؤلف اطلع على نسخة أخرى. انظر: ص ٤٠٧، فقد سبق تخريجه. ٧ البصري، مخضرم، ذكر صاحب الكمال أنه أبو فراس الذي روى عن عمر، ورد ذلك المزي. (التقريب ص ٢٠٦) .
[ ١ / ٣٨٢ ]
عمر بن الخطاب ﵁ فأعجبته هيئته ونحوه، فقال: "يا أمير المؤمنين! إن أحق الناس بطعام لين، ومركب لين، وملبس لين، لا أنت - وكان أكل طعامًا غليطًا - فرجع عمر جردية كانت معه فضرب بهارأسه، ثم قال: "أمَ والله ما أراك أردت١ بها الله، ما أردت بها إلا في مقاربتي، إن كنت لا أحسب أن فيك خيرًا، ويحك هل تدري ما مثلي ومثل هؤلاء؟ ". قال: وما مثلك ومثلهم، قال: "مثل قوم سافروا فدفعوا نفقاتهم إلى رجل منه، فقالوا: أنفق علينا، فهل يحل له أن يستأثر منها بشيء؟ "، لا يا أمير الممؤمنين، قال: "فذلك مثلي ومثلهم".
ثم قال عمر ﵁: "إني لم أستعملهم عليكم أن يضربوا أبشاركم، ويشتموا أعراضكم، ويأكلوا أموالكم، ولكن استعملتهم ليعلموكم كتاب٢ ربكم، وسنة نبيكم ﷺ فمن ظلمه عامله بمظلمة فليعرفها إليّ حتى أقصه منه". فقال عمرو بن العاص: "يا أمير المؤمنين! أرأيت إن أدب أمير رجلًا أتقصه منه؟ "، فقال عمر: "ومالي لا أقص٣ وقد رأيت رسول الله ﷺ يقص من نفسه؟ ". وكتب عمر ﵁ إلى أمراء الأجناد: "لا تضربوا المسلمين فتذلوهم ولا تحرمونهم فتكفروهم، ولا تجمروهم٤، فتفتنوهم، ولا تنزلوهم الغياض٥ فتضيعوهم"٦.
_________________
(١) ١ قوله: " ما أردت بها)، تكررت في الأصل. ٢ في الأصل: (كاب)، وهو تحريف. ٣ في الأصل: (لاقص)، وهو تحريف. ٤ تجمير الجيش: جمعهم في الثغور وحبسهم عن العود إلى أهليهم. (النهاية ١/٢٩٢) . ٥ الغياض: جمع غيضة، وهي: الشجر الملتف. (لسان العرب ٧/٢٠٢) . ٦ ابن سعد: الطبقات ٣/٢٨٠، ٢٨١، وإسناده صحيح، وابن عساكر: تاريخ دمشق ١٣/ق ٥٤، ٥٥/أ، والمتقي الهندي: كنز العمال ١٣/٦٣٤، إلى قوله: "فذلك مثلي ومثلهم"، ونسبه لابن سعد وابن راهوية، وابن عساكر.
[ ١ / ٣٨٣ ]
وعن سعيد بن المسيب، قال: "لما ولي عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس على منبر رسول الله ﷺ فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أيها الناس إني والله قد علمت أنكم كنتم تؤنسون مني شدة وغلظًا، وذلك أني كنت مع رسول الله ﷺ وكنت عبده وخادمه وجلوازه١، وكان كما قال الله تعالى: ﴿رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [التوبة: ١٢٨] . وكنت بين يديه كالسيف المسلول، إلا أن يغمد، أو٢ ينهاني عن أمر فأكف عنه، وإلا أقدمت على الناس لمكان النبي ﷺ فلم أزل مع رسول الله ﷺ على ذلك حتى توفاه الله تعالى وهو عني راضٍ. والحمد لله على ذلك كثيرًا وأنا به أسعد.
ثم قمت ذلك المقام مع أبي بكر الصديق خليفة رسول الله ﷺ بعد رسول الله ﷺ وكان من علمتم في كرمه ودعته ولينه، وكنت خادمه وجلوازه، وكنت كالسيف المسلول بين يديه على الناس أخلط شدتي بلينه، إلا أن يتقدم إليّ فأكف، وإلا أقدمت، فلم أزل على ذلك [حتى توفّاه الله، وهو عني راضٍ، والحمد لله على ذلك] ٣ كثيرًا، وأنا أسعد به.
ثم جاء أمركم إليّ اليوم، فأنا أعلم أن سيقول قائل: "كان متشددًا علينا والأمر إلى غيره، فكيف به إذا صار الأمر إليه؟! "، اعلموا أنكم لا تسألون عني أحدًا قد عرفتموني وجربتموني، وقد عرفت بحمد الله من سنة نبيكم ما عرفت، وما أصبحت نادمًا على شيء أحبّ أن أسأل عنه رسول الله ﷺ إلا وقد سألته، واعلموا٤ أن شدتي التي كنتم
_________________
(١) ١ الجلواز: الثؤرور، وقيل: الشرطي. (لسان العرب ٥/٣٢٢) . ٢ في الأصل: (وينهاني) . ٣ سقط من الأصل. ٤ في الأصل: (وقد علموا) .
[ ١ / ٣٨٤ ]
ترون / [٤٧ / ب] ١ ازدادت أضعافًا إذا كان الأمر على الظالم المعتدي والأخذ للمسلمين لضعيفهم من قويهم، وإني بعد شدتي تلك واضع خدي بالأرض لأهل العفاف وأهل الكفّ فيكم والتسليم وإني لست آبى إن كان بيني وبين أحد منكم شيء في أحكامكم٢، أن أمشي معه إلى من٣ أحبّ منكم فينظر فيما بيني وبينه، فاتقوا الله عباد الله، وأعينوني على أنفسكم بكفّها، وأعينوني على نفسي بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإحضاري النصيحة فيما ولاّني الله من أمركم".
قال سعيد٤: "فوالله لقد وفَّى لله بما قال، وزاد في موضع الشدة على أهل الريب والظلم، والرفق بأهل الحقّ من كانوا"٥.
وقال حصين بن عبد الرحمن٦: "بلغني أن فتى من أهل المدينة كان يشهد الصلاة كلها مع عمر، وكان عمر يتفقده إذا غاب، فعشقته امرأة من أهل المدينة، فذكرت ذلك بعض نسائها، فقالت: "أنا أحتال لك في إدخاله عليك، فقعدت له في الطريق فلما مرّ بها قالت له: إني امرأة كبيرة السن
_________________
(١) ١ هذه الورقة وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي. إذ الكلام متصل. ولعل المؤلف أضافها بعد كتابة ق ٤٨ / أ. ٢ في الأصل: (لا حكامكم) . ٣ في الأصل: (أن حبيبة) . ٤ ابن المسيب. ٥ أبو القاسم: سير السلف ص ١٦٩، ١٧٠، وابن عساكر: تاريخ دمشق ١٣/ ق ٨٨، ٨٩، وفي إسناده عبد الله بن صالح، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط، ويحيى ابن أيوب الغافقي صدوق ربما أخطأ. (التقريب رقم: ٣٣٨٨، ٧٥١١) . ٦ السلمي، الكوفي، ثقة تغير حفظه في الآخرة، توفي سنة ست وثلاثين ومئة على الصحيح. (تهذيب التهذيب ٢/٣٢٨) .
[ ١ / ٣٨٥ ]
ولي شاة لا أستطيع أن أحلبها، فلو دخلت فحلبتها لي". - وكانوا أرغب شيء في الخير -، فدخل فلم يرَ شاة، فقالت: "اجلس حتى آتيك بها"، فإذا المرأة قد طلعت عليه، فلما رأى ذلك عمد إلى محراب في البيت فقعد فيه، فأرادته عن نفسه فأبى، وقال: اتقي الله أيها المرأة"، فجعلت لا تكفّ عنه ولا تلتفت إلى قوله، فلما أبى عليها صاحت فجاءوا، فقالت: "إن هذا دخل عليّ يريدني عن نفسي"، فوثبوا عليه وجعلوا يضربونه، وأوثقوه، فلما صلى عمر الغداة فقده، فبينا هو كذلك إذ جاؤوا به في وثاق، فلما رآه عمر قال: "اللهم لا تخلف ظني به، قال: مالكم؟ "، قالوا: استغاثت امرأة بالليل فجئنا فوجدنا هذا الغلام عندها فضربناه وأوثقناه"، فقال له عمر: "أصدقني؟ "، فأخبره بالقصة على وجهها، فقال عمر: "أتعرف العجوز؟ "، فقال: "نعم، إن رأيتها عرفتها". فأرسل إلى نساء جيرانها وعجائزهن، فجاء بهن فعرضهن عليه فلم يعرفها فيهن حتى مرت به العجوز، فقال: "هذه يا أمير المؤمنين"، فرفع عليها الدّرّة، وقال: "أصدقيني؟ "، فقصت عليه القصة كما قصها الفتى، فقال عمر: "الحمد لله الذي جعل فينا شبيه يوسف"١. / [٤٨ / أ] ٢.
_________________
(١) ١ لم أعثر عليه في المصادر الأخرى، وهو منقطع. ٢ هذه الورقة وردت في مكانها الصحيح، وقد أوردت الترتيب الصحيح كما بدا لي، فالكلام متصل وليس ثمة نقص في المخطوطة، ولعل المؤلف أضافها بعد كتابة ق ٤٧/أ.
[ ١ / ٣٨٦ ]